الثلاثاء، 23 سبتمبر، 2014

انه خريفٌ اخر

نظر الى الساعة القديمة ذات البندول الثقيل الذي يُحدث حشرجة ثقيلة كل حين ، كانت الثانية عشرة ظهراً ورياح خريفية رطبة مُحملة برائحة البحر تجتاح الستائر والشرفة فتصتدم ابواب الشبابيك ببعضها وتنغلق ثم تعود وتنفتح من جديد ....
أزاح ستار الشرفه فتطايرت خلفه لداخل الغرفة ، وقف ليحصى زهرات الياسمين الصغيرة فوجدها زادت اثنتين عن البارحة ، اقتطفها ووضعها في طبق الفنجان الصغير ....
 السُحب الخريفية الغازية من خلف البحر تقترب الى الشاطيء لتشاكس شمس الظهيرة التي بدأت تُلقي بشال دافيء يعكر تلك النسمات الرطبة المحملة برائحة البحر ....
انطلق غباراً ثقيلاً من الشرفة المجاورة المهجورة منذ سنوات ، منذ أن غادرها أصحابها للهجرة خارج البلاد لم يسكن البيت المجاور أحد ، سمع سعالاً رقيقاً ثم أندفع باب الشرفة ، وضعت دلواً بجوار الباب ثم وقفت للحظات تستنشق بعض النسمات الرطبة ....
يتدلى شعرها الكستنائي خلف منديلاً أبيض تُلفه حول شعرها يكاد صفاء عينيها يُعكس زُرقة البحر والسُحب الخريفية التي تمتزج فيه ، صفاء عينيها يكاد يُعكس تفاصيل ذلك الكون الممتد الى افاق بلا حدود ....
أمسكت المكنسة واخذت تزيح التراب العالق بالشرفة المهجورة ... أحس انها تزيح ذكريات سنواته التي قضاها بين جنبات هذا البيت ، أصبحت تلك الأيام والسنوات والذكريات مجرد غبار منثوراً تذروه ريح خريفية ضائعة بين أحضان ذلك البحر الممتد الى افاق بلا حدود ....
لم تكن تشبهها لكنها أعادته فتى صغيراً مرة أخرى ، يتسللان سوياً الى الشرفة هرباً من عالم غير مفهوم ، يتتبعان بعيون مطمئنه طائرة ورقية تحلق بعيدا ، يستقبلان اول قطرات مطر الشتاء في ليلة من ليالي اكتوبر البعيد .....
وقف أمام بائع الجرائد يتطلع على مانشيتات الصحف والصور الكثيرة التي تكاد تُحدثه وتتبعه بنظراتها قد تكون لائمه او مستهزئه وقليلاً حانيه ، رياح الخريف تُطير الصحف والمجلات فلحقها الصبي بتثبتيها بالحجارة ....
نزلت من سيارتها وفتحت حقيبة السيارة وأخذت تحمل بعض الاغراض لتضعهم على الرصيف ، ثم أتت بحوض صغير بهِ سمكة زرقاء وحيدة ...
أقترب منها وقام بالقاء التحية عليها ، ردت تحيته بأبتسامة هادئه ، أخبرها انه جارها ويسكن في البيت المجاور وعرض عليها مساعدتها في حمل الأغراض !!
حمل حوض السمكة الزرقاء وادخله الي البيت الذي يعج ببعض الفوضى ، تلك الرائحة المميزة لم تغادره بعد ، كأنه الأمس الذي هاجره وتركه أصحاب البيت القدامى ....
تعيش مع أبيها وأخوها الصغير ، أتوا من العاصمة  حيث يعمل أنتقل أبوها من عمله في العاصمة الى هنا ، أخبرته أنه أحبت البيت خاصة تلك الشرفة المُطلة على البحر ، ورائحة الياسمين الدائمة التي تأتي من شرفته .....
جلسا سوياً في الحديقة المجاورة للكنيسة القديمة التي تتوسط الشارع الموازي لكورنيش البحر ، واخوها الصغير يلعب بدراجته بالقرب منهما ، لم يكن يتوقع أن تطرح عليه ذلك السؤال ... الديك حبيبة ؟
 ترانيم ليلة الأحد تتسلل من الكنيسة القديمة وصوت الجوقة اليوم أكثر عذوبة والأضواء خافته خلف النوافذ الملونة والمتزينة بصور القديسين ، صمت للحظات لكنه أجابها ... هاجرت منذ سنوات !!!
بحثت بعينيها عن أخوها الصغير فوجدته يلعب بدراجته بعيداً ...
أرتفع صوت جوقة الفتيات الصغيرات بالترانيم مع صوت الأرغن الغليظ ، قالت : حبيبي سيأتي ليستقر هنا في تلك المدينة قريباً !!!
صمتت جوقة الفتيات مع الأرغن الحزين أعقبها دقات أجراس الكنيسة القدينة مُعلنة قُداس المساء .....
نظر بعيداً عنها ثم قال : يبدو أنها ستُمطر على غير المعتاد ، هي بنا !!!!
نهاية خريفٌ أخر ينذر بقدوم شتاء مبكر ، مطراً ثقيلاً يرتطم بزجاج شرفته ، نظر الى الساعة القديمة ذات البندول الثقيل محدثاً تلك الحشرجة المعتادة ، أوشكت على التاسعة مساءً ....
أزاح ستائر الشرفة ونظر الى شجيرة الياسمين ليُحصى زهراتها فلم يجد سوى زهرة واحدة ، تركها مكانها لم يقطفها ....
تلك الضحكات والهمسات تتسلل اليه من الشرفة المجاورة ...

وقف ممسكاً بطبق الفنجان الفارغ من زهرات الياسمين يستقبل قطرات مطر الشتاء الثقيلة ناظراً الى تلك السُحب الكثيفة القادمة من وراء ذلك البحر الممتد ,,,,,,,,