السبت، 28 ديسمبر، 2013

نهار طويل

جالساً على كرسيه الوثير الواسع كأنه يغوص في بحر لُجي لم يدري كم من الوقت ظل جالساً هكذا ، يُحرك عكازه المصنوع من خشب الأبنوس العتيق المنحوت عليه نقوش غريبة متوجه برأس أفعى فرعونية  ، ينظر الى المراه ، ينظر لها دائماً ، تنعكس فيها زوجته المستلقيه على سريرها ، يمتد شعرها كجداول ماء تنساب على مروج جسدها المرمري ترابط في هدوء ماقبل انفجار البركان الذي يسكن اسفل تلك المروج .....
صوت الموج أصبح أقل صخباً هذا الصباح ، ظلت الشمس غائبة لثلاثة أيام والمطر لم يتوقف ، بددت الغيوم هذا الصباح وأطلت الشمس على البحر فروضته وجعلته أكثر هدوئاً ....
أتكأ على عكازه وتحرك ببطء تجاه الدولاب أخذ الشال ثم نظر الى بندقية الصيد القديمة المعلقة على الحائط يحاوطها الغبار ، فأمسك بقطعة قماش وازاح عنها التراب العالق منذ سنين ....
نظر لزوجته التي ينبعث منها ذلك العطر المميز ، تتقلب في سريرها ، ظل واقفاً لبرهة أمامها ثم أتكأ على عكازه وذهب ليجلس في الشرفة المطلة على البحر ....
وضع المذياع على الطاولة وأخذ يحرك المؤشر حتى ظبطه على أغنية كلاسيكية قديمة ، تداخلت أصوات المحطات حتى أستقر المذياع على الأغنية وبدا صوتها صافياً مع الوقت ....
نسمات الشتاء الباردة حاولت أن تتسلل اليه لكنه أحكم لف الشال حول صدره ، ظل يحرك عكازه بين يديه كأنه أسورة القيد الأزلية التي لم يستطع الفكاك منها ....
ذلك الجار الذي يسكن في البيت المجاور أتى في موعده مع بداية النهار ، سحب كرسيه وسنارة الصيد والجريدة وجلس مقابلاً للبحر ، هذا الجار الوحيد الذي يأتي في الشتاء البارد بعد ان هجر الجميع البحر في الشتاء ويعودون كطيور النورس في نهاية الصيف وبداية الخريف ....
البيوت المجاورة خاوية على عروشها الى من الحراس المقيمين على حمايتها ، كل بيت يناجي الشتاء وحيداً ويتلوا تحت المطر ترانيم الوحدة التي لا تنتهي ....
ألقى سنارته في البحر بقوة ، ثم أخذ يسحب الخيط ثم يتركه مع الموج يأخذه كيفما يشاء ، ذهب الى البيت وأتى في يده ببعض اللوحات وفرشاة للرسم ، ثم جلس يلتمس دفئاً قليلاً من شمس الشتاء الواهنة .....
مازالت الأغنية الكلاسيكية القديمة تنساب صافية من المذياع ، مازال هو يحرك عكازه بين يديه ناظراً الى البحر ، نظر الى الشمس التي توسطت كبد السماء تشاكسها فلول سُحب الأمس ، لم يلتفت لصوت باب الشرفة التي فتحته زوجته وهي قادمة بصينية الشاي وبعض البسكويت ، شعرها يعاندها كفرس جامح اندفع مع نسمات النهار الشتوي ، نهديها يواجه رياح البحر بشجاعة لا تبالي بصمت زوجها لكنها أنصتت للأغنية الكلاسيكية القديمة ....
التمس دفئاً من كوب الشاي ، ظل محاوطه بكفيه تاركاً عكازه بجوار كرسيه ، بينما هي تغمز البسكويت برقة في الشاي الممزوج بالحليب ، فتسحبها بخفة قبل أن تذوب في الكوب فيكون مصيرها الذوبان بين شفتيها ....
سحب سنارته وقام سريعاً من على كرسيه وتحرك بأتجاه الموج وظل يسحب في سنارته حتى أخرج سمكة متوسطة الحجم تتمايل وتنتفض بقوة ، تنعكس عليها أشعة الشمس ثم يحكم قبضته عليها ويضعها في وعاء صغير ....
يضع كوب الشاي بعد أن تبقى به أقل من نصفه ، ثم أتكأ على عكازه وهم قائماً ببطء ووهن ثم دخل الى غرفته ، بينما هي جالسة تنظر الى ذلك الجار القديم .....
أستلقى على السرير واضعاً عكازه بجوار كرسيه ، ظل ناظراً الى سقف غرفته ، أحس أنه لم ينم منذ زمن بعيد ، لم يدري كم من الأيام أو السنين ظل مستيقظاً لا يستطيع النوم ، أغمض عينيه وترك نفسه فريسة لوحوش وضواري عقله الباطن ، تنهش فيه ولا يكاد يقاومها ....
حافية تتمشى على الشاطيء ، قميصها الأبيض الخفيف يتطاير مع تلك النسمات الباردة ، أحست ببعض البرودة تتسلل عبر قدميها الحافيتين فظلت واقفة تدفئهما في الرمال الدافئة ، بينما الجار القديم يُرتب لوحاته وفرشاته للرسم .....
أنتصف النهار وبدأت الشمس تميل بأتجاه الغرب تقترب الى رحيلها في مسقط الغروب ، ذلك النهار الطويل الغير معتاد في الشتاء لا يريد أن ينقضي بعد ...
الموج أصبح أكثر صخباً من الصباح وزاد مده فلامس الموج قدميها الحافيتين فلم تبالي ، ظلت ناظره بأتجاه البحر ثم أكملت سيرها حافية ....
أقترب منها .. فألتفتت أليه مبتسمة ... أستأذنها كي يرسمها ويهديها لوحته ... فلم تعترض ... طلب منها أن تظل واقفة هكذا لا تتحرك لبعض الوقت .....
لم يستقر نومه المنشود وأنتصرت عليه أحلامه بعد أن نهشت ما تبقى منه ، ففتح عينيه ببطء ناظراً حوله فلم يجدها ، اتكأ على عكازه وأزاح ستائر شرفته فوقف خلف الزجاج فوجدها واقفه على الشاطيء ناظره الى ذلك الجار القديم الذي يرسمها ....
فتح الزجاج وجلس على كرسيه ينظر أليهما ، مازالت الجرائد تتطاير على الطاولة بجوارها كوب الشاي الممتلىء لنصفه وكوب الشاي الممزوج بالحليب فارغاً وبعض البسكويت ، مازالت الأغاني الكلاسيكية القديمة تنساب صافية من المذياع لا تتوقف يعلو صوتها تارة وينخفض تارة أخرى ....
اتكأ على عكازه وهم واقفاً ، ثم تحرك ببطء الى غرفته ، أنزل بندقيته القديمة المعلقة على الحائط  ، ظل ناظراً اليها ، ثم تأكد أنها محشوه بالخرطوش  ....
كانت تبتسم الى الجار القديم يلامس الموج قدميها الحافيتين ، وكاد هو يفرغ من لوحته ، وكاد النهار الطويل أن ينقضي ....
وقع عكازه على الأرض بجوار الطاولة ، ثم صوب بندقيته باتجاه نهديها وهي تبتسم لجاره القديم ، توقف برهة على الزناد ترتعش يديه وقدميه بدون العكاز الذي ظل ملازماً له منذ سنين  ، تغلب على عجزه الذي لم يستطع أن يتغلب عليه من قبل وضغط على الزناد ....
أنطلق الصوت مدوياً فرد صداه في البيوت المجاورة الخاوية على عروشها ، فصاحت الغربان وهبت منتفضة فزعة لتطير بعيداً ...
سقطت على الرمال تسيل الدماء على قميصها الأبيض حتى خضطبت الرمال ، فأختلط دمائها بالموج الذي أصبح أكثر قوة وصخباً ....
سقطت فرشاته ناظراً الى الشرفة القريبة المطلة على البحر ...
بينما هو جلس على كرسيه مشدوها الى البحر والشمس التى أعلنت انقضاء ذلك النهار الطويل ، تحاوطه الأغاني الكلاسيكية القديمة التي تنساب صافية من المذياع ,,,,,,,,,

