الثلاثاء، 20 مارس، 2012

الغرباء



أغلقت باب غرفتها حتى تخفف من الضوضاء التي يصدرها الغرباء في الخارج ، صوت التلفاز ومناقشات بصوتٍ عال واحدهم يتشاجر مع الصبي لأنه تأخر في عمل الشاي أو لم يأتي بالسجائر ...
أحست بالتوتر ، لم تجد زجاجة المطهر بجوارها ، بدأ يتسلل القلق الى داخلها ، أخذت تبحث عنها في كل ركن في الغرفة حتى وجدتها بجوار السرير ، تنفست بعمق ثم دهنت يدها بالمطهر جيداً ...
أخرجت رزمة الأوراق والقلم الرصاص  من درج مكتبها الصغير وبدأت تدون يوميتها كالمعتاد ، اليوم هو الأربعاء الثامن عشر من أكتوبر ، يوم خريفي بارد ، أول أسراب الطيور المهاجرة عادت هذا الصباح الى بلدتنا الساحلية الصغيرة سمعت اصواتها قادمة من الشاطيء والميناء الصغير ، جاء غريب أخر ليسكن عندنا بضعة ليالي ، لم أرتاح له ، نظراته حادة ، له شارب كبير يبدو انه يعتز بهِ ويعتني به جيداً ، دائماً ما أكره اصحاب الشوارب الكثيفة ، قوي البنية له كرش مستدير ، نظرت في دفتر الزوار الذي تسجل فيه أمي بيانات النزلاء فوجدت انه ضابط جيش متقاعد ...
الى متى سنظل نؤجر غُرف بيتنا للغرباء ، منذ سنوات بعد وفاة والدي وأمي تستغل الغرف الكثيرة في الشقتين الكبيرتين كبنسيون لمبيت الغرباء ، قالت انها ستدر علينا رزق وفير كي تربينا انا واخي وتعالجني في بلد متقدمة بعد أن فقدت النطق والكلام بعد وفاة أبي في حادث السيارة ، جائتني حمى قوية وبعدها فقدت القدرة على الكلام ....
اليوم شاهدت السيدة المهذبة حزينة ربما لم توفق في أنهاء اجرائات نقلها لبلدتها الأصلية ، جائت منذ يومين بعد أن تم نقلها الى المدرسة الثانوية في بلدتنا ، سمعتها تقول لأمي انها لابد أن تنفذ النقل حتى تستطيع أن تأتي بتوقيع وكيل الوزارة لأعادتها لبلدتها مرة أخرى أو تأخذ اجازة بدون مرتب ، يبدو أنها لم تستطع أخذ الاجازة ، أحببت هذة السيدة وطفلتها الجميلة ...
أما الرجل غريب الأطوار الذي ينزل في الغرفة رقم ثلاثة لم يظهر اليوم ، لا يتحدث كثيراً مع أحد ويحب الأنطواء يخرج طوال اليوم ويعود في المساء ، سألته أمى عن سبب الأقامة ، قال انه من العاصمة وفي زيارة لحل بعض المشاكل بين اقاربه المقيمين في بلدتنا ،،،
وضعت القلم الرصاص بجوار الورق وأخذت زجاجة المطهر ووقفت تنظر من الشباك المُطل على البحر ، ظلت تبحث عن الطيور التي سمعت صوتها في الصباح لكن يبدو أنها أختفت ، كان نباح الكلب الذي يحرس البيت لا يتوقف ، أحست بأحساس غريب الكلب لم يتوقف منذ أن جاء  هذا الرجل الغريب في الصباح ، قالت لنفسها : قد يكون اخوها الصغير نسي ان يقدم له الطعام ؟؟
النظام في البنسيون حسب تعليمات الأم ان يتم تقديم الأفطار والعشاء فقط للنزلاء حتى لا يسبب الغداء عبئاً عليها ، فكان هناك نزلاء يكتفون فقط بوجبتي الافطار والعشاء وفيه من يخرج للغداء في الخارج في المطعم المجاور للبنسيون ...
الساعة قاربت على الخامسة عصراً ، خرجت تساعد أمها وترى الكلب لماذا ينبح منذ الصباح ، وجدت الكلب بجواره بعض الطعام ، يتحرك بتوتر جيئة وذهاباً ، ما أن رأها حتى سكت عن النباح واخذ يتمسح في قدميها ثم هدأ قليلاً ....
عادت الى الصالة الكبيرة ، كان بها طاولة للطعام كبيرة حولها عشرة كراسي ، تلفاز قديم ، ساعة قديمة الطراز من الخشب الأبنوس القائم قد اشتراها الأب من احد المزادات الايطالية ، صالون بلجيكي قد صنعت له الأم قماشاً أبيض يحميه من الأتربة واستعمال النزلاء ،،،
جلست السيدة المهذبة وطفلتها بجوار التلفاز ، كانت الطفلة تلعب بدميتها الصغيرة والأم تشاهد المسلسل ،،،
فجأة خرج الرجل الذي جاء في الصباح وبصوت جهوري غليظ أخذ يزعق : هذا المكان كله فوضى الغرفة لا تطل على البحر كما طلبت ، والغداء أتأخر ، والصبي الذي ارسلته كي يأتيني بالسجائر تأخر أكثر من ربع ساعة ، انا دفعت مبلغ مقدم ولابد أن القى خدمة مقابل هذا المبلغ .....
فزعت الطفلة الصغيرة واختبأت في حضن أمها ، خرجت الأم صاحبة البنسيون من المطبخ ونظرت للرجل بأشمئزاز وقالت : لماذا تزعق هكذا ؟؟ نحن لا نقدم وجبة غذاء في البنسيون ولقد قلت لك هذا في الصباح ، أما الغرفة المطلة على البحر فلا يوجد في البنسيون سوى غرفتين تطلان على البحر والاثنتين غير متوفرتان الان  ....
صاح مرة اخرى : وهذا الكلب لا ينفك عن النباح لا استطيع النوم بسببه ولابد أن أرتاح لاني عندي مشاغل في المساء ، لو كنت أمتلك هذا الكلب لكنت قتلته .....
خرج الرجل الهاديء المنطوي من غرفته ونظر الى الرجل الذي يزعق ثم جلس على الطاولة لا يبالي به ....
لم يعد أحد يهتم الان ...
جاء الصبي بالسجائر فأعطاها للضابط المتقاعد وطلب منه اكرامية فرفض الضابط وكان سيضربه ...
رفع صوت التلفاز فأصبح يحدث حشرجة قوية لما ارتفع صوته للدرجة القصوى ، نظر الى السيدة المهذبة وحرك شاربه بشكل شهواني وابتسم لها  ثم جلس على الطاولة بجوار الرجل الهاديء ....
أحست بالضيق من الرجل واخرجت زجاجة المطهر من جيبها واخذت تدعك يدها بهِ ثم دخلت الى غرفتها .....
أخذ يدخن ثم عزم على الرجل الهاديء بسيجاراً فرفض الرجل ، قال : انت من أي بلد احب أن اتعرف بك ...
رد الرجل وهو يمسك في يده جريدة الصباح : أنا من العاصمة ...
قال وهو ينفخ الدخان في وجهه: هااا من العاصمة , أنا ايضاً من العاصمة , جئت الى هنا لمدة يومين او ثلاثة حتى أنتهى من اجرائات بيع أرض أمتلكها هنا ، كنت اشتريتها منذ زمان وانا في الخدمة ، للعلم أنا عميد سابق في الجيش ، اشتريت هذا الأرض بالتقسيط المريح ، وحان الوقت الأن كي استفيد بها ، جائني مبلغ كبير فيها  لأبيعها فقلت أنها فرصة كي اتخلص منها سريعاً ,,,,
الكلب يزيد من نباحه فيصيبه هذا بالضجر ...
ينظر بعصبية حوله ثم يقول : أتدري كان هناك كلب في وحدتي العسكرية وكان ملعون مثل هذا الكلب ، قد أصابه مرض فظل ينبح مرة طوال الليل ، فخرجت من مكتبي وقتلته ، وامرت الجنود فألقوه في الصحراء ، لماذا صاحبة هذا البنسيون الغبية لا تتخلص منه ؟؟
فقال الرجل في هدوء وهو لا ينظر له : هذا الكلب يملكه أبنها الصغير وهو يحرس البيت أيضاً ....
فضحك وقال : ليس عذراً لعدم قتله !!
اعلنت الساعة القديمة القائمة في الصالة عن الساعة التاسعة ، كانت الأم والصبي يضعان العشاء على الطاولة الكبيرة ، فجلست السيدة المهذبة وطفلتها اخر الطاولة ، والرجل الهاديء في المنتصف وبجوار الضابط المتقاعد ،،،
نظر الى الأكل ثم قال بأستهزاء : ما هذا ؟؟ أنحن في مستشفى ؟ مربى وزبادي وبيضتين وقطعة من الزبد !! أين اللحم والمكرونة والفطائر ؟؟ ثم ضحك وهو ينظر للسيدة المهذبة ، متظاهراً أنه يلاعب الفتاة الصغيرة ودميتها ,,,,
بدأت الأم تخفف اضائة البنسيون ودخلت الى غرفتها ونامت مع ابنها الصغير ....
كان الكلب قد هدأ قليلاً لكنه ينبح كل حين ...
الضابط المتقاعد قد خرج بعد العشاء ولم يأتي الى الان ، والسيدة المهذبة دخلت غرفتها هي وطفلتها الصغيرة ثم اخذتها في حضنها ونامت ، أما الرجل الهاديء فكان يقرأ في غرفته ثم غلبه النعاس ,,,,
وصل الضابط المتقاعد على الساعة الواحدة صباحاً ففتح له الصبي وهو يتثائب ويدعك عينيه من النوم ، فقال له الرجل ضاحكاً : هاهاهاهاها أنتم من القوم الذين ينامون مبكرا هااااا ....
وقف قليلاً في الصالة بعد أن دخل الصبي غرفة المطبخ كي يستكمل نومه ...
أخذ يتلفت حوله ، ثم جلس يدخن سيجاراً ,,,
ثم خرجت الفتاة لقد نفدت منها زجاجة المطهر وذهبت تبحث عن أخرى في دولاب الأدوية بالقرب من المطبخ ، فوجدت الضابط المتقاعد يدخن السجائر ....
نظر لها ثم دخل الى المطبخ خلفها ، كانت الفتاة قد وجدت المطهر ووضعت في جيبها ، التفتت للوراء فوجدته أمامها ففزعت وخافت بشدة لا تستطيع أن تصرخ أو تستغيث ....
أمسكها من خصرها ويديها واقترب منها كي يقبلها ، فقاومته بشدة فوجدت السكين بجوارها ,,,,
كان الكلب اكثر توتراً ونباحاً عن ذي قبل ،،،،
الغريب منهمكاً في تقبيلها برائحته النتنه فهمت بطعنه بالسكين فقفز الكلب من شرفة المطبخ المطلة على ساحة المنزل الخلفية ، ونهش الغريب من قدمه وظهره ، فسقط على الأرض يصرخ ويتألم ،،،،
والكلب قابض على الغريب ، والغريب  يقاومه بشده ،،،
الفتاة تبكي ،،،
أستيقظت الأم والجميع والغريب يسيل منه الدم وذهب في غيبوبة طويلة ,,,,
ضمت الأم الفتاة في حضنها ومسحت على شعرها والفتاة تصب من زجاجة المطهر وتطهر يدها ووجهها ,,,,
في الصباح تقف في شباك غرفتها المطل على البحر تنتظر  اسراب الطيور المهاجرة على الشاطيء والميناء الصغير ,,,,,,,
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة لمونيه 

الثلاثاء، 6 مارس، 2012

رياح أمشير



صوت التلفاز بدأ يرتفع مجدداً ، قد نسي أن يصلحهُ ، كان يشاهد أحد أفلام محمد خان طائر على الطريق ،،،
واقفاً في المطبخ يصنع فنجان قهوته ، ثم تذكر أن البن قد نفد ،،،،
عاد وجلس أمام التلفاز ، الأريكة متسعة تساعد على النوم فدفع الجريدة القديمة بقدمه فسقطت على الأرض بجوار زجاجة المياه الفارغة ،،،،،
صورة أمه وأبيه المعلقة على الحائط رُدمت بالتراب بعد رياح أمشير التي هبت أمس ، تلفت حوله على الفوطة فوجدها خلف الأريكة ، فمسح التراب من على البرواز ثم عاد فأستلقى على الأريكة كما كان ,,,,,
الرياح لم تتوقف من الأمس وأمواج البحر تكاد تصل للشارع ، لم يفتح الشبابيك منذ يومين منتظراً هدوء أمشير .........
أمسك الهاتف ثم أبتسم ، حسناً لم تتصل ، لم يبالي بعدم أتصالها منذ أكثر من أسبوعين ، كان مريضاً وقتها وأخبرته أنها لن تنتظره هي وأهلها أكثر من ذلك ، أما يتمم الزواج وأما تقطع العلاقة ، كيف أنه حب استمر خمس سنوات ، قالت : لم يعد بمقدوري تحمل الضغوط أكثر من ذلك ،،،
حسناً كما تشائين لن أكون أبداً مصدر إزعاج وضغط عليكِ ، فكري قليلاً حتى تتحسن الظروف وأتصلٍ علي إذا استطعتِ أقناعهم ،،،،
قالت : ربما أستطيع ......
فتح الشُرفة المطلة على البحر ، كانت رياح أمشير قوية وبعض الأتربة المتراكمة على الشيش دخلت في عينيه ، مسح عينيه بيديه ، ثم نظر الى الأفق البعيد في البحر ، كان الضباب والرياح تقف كحاجز بينه وبين البحر والشمس تسعى جاهدة لأختراقها ، فأرقه هذا التأزم وأصابه بالخنقة , لم يستطع حتى التنفس .....
ظل واقفاً لدقائق ثم عاد وأغلق الشرفة مرة أخرى ، أزعجه صوت احتكاك الشيش بالبلاط فأغلقه بقوة وقرر أن يخرج ويجلس على البحر ......
أمبوبة معجون الأسنان قاربت على الانتهاء ، أعتصرها جيداً حتى خرج منها القليل ، كان بخار الماء المتصاعد من الماء الساخن يحول بينه وبين المراه حتى اختفى وجهه من عليها ، فمسح بيده البخار ، فكان وجهه متعرجاً لا يُرى بوضوح .....
الشارع لم يعج بالمارة والزحام كالمعتاد ، المقهى مفتوح بينما محل الملابس الذي بجواره مُغلق ، وكُشك السجائر يختبئ فيه صاحبه العجوز , السيارات قليلة يبدو أن الناس تُفضل عدم الخروج في مثل هذا الجو الكئيب !!
عبر الشارع وتمشى بجوار البحر ، القى السلام على جاره العجوز الذي يقيم وحيداً بعد موت زوجته وهجرة أبنه الوحيد ، فرد عليه العجوز برفع يده فقط وصوت مرتعش ضعيف ......
الفتاة الصغيرة ذات الشعر الأسود الطويل تجلس وحيدة على الدكة ، مبتسمة لا تُبالي بالرياح الشديدة ، يتطاير شعرها في الهواء بحرية ثم يهدأ مع الرياح وينساب في نعومة على كتفيها ....
محل لعب الأطفال أقام حفل موسيقي من اول اليوم للدعاية بمناسبة ألافتتاح ويوزع الهدايا على الأطفال ، كانت هي لا تلتفت أليه كأنها لا تراه ،،،،
جلس بجوارها ، فألتفتت أليه ثم ابتعدت لأخر الدكه ، ظل صامتاً ثم قال : أنتي هنا من الحي ولماذا تجلسين وحيدة ؟؟
ظلت ناظره الى البحر ولم ترد عليه ....
قال وهو ينظر لمحل اللعب : لماذا لم تذهبي الى محل اللعب ، هناك يوزعون هدايا للأطفال !!
لم تلتفت أليه وبقيت كما هي تنظر للبحر ....
صوت الموسيقى أصبح صاخباً والرياح تزيد من قوته ، وظل هو صامتاً ، والفتاة تنظر الى البحر كأنها تنتظر أن تخرج منه الجنية الزرقاء او عروسة البحر كما قرأت في الحواديت .....
الشمس مازالت تجاهد كي تخترق الضباب والشبورة الترابية التي سببتها رياح أمشير ، والرياح تشتد تارة وتهدأ أخرى ,,,,
صوت قوي يأتي من بعيد ، اصتدام سيارتين وتجمهر المارة حولهما ، هذا يحدث كل يوم على الكورنيش لقد أصبح شيء أعتيادياً ،،،،
لم تُبالي الفتاة الصغيرة بصوت ألارتطام ، ولم يبالي هو لأنه أعتاده ،،،،،
قام وتمشى بأتجاه البحر ، ثم أخترق الحاجز الحجري ، التفتت أليه الفتاه الصغيرة ،،،
أقترب من البحر ، فقامت الفتاة ووقفت على الحاجز الحجري تنظر أليه ، شعرها يتطاير بشدة بفعل الرياح ألامشيرية القوية ،،،،
لامست قدميه الأمواج المتوترة ...
وقفت الفتاة تحرك يديها بلغة ألاشارة ، تشير عليه بالعودة ،،،،
لم يراها ووقف بين الأمواج ، والفتاة تنظر من بعيد لا صوت لها ، شعرها يتطاير بشدة بفعل الرياح ألامشيرية القوية ,,,,,,