الأحد، 22 يناير، 2012

ليلة باردة



أستند على عكازه القديم منتظراً حفيده ، والقط يتحرك بجواره مختلساً تلك اللحظة من صفاء السماء من الغيوم وسطوع الشمس ، فبسط ذراعيه بالوصيد يلتمس دفء أشعة الشمس فوق سطوح تلك العمارة الكبيرة التي تطل على العاصمة بأكملها ،،،
قدميه النحيلتين الجافتين تخرج من جلبابه القصير أصابع قدميه بليتها الشقوق واصبحت خشنة ومازال هو نفس النعل الذي لم يتغير منذ سنين ، الزمن حفر على يديه علاماته فكانت تلك العروق البارزة هي نقوش السنون البائدة ، فبسط كفه على عكازه لعل العكاز يتحمله مابقى من عمره ،،،
مشي خطوتين ماداً عكازه أمامه كي يرشده الى مكان الدكة الخشبية الملاصقة لسور السطوح والمقابلة للغرفة التي يسكن بها هو وابنته وحفيده ،،،
جلس على الدكة الخشبية فول وجهه بأتجاه الهواء والفراغ الفسيح موحياً لنفسه أنه ينظر الى العمارات المنتشرة من حوله والكباري الممتدة والمتشابكة ، تتحرك أذنه بأتجاه الأصوات البعيدة والمتداخلة والغير مفسرة ، لقد أصابه العمى منذ زمن بعيد ، لم تكن تلك الكباري موجودة ، والضوضاء وتلك الأصوات لم تكن كذلك ،،،،
خرج الحفيد أبن الرابعة عشر عاماً من الغرفة ، فتمطع القط واقفاً واخذ يتمسح في قدمي الفتى ، وضع صحن الفول وحزمة الجرير والبصل وقرصين الطعمية وثلاثة أرغفة الخبز بجوار جده على الدكة الخشبية ، وقال معتذراً : الفطور ياجدي ، سامحني لقد تأخرت عليك لا تقلق سنلحق الميعاد في المستشفى ولن نضيعه ، لقد استوفينا كل الأوراق الخاصة بالعملية الجراحية ، مد ايدك ياجدي عقبال أمي ماتأتينا بكوب الشاي ،،،،،
أستند على حفيده بيده اليمنى وممسكاً بعكازه في يده اليسرى ، كانت الغيوم قد بدأت تحتل السماء من جديد وانحصرت الشمس واختفت خلفها فأصبح الهواء بارداً فدبت قشعريرة في جسد العجوز فأنتفض قليلاً موجهاً حديثه لحفيده : برد طوبة بيدخل على العضم طوالي ..
اخترقا الزحام ووقفا ينتظران الاوتوبيس ، المارة يسرعون واحدهم يصتدم بعكاز العجوز فيصيح الفتى : ماتخلي بالك ...
يصل الأوتوبيس فيمسك الفتى بيد جده ويشده مسرعاً قبل أن ينطلق الأوتوبيس فيجلس جده ويضع بجواره الأوراق والتقارير الطبية ويذهب لقطع تذكرتين ،،،،
نظرات ساخرة من أسفل النظارة يقول بعدها الموظف : انتظر دورك ياحج لا يوجد مكان الأن وأمامك ثلاث مائة حالة سيجرون نفس العملية الجراحية ، بعد أربعة أشهر تعالى أسأل ....
يستند على كتف حفيده بيده اليمنى وممسكاً عكازه بيده اليسرى ، الهواء أصبح أكثر برودة ربما الشمس لا  تسطع اليوم ،،،
هبطا من الأوتوبيس على عجل بعد أن طلب من السائق التمهل قليلاً حتى ينزل جده بسلام ، اذان العصر قد رُفع منذ خمس دقائق ، فطلب الجد من الفتى أن يدخله المسجد كي يصلى العصر ،،،
فور أنتهاء الصلاة وقف الأمام صاحب اللحية الطويلة موجهاً حديثه للمصلين : نشكركم يا أخوان على ماقدمتوه لأكمال مشروع المكيفات للمسجد التي كلفتنا ثلاثون الف جنيه وقد تبرع بأكثر من نصفها أخ كريم رفض أن يُذكر أسمه ....
الليل ارخى سدوله على سطح العمارة الكبيرة المطلة على العاصمة ، قطرات مطر قليلة بين الفينة والأخرى ، والقط  يتربص لفأر خلف كومة من الكراكيب ،،،
يجلس العجوز على السرير الصغير متدثراً بالبطانية الرمادية والفتى يتابع الفيلم العربي في التلفزيون المشوش ، وتقف الأم تضع بعض شرائح الباذنجان في مقلاة الزيت  وبجوارها ثمرة طماطم تنتظر أن تُقطع بجوار الباذنجان المقلي ،،،،
ليلة بارده من ليالي طوبة التى تفتت العضم هكذا قالها العجوز وهو متدثراً بالبطانية وأبنته نائمه حتى تصحو في الصباح لتذهب الى عملها كخادمة في احد بيوت الأثرياء ، والفتى يقرأ قصة من روايات الرجل المستحيل ،،،
خرج الفتى الى فناء السطوح ، القط قابض بمخالبه على الفأر الصغير ،،
نظر الفتى الى الفراغ الكبير والأضواء البعيدة المتلألاه ، ولوحة الأعلانات المبهرة فوقه تضيء  وتنطفئ عليها صورة أحد المطربين المشهورين ،،،
عاد الى الغرفة وهز جده العجوز فقام فزعاً فقال الفتى : تعالى ياجدي اقعد معايا بره نحكي ، الجو جميل وسأصنع لك كوب شاي ،،،
أخرج العجوز يده النحيله من أسفل البطانية ثم قال : عضمي مش بيتحمل البرد ...
تدثر العجوز بالبطانية واستند على كتف حفيده وخرجا الى فناء السطوح وجلس على الدكة ، الهواء صحو ورياح باردة خفيفه قد تستحق أن يستنشقها ربما تكون أخر نسمة باردة ...
عاد الفتى بكوب الشاي ، ينعكس عليها ضوء لوحة الأعلانات المبهر ، تسقط عليها قطرة مطر فتهزها بدوامة صغيرة ،،،،
تململ العجوز قليلاً البطانية لا تغطي جسمه كله كانت أصابع قدميه الطويلة النحيفة تخرج من البطانية ، ويديه بعروقها البارزة تقاوم برد طوبة الشديد ،،،
أطرق أذنيه للأصوات المتداخلة والضوضاء القادمة من بعيد ثم قال لحفيده : قولي في ايه ؟؟
الفتى يجلس على السور : عمارات كثيرة بعضها ظاهر بوضوح واخرى يخبئها الضباب ، طائرة صغيرة في السماء يخرج منها ضوء متقطع ، وأبراج طويلة لا أعرفها عليها ضوء احمر ينور وينتطفى ، كباري كثيرة عليها سيارات لا أستطيع عدها ، اعلانات في كل مكان بيبسي وكوكاكولا وأفلام وتلفزيونات ......
القط قفز الى الدكة الخشبية يتمسح في بطانية العجوز يستمد منها الدفيء ،،
نظر الفتى الى جده فوجده لا يحرك ساكناً ، يهزه فلا يتحرك ...
العجوز قد استنشق اخر نسمة باردة لم تخرج من صدره بعد ، يختبىء بها داخل دثاره ،،،
أمسك الفتى  بيد جده  النحيفة الباردة بعروقها البارزة ، قطرات المطر الصغيرة ترتطم بكوب الشاي صانعة دوامات صغيرة عليها ، ولوحة الأعلانات الضخمة تضيء وتنتطفيء  ,,,,,,
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يسقط حكم العسكر