الأربعاء، 27 نوفمبر، 2013

اليوم الأخير


لم يكن يتوقع كل تلك الضوضاء مبكراً ، صوت السيارات والباعة الجائلين في الشارع الذي يطل عليه البنسيون ، ظل كثيراً في المساء يتجول وسط الشوارع المحيطة بوسط المدينة حتى يجد بنسيون متوسط الحال ورخيص حتى يُقيم فيه أيامه المعدودة في العاصمة لتسويق ونشر كتاباته في بعض الصحف التي كان يراسلها في مدينته البعيدة ....
أحس بثقل رأسه وبعض الدوار ، لم يأكل شيئاً منذ الأمس ، صراخ السيدة الحامل زوجة صاحب البنسيون والتي تديره في غياب زوجها لم يتوقف كأنها تقاوم ثقل الكائن المختبئ في أحشائها منذ زمن بعيد بالمشاجرة والصراخ في وجه الصبي الصغير الذي يقضى الحاجات للبنسيون أو في وجه السيدة الصامتة دائماً التي تطبخ وتقوم على النظافة ....

وقف في شرفة غرفته المطلة على الميدان يتنفس هواء الخريف ربما يزيح وينفض عن رأسه بعض الصداع لكنه أحس بكل تلك الأصوات والألوان والعمارات كأنها تطوف داخل عقله ...
أفاق عندما سمع صوت طرق خفيف على الباب والفتى الصغير يصيح الفطور جاهز يا أستاذ ....

لملم بعض أوراقه من على المكتب الصغير ووضعها في حقيبة جلدية صغيرة ، وخرج لغرفة متسعة تتوسطها سفرة مستطيلة من الطراز القديم عليها الجبن والفول والمربى و أبريق للقهوة وأخر للشاي ، نظر للطفل الذي يجلس وحيداً في طرف السفرة ، هادئاً ، يغني ويتمتم ببعض الكلمات غير الواضحة كأنه يناجي شيئاً ما ، شعره الأسود الناعم يتدلى على عينيه كلما ضايقه يزيحه بأصبعه الصغير ، الطفل لم يلتفت إليه ظل يحرك مكعبات الجبن الصغيرة حتى أتت أمه حملته وأجلسته في حضنها ظلت تتمتم معه بصوت منخفض ثم أخذت تطعمه وهي تنظر في خجل حولها ....

جلس مقابل السيدة والطفل وصب لنفسه كوب من القهوة حتى يتغلب على الصداع الذي يدك أبواب عقله .....

كانت تتحرك بخفة في المكتبة المقابلة للبنسيون في نفس الميدان ، شعرها الأسود تلمه كذيل حصان لم يتوقف عن سطوته وانطلاقه ، عينيها الواسعتين كواحتين شرقيتين تلمعان كأنهما المرفأ للتائهين في الصحاري البعيدة ، قد تكون قادمة هي من قبائل غجرية من أقصى الشمال ، أو جبلية نبتت كشجرة توت بري لا يتحمل حلاوته إلا الأشقياء .....

وقف أمامها مشدوهاً يراقبها ، كانت لغتها الريفية أو البدوية البعيدة عن أهل العاصمة ملفتة له ، كان يكره تلك اللهجة ولا يحبها لكنه ظل مشدوهاً يراقبها ،  نسي لماذا أتى إلى تلك المكتبة ، ألتفتت إليه  بانفعال وقالت : ماذا تريد .... ظل صامتاً لم يجيب ... قالت بعصبية : أنت يا هذا ماذا تريد ؟ .... فاق من غيبوبة النظر أليها وقال : كنت أريد قلم رصاص ورزمة من الأوراق ، صمت قليلاً ثم قال : أيمكنكِ أن تكوني مهذبة أكثر من ذلك مع زبائنك ؟؟
ضحكت .... فأحس بضحكتها كأنها تحمله بين أجنحتها إلى عالم سحري عجيب لا يدري أن كان للحظات أم لأزمنة أبدية قادمة لا يستطيع الفكاك منها ....
                                                        

                                                       ********



ممسكاً بحقيبة كتاباته وقصصه ينتظر قطار مترو الأنفاق ، يقف على الرصيف يسترق السمع للقطار القادم بضوضائه المتدرجة ، اصطدامه بالمارة ولا مبالاتهم بعضهم البعض ، كان يتوق لهذا الزحام ، يقنع نفسه أنه سأم من هدوء بلدته البعيدة ، خفوت الأضواء ليلاً وسيطرة  النجوم على الكون ، كطائر صغير يتوق للهجرة شمالاً عند حلول الربيع ....

يقترب القطار يسبقه النور من فهوة النفق المظلم مؤذناً للجميع للاصطفاف على الرصيف انتظاراً لدخول القطار .....

 ابتلعه الزحام والميدان ، بحر لجيٌ من يغشاه أناسٌ من فوقهم سماء ملبدة بغيوم الخريف ، وصل إلي مقر الجريدة التي يريد أن تُنشر كتاباته ، قابلته تلك السيدة الحسناء التي يفوح منها ذلك العطر الغريبٌ عليه ، لم تكن تهتم بوجوده ونظراته الخجلة المتوترة ، تنظر إلى الصحف وقصاصات الورق المتناثرة على مكتبها ، لم يتوقف جرس الهاتف كلما أراد أن يتكلم ....
أخيراً نظرت له ثم أمسكت أحدى القصاصات وقالت : هااا أخبرني هل نُشرت لك كتابات في أحدى دور النشر ، هل في صحيفة أو مجلة من قبل وافقت على كتاباتك ، بسرعة أرجوك ؟

تلعثم ونظر إلى القصاصة التي تمسكها ثم قال : لا يا سيدتي أنني أول مرة أخطوا للعاصمة ، وأود أن تساعديني لقد راسلت صحيفتكم كثيراً وطلبوا من المجيء كي أقابلك ....
أمسكت سماعة الهاتف وحادثت شخص ما وقالت : انتظروني سآتي حالاً ...
ثم قالت وهي تهم بالوقوف : لا أستطيع أن انشر لك أي من كتاباتك دون أن يكون لك تجارب في النشر ككتب أو في صحف أخرى ، أترك لي بعض أعمالك ورقم هاتفك وسنرد عليك ....
ذلك الزحام الذي يدهس بقسوة كل من يقفز في أعماقه السحيقة يرفضه ألان كأن تلك المدينة تلفظه وتدفعه إلى من حيث أتى و تنبذه وحيداً .....

بانطلاقها وعنفوانها الغجري تلتقطه بين أحضانها ، يعود كل يوم في المساء بعد رحلة بحثه عن الجريدة التي تنشر له كتاباته  ينتظرها وسط الميدان ويمسك بيديها ويخترقا الليل سوياً  ، يكتب قصائده وكتاباته على مرفأ عينيها ، ينسج أمنياته بين جدائل شعرها الليلي ، تقسو عليه عندما يسخر من لهجتها فيحتضنها ويهدأ هذا  الفرس المندفع صاغراً بين كفيه .....



                                                  ***********



الطفل يبكي بين أحضان أمه ، تحادثه في هدوء وتطمئنه بأنه سيذهب للطبيب ولن تدعه يعطيه من هذا الدواء الكريه ....
تدمع عينيها وتنظر حولها لا تجد من تحادثه ، فوجدته أمامها ينظر إلي طفلها ، قالت وهي تداعب بأناملها شعر صغيرها : الطبيب قال لابد أن يجري له عملية القلب بعد أيام ، ويجب أن يدخل المستشفى أخر هذا الأسبوع ، لم أعد أحتمل أن أراه يتألم هكذا ....
مد يده للطفل فسكت عن البكاء وذهب إليه فضمه إلى حضنه ، ربما للحظات أو دقائق لكن ظل الطفل في حضنه كثيراً .....

عاد في المساء ينتظرها أمام المكتبة فلم يجدها ، ظل ينتظرها كثيراً ...
أربع ليالي ينتظرها ويسأل عنها في المكتبة ويخبرونه بأنها لم تظهر ولا يعلمون لها عنوان ....

                                                   **********



لم يعد يمتلك النقود الكافية لأجرة البنسيون قد يكون هذا يومه الأخير بين الزحام ، لم ينم ليلته ظل يكتب ثم يمزق كل ورقة كتب فيها ، نظر لقلمه الرصاص ورزمة الأوراق التي أشتراها منها فتركها على المنضدة ...
فتح شرفته في الصباح الباكر فاندفعت الرياح الخريفية تهز الستائر ، فتدحرج القلم الرصاص من على رزمة الأوراق فسقط على الأرض ثم تطايرت الأوراق ...
أخذ حقيبته الصغيرة وخرج إلى ساحة البنسيون ....
صاحبة البنسيون تحمل طفلها الصغير ملفوفاً بشال ثقيل يحميه من برد الخريف ، وجدها تبتسم هادئة ناظره دائماً لطفلها ....
وقف أمامها وقال : مبروك يا سيدتي أهو صبي أم بنت .... قالت مبتسمة : أنها بنت ... أنها مَلك .....

كانت السيدة تجلس بجوار صغيرها وبجوارهما حقيبة كبيرة ، نظر للطفل الصغير وأمسك يده وخرجا سويا إلى الميدان ...
ذهبا إلى دكان لعب الأطفال واشترى له تلك البالونه التي تظل محلقة في الهواء لأيام ، أخرج من جيبه النقود فوجدها بالكاد تكفي ثمنها والباقي أجرة عودته لبلدته البعيدة ....
أمسك الصبي البالونة وظل يضحكا سوياً ، أبتسمت له وشكرته ثم قالت : لن أنساك أبداً وعدني بأنك لن تنسانا ،  أمسكت الأم بيد طفلها وفي اليد الأخرى حقيبتها وذهبا للمستشفى واختفيا بسيارة التاكسي بين الزحام ....
أخذ حقيبته الجلدية الصغيرة وجلس على أحدى الأرائك الخشبية التي تتوسط الميدان ، ناظراً للمكتبة التي كانت تعمل فيها ....
أتى المساء محملاً بغيوم الخريف البيضاء التي تحجب القمر ، الميدان بدأ في الهدوء والزحام ينحصر ، تلك العمارات والألوان والأصوات التي كانت تطوف داخل عقله  تتلاشى وتذهب بعيدا بعيداً ,,,,,,,        

السبت، 26 أكتوبر، 2013

ثرثرة على شفاه البحر



نظر إلى السماء فإذا بالنجوم طُمست تحت وهج الشال الفضي الذي بسطه القمر على السماء وفتح له البحر ذراعيه فلمع كصحاف الفضة المتلألئة تتراقص في نعومة محتضنة تلك المراكب الصغيرة التي تحمل على متنها  مصابيح تساعد الصيادين قليلاً قبل بزوغ الفجر وإشراق الصباح من خلف البحر تجاه الشرق .....
قد سبقه والده العجوز بخطوات يستقبل هواء الفجر بصدره لا يبالي بتلك الشيخوخة التي انقضت بمخالبها عليه منذ سنون لقد اعتاد هواء وملوحة البحر فأصبح كسلطعون طاعناً في السن يعيش مابين الماء ومابين اليابسة وسط الصخور ....
أخذ من والده الشِباك الثقيلة وجهاز الراديو الصغير ، وحمل العجوز المصباح ، نظر إليه العجوز بخشونة وبعض القسوة وقال له : أسرع حتى نرمي الشباك مبكراً قبل أن ينحصر الموج ....
تتمايل المراكب المحملة بالمصابيح ، تتصاعد منها الهمهمات والضحكات العالية وغناء الصيادين ، كأنها صلاة وابتهالات لسيد البحار حتى يحنوا عليهم ولا يغضب ويعطهم ما يريدون   ولا يعودوا إلى الديار خائبين .....
وضع المصباح في وسط المركب الصغير ، جلس هو على أحد طرفي المركب وجلس والده العجوز على الطرف الأخر ...
أدار المذياع فإذا بابتهالات صلاة الفجر قد بدأت ، رمى الشباك وتسرسبت من بين يديه رويداً رويدا ، يفكها عقدة تلو الأخرى وتختفي في أعماق شفاه البحر الفضية ....
جلس العجوز يدندن بأغانيه البحرية التي يتملق فيها البحر والرزق ، ثم الدعاء بأن تخرج شبكته حبلى بالبوري والدنيس والمرجان ....
ابتعد بعينيه إلى الشاطئ والبيوت المتراصة الشاهدة على الزمن ، نوافذ مُغلقة وأخرى مفتوحة يشع منها ضوء صغير كعيونٍ تراقب وتنتظر ، لا يدرى ماذا تنتظر والى متى سوف تنتظر ؟؟
في أحدى تلك الشرفات ربما تقف تنظر وتبحث عنه من بين تلك المراكب المحملة بالمصابيح ، ثرثرته المعتادة عنها على شفاه البحر الفضية ، أمنياته وحكاياته عنها ومواقفه اليومية ، انتظاره اليومي لها على الكورنيش قبل الغروب ، أنها هيباتيا تلك المدينة ، هبة السماء وما خلف الشموس المنيرة  وتلك الأجرام البعيدة ، هبة الروح التي تضيء أركان قلبه كتلك الفنار الرابض بعيداً على أطراف المدينة يضيء ظُلمات البحر للسفن خوفاً من تضل طريقها يوماً ما .....
يأتي صوت الأذان قادماً من مئذنة المسجد الشامخة القريب من الكورنيش ، تتصاعد التكبيرات إلى السماء يتبعها دعوات الصيادين على المراكب المتمايلة على صفحة البحر الفضية ، كل واحداً منهم بدعائه الخاص ....
يتحسس النور طريقه من خلف البحر تجاه الشرق ، مبدداً ظلام الليل ، معركة أبدية مابين النور والظلام ينتصر أحداهما على الأخر تارة وينتصر أخر تارة ، ينسحب الظلام في هدوء وانكسار المهزوم ، وتزهوا الشمس منتصرة بضيائها تنطلق في رحلتها من البداية للنهاية في انتظار الظلام مرة أخرى ....
تنطفئ المصابيح على المراكب مرحبة بالصباح الجديد ...
يسحب عُقد شبكته واحدة تلو الأخرى ، يحس بثقل الشبكة منذرة برزقٍ وفير ، يساعده العجوز و يأخذ هو المجداف كي يبحر إلى الشاطئ ....
يفرغا شبكتهما فتتقافز منها الأسماك الكثيرة ، فيبتسم العجوز إلى أبنه ويقول : بارك الله فيما رزق ....
                                                     *********
يعبر شارع الكورنيش متخطياً السيارات المسرعة ، ثم يقف بجوار الأريكة الخشبية المواجهة لسور الكورنيش ، قاربت الشمس على الغروب مبكراً في أيام الخريف القصيرة ، تحوطها بعض السحب الخريفية المشاكسة ، ينتظرها كالمعتاد في ذلك المكان في الجهة المقابلة لدكان الايس كريم ....
تلهو الفتاة الصغيرة حوله حافية القدمين ، تغني وتلهو بدميتها بجوار أبيها ماسح الأحذية ، يطقطق بفرشاته على صندوقه الخشبي ناظراً إلى أحذية المارة منتظراً أحدهم يضع قدمه فوق صندوقه ....
يعطي ظهره للشارع والمارة وينظر إلى البحر ومشاكسات سُحب الخريف مع الشمس التي قاربت على الغروب ....
يسمع صوت فرملة سيارة مسرعة وارتطام صغير وصراخ ضعيف ....
ينظر إلى الشارع والسيارات التي توقفت وتجمع المارة وهمهمات بعضهم باللوم والتجريح لسائق السيارة الشاب ، وصوت الموسيقى الصاخبة يخرج من سيارته ....
يندفع ماسح الأحذية بين الجمع صارخاً ومنادياً على أبنته ...
أنها الفتاة حافية القدمين ، غارقة في دمائها يحتضنها أبوها وبجوارها دميتها المهشمة ....
لم يستطع أن يقترب أو أن يغوص في وسط هذا ، ظل بعيداً يرتعش يراقب عن بعد ....
ونحيب الأب ماسح الأحذية لا يتوقف ....
وضعت كفها الرقيق على كتفه فأحس بالسكينة تعود أليه ، غمرته برائحة الياسمين التي تُميزها دائماً ، دفئ كفها الرقيق جعل تلك الأصوات والعالم ينزوي ويختفي بعيداً ، إنها الهبة السماوية والشموس المنيرة وما خلف الأجرام البعيدة   .....
مع هبوط الشمس خلف البحر باتجاه الغرب وتلاشى السحب الخريفية ، وضعت كفها الرقيق بين يده وذهبا بعيداً بمحاذاة البحر ,,,,,, 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة لفان جوخ      
   

الأحد، 29 سبتمبر، 2013

ليالي سبتمبر

نفض التراب عن فاترينة المحل التي تأخذ ناصيتين على الشارع الصغير الذي يسكن فيه ، والشارع الرئيسي الذي يمر فيه ترام محطة الرمل ، قبل موعد المسلسل الإذاعي في الخامسة والربع من كل يوم يتحرك ببطء بعد تثاقل الزمن عليه ويٌخرج خرقة القماش الصفراء ويقوم بتلميع فاترينة المكتبة من غبار الترام والسيارات ....
منتصف سبتمبر تبدأ الشمس في الغروب مبكراً ، تحاصر السحب الشمالية الغازية من وراء البحر المدينة ، تحجب عنها الشمس وتحرمها قليلاً من ذلك الشال الذي يحتضنها في أوقات الرياح الباردة  قبل أن تبدأ نوات الغضب في أواخر الخريف ....
ثقل جسمه ووهن عظمه فأصبح لا يستطيع مقاومة الرياح الخريفية فيغادر منزله القريب من المكتبة متدثراً بوشاح حول صدره ، نظارته السميكة لم يكن ليفارقها حتى في نومه ، شعره الأبيض الكثيف كالثلج يظل شاهداً على صراعه السرمدي مع الزمن ....
من شرفتها المطلة على الشارع الصغير المتفرع من شارع الترام تكاد ترى المكتبة ، شرفة واسعة أكل ملح البحر ورطوبته قوائمها المعدنية لكنها مازالت صامدة ، تلك المنضدة الصغيرة التي يقفز عليها القط دائما ليبسط زراعيه ويمارس كسله المعتاد ، حول تلك المنضدة كرسيان موضعان عليهما مخدتين نحيفتين ....
تأتي بإبرتين غزل الصوف وبعض كور الصوف الملونة تحيك شال أخر لم ينتهي بعد  ، لم يُرزقا بالأولاد ولم يعلما من السبب لكنهما لم يباليا ...
تثاءب القط وهرش في أذنيه ثم ركز عينيه اللامعتين على كرة الصوف فأنقض عليها يدحرجها ، فدفعته بيديها محذرة فخضع وديعاً وجلس على المنضدة يراقب الشال الذي لم ينتهي بعد ....
هدأت أقدام المارة لم يتبقى سوى بعض الأطفال العائدين من مدارسهم المسائية ، يمر الترام محدثاً برقاً ينعكس على فاترينة المكتبة ...
أعدت أبريق الشاي وقطعة الفطير وكوبين ووضعتهم في حقيبة صغيرة ، ثم وضعت بعض الحليب للقط في وعائه الصغير بجوار باب المطبخ ، ثم أحكمت غلق شقتها وتمشت قليلاً إلى زوجها في المكتبة ، أستقبلها بابتسامة حانية لم تتغير منذ ثلاثون عاماً كأنه يبتسم لها تلك الابتسامة الأولى ، جلست بجواره وأخرجت أبريق الشاي والفطير المحلى وجلسا يتسامران ويتبادلان أحاديث المساء .....
تقف أمام الفاترينة تبحث عن كتاب بين الكتب المعروضة ، شعرها الكستنائي  المنطلق بحرية على كتفيها الصغيرين أضاف عليه الغروب همسهُ اللعوب فأصبح أرجوانيا قليلاً ، تبحث في قلق عن ذلك الكتاب الذي لم تجده على الرصيف بالقرب من محطة الرمل ، نظراتها القلقة الحائرة تسللت عبر الفاترينة للعجوزين خل المكتبة ، فظلا راقبها في صمت حتى تدخل المكتبة وتسأل عما تبحث عنه .....
عبر الشارع سريعاً ، لم ينتظر توقف السيارات لكنه مر بينها  فكادت تصدمه أحداها ، فزعق سائق السيارة من نافذتها ثم أنطلق مرة أخرى ، وقف بجوارها يلقي نظرة على الكتب المعروضة ، رفع عينيه في الفترينة فالتقت بعينيها المنعكستين على الزجاج ، توقف برهة يتذكر أين رآها من قبل ؟؟ أنها تشبهها تماماً ، كأنها هي لم تتغير منذ عشر سنوات ، أحبها في الجامعة ، أمسك بيديها في ذلك الشارع وعلى والكورنيش وفي السينما ، هنا كانت تذوب همساتهما وضحكاتهما بين الزحام وصوت الترام وبين زخّات المطر في أيام يناير القاسية ....
نظرة حائرة ونظرة قلقة تراقبهما عينا العجوزان خلف فترينة المكتبة ...
دخلت إلى المكتبة فوقف لها العجوز مرحباً بها ، فسألته عن كتاب في الأدب اللاتيني لايزابيل الليندي ، أبتسم لها ثم طلب منها الانتظار قليلاً ...
قدمت لها العجوز الشاي ، فشكرتها وظلت تدور بعينيها بين الكتب المرتصة في كل أركان المكتبة  ......
أتى لها العجوز بالكتاب ، فتهلل وجهها وانفرجت أساريرها وظلت تشكره كثيراً ، أزاحت خصلات الشعر المتطايرة على عينيها ثم انصرفت ....
وقف أمام باب المكتبة ينتظرها فاصطدمت به ، نظرت له باندهاش وكاد الكتاب يسقط منها ...
سألها أن كانت تتذكره وأخبرها باسمه !!!
وقفا سوياً على حافة الرصيف يمر أمامها الترام ، أبدت قلقها ، استمر يذكرها بنفسه !!
سألها هل أنتي فلانة ؟؟
أخذت تتلفت إلى سيارة تاكسي ثم قالت : معذرة لست هي ... ربما تشبهني ، لكنني لست هي ....
عبر ببطء إلى الشارع الأخر وظل يراقبها من بعيد ...
كان يغلق المكتبة ويساعده في غلقها أحد صبيان القهوة المجاورة للمكتبة ، وزوجته تنتظر بالقرب منه ، أحكم إغلاق مكتبته  وأمسكها بيدا بعضهما وتمشى إلى البيت ....
ركبت التاكسي وانطلق بها وزاغ بين السيارات والزحام ، نظر اليها وظل يتتبعها بعينيه إلى إن اختفت  ، ثم غادر في اتجاه شارع الكورنيش ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
اللوحة لسلفادور دالي 

الخميس، 29 أغسطس، 2013

نباح الكلاب


الضوء المنبعث من الشباك المطل على ساحة البيت القديم لم يكن ليخترق ضباب الشتاء الثقيل ، دائماً ليالي يناير الباردة ينقض فيها الضباب بأجنحته الثقيلة كطائر رخ  على البيت القريب من النهر ...
تُنزل الستائر على الشباك خوفاً من تسلل البعوض المتربص والخائف من الضباب ، وضعت أسطوانة الموسيقى الهادئة في جهاز الأسطوانات وأدارته ، أحدثت الأسطوانة حشرجة ضعيفة ثم دارت في هدوء ...
نظرت للمرأه وضعت كفيها على نهديها أحست بالبرودة بعض الشيء لكنها نزعت عنها ثوبها الثقيل فأنفجر نهديها كعيون الماء الدافئة ينساب شعرها الأسود عليه كخيولٍ عربية عطشى وقفت لترتوي من نبع نهديها المتفجر دائماً ، رأته يضع يديه على كتفيها فسارت القشعريرة عبر جسدها تُحيي الممات فيها ، حنت بخدها على كفه الساكن فوق كتفها ، توارى العتاب واللوم الذي يقف متربصاً على لسانها ، إلى متى الانتظار لقد تأخرت كثيراً ، لما تركتني وحيدة كل هذا الوقت ؟ .. لم تسمع منه إجابة إلا ابتسامته المعهودة ....
بدأ أطلاق الأعيرة النارية التي تأتي من الضفة الأخرى للنهر ، يعقبه نباح الكلاب الذي يبدو كصراخ النساء الثكلى أو الفزعة  ، تبتعد الأصوات وتقترب ، تشتد الريح الشتوية فينقطع النور في الغرفة ويعود للتو ، لا تبالي بما تسمعه فقط ترتمي في أحضانه تتنفس ذلك العطر الذي طالما اشتاقت إليه ....

ترك الصبي الصغير يلعب بدراجته الصغيرة وسط الدار ، وصرخ فيه بأن لا يغادر الدار ويخرج خلفه .....
لفت انتباهه البرواز المعلق على الحائط  الذي يحوي صورته بالزى العسكري وقد مالت كثيراً ، أغتاظ ثم عدّلها وفتح خزنته الكبيرة وأخرج بندقيته منها ، وضع طلقات الرصاص في جيبه وجمع بعض الحطب من المطبخ ثم خرج إلى ساحة الدار في الخارج ....
أحس بالريح الباردة تهاجمه فأرتعش جسمه الضخم الذي أصابه الكبر لكنه محتفظ ببقايا قوة غابرة ، عاد إلى داخل الدار وتلفح بالشال حول رقبته وعاد إلى ساحة الدار في الخارج ....
القمر مختنقاً في ليلته التي يعود فيها مكتملاً ، السحب الثقيلة تحاصره ولا تعطيه سبيلاً لأي أطلاله على الكون ...
جلس على الأريكة الخشبية ، وجد صعوبة في إشعال الحطب ، لكنه نجح في إشعالها فبدأت السنة اللهب تنبعث منها ....
عاد أطلاق النار من الناحية الأخرى من النهر أعقبه نباح الكلاب ، كان قريباًً هذه المرة ...
أصابه الحنق والخوف معاً ، وضع رصاصتين في بندقيته وأطلقهما في الضباب باتجاه النهر ، ثم صرخ : لن تجرؤا على الاقتراب من بيتي ، سأقتلكم جميعاً أنني أعرفكم وأعرف ماذا تريدون ، أظهروا لي وجهكم أن كنتم شجعاناً ...
كلما أزداد غضبه تزيد الكلاب نباحها ....

الصبي يجول في البيت بدراجته بكل حرية ، كلما سمع صوت أبيه يضحك لا يبالي .. ربما يكون قد أعتاده ...
يذهب بدراجته إلى غرفة الخزانة فيجدها قد ملأها النمل والفئران وقد تشققت جدرانها ، فيصاب بالفزع ، يخرج بدراجته يذهب ناحية الحمام القديم المُغلق منذ سنين فيجد الماء يتسلل من أسفل الباب ....

يترك دراجته على حافة السلم ثم يصعد إلى الدور الثاني وطرق الباب على أخته فلم تفتح له ...
هبط على درجات السلم سريعاً فسقط ، ثم قام وجلس بجوار دراجته ...
زادت طلقات الأعيرة النارية وكانت قريبة هذه المرة ونباح الكلاب المستغيثة يعقبها بلا هوادة ، وهو يصرخ تحت السُحب الثقيلة التي بدأت تغضب فأحدثت رعداً وبرقاً بدون رحمة ...
عمّر بندقيته وأخذ يطلق الرصاص مخترقاً المطر والضباب مردداً وصارخاً : سأقتلكم جميعاً ، أنا لا أخافكم ....

نظرت إلى عينيه أيقنت أنه المرفأ الأمن لقاربها التائه في بحر لُجيٍ مُظلم عظيم الموج ، قالت له : أحبك ...
أحست بكفيه يمسك خصرها بحنو ، ثم وضعت يديها حول رقبته وطلبت منه يرقص معها ...
أحنت رأسها على صدره في سرمدية حلمها الذي لم يتوقف ....

خرج الصبي متعباً  إلى خارج الدار يستغيث بابيه ، فصرخ الأب بوجهه : ألم أطلب منك أن لا تخرج من البيت أبداً ، أدخل حالاً ...
فزع الصبي وعاد إلى الداخل على الفور ، صعد مرة أخرى إلى الدور الثاني وأطرق الباب على أخته فلم تستجيب له ، حاول فتح الباب ففتح معه فوجد أخته ترقص مع نفسها وتتكلم مع الفراغ !!
بكى أمامها ودفعها ، فانتفضت فزعة ثم زاغ بصرها تبحث عن حبيبها ، ثم بكت وقالت : لما تركتني ثانية ؟ أين أنت ؟ لا تتركني مرة أخرى ، سأموت هذه المرة أن تركتني ...
سمعت صراخ أبيها ونباح الكلاب المستغيثة ، والرعد والريح يهزان النافذة ونور المصباح ينقطع ويعود ، وضعت يدها على أذنيها وصرخت : كفى .....
بدأت الجدران تتشقق ويتساقط السقف عليهما ، أمسكت بيد أخيها وركضت مسرعة ، الفئران تهرب مسرعة بجوارهما ، هبطت السلم وهو يتأرجح بقوة ...
وصلا إلى خارج الدار ، وجدا الأب يصوب سلاحه إلى الضباب ، أمسكا فيه يصرخان : أنه البيت ينهار ، السقف يتساقط والسلم يتأرجح والفئران تحتل المنزل ، والمياه اندفعت في كل مكان ...
نظر إلى البيت وجده يهوي والدخان يخرج منه ، خلع شاله ورمى سلاحه ثم دخل إلى البيت ...
أمسكت الفتاة فيه وقالت لا تتركنا ستموت في الداخل ، نزع يدها عنه وركض إلى البيت ...
أنهار البيت واندلعت النيران فيه ، ظل يقاوم فوجد البرواز الذي يحوي صورته بالبذلة العسكرية قد سقط ، أمسكه وأزاح عنه التراب ثم سقط بجواره ....

أحس الصبي بالبرودة فاحتضنته ووضعت الشال عليها وعليه وتمشى إلى أن جلسا بجوار النهر ...
كان المطر قد توقف والرعد والبرق هدئا غضبهما ، أذان الفجر يأتي مكبراً من الضفة الأخرى من النهر ، نبحت الكلاب النباح الأخير ثم سكنت ....

الصباح يحبوا خجلاً خلف ستار الليل الأسود قادماً من الشرق من ضفة النهر الشرقية ....
يمر رجلاً من بعيد يحمل سلاحاً ، ربما يكون هو صائد الكلاب الضالة ...

تجمع بعض المارة حول البيت المنهار يهمهمون ويتساءلون أين أهل الدار ؟؟ 
جلست الفتاة على حافة النهر محتضنة أخيها الصغير ينعكس عليهما الصباح الذي أشرق من الضفة الأخرى .....

الأربعاء، 31 يوليو، 2013

شمس

مترو الميرغني والنزهة لم يعدا يمران أسفل البيت القديم بكثرة كما كانا بالماضي ، زحام سيارات الأجرة والأتوبيسات الكبيرة طغى على صوت ارتجاج المترو والبرق الذي يخطف الأبصار عندما يحتك بالكابلات الكهربائية ....
 الشُرفة القديمة التي تطل على الميدان الكبير  شاخت لم تعد تحتمل اتكاء الزمن عليها ، على الجدران سالت أمطار الشتاء كدموعٍ شقت طريقها  تجعلها شاهدة على الميدان الكبير ، أصص الجارونيا والدراسينا التي  طالما اعتنى بها  وجلس ليرويها قبل الغروب ، ملقاة كصبار قبرٍ بدون شوك .....
أنتبه لصوت الحمالين وهم يتململون في ساحة البيت بالدور الأول وأحدهم ينادي سينقضي النهار ولم نفعل شيئاً بعد ....
أخرج عدة مفاتيح وأخذ يجرب واحداً تلو الأخر حتى أستطاع أن يفتح باب المكتب ، رائحة الخشب القديم والتراب المعتق أصابته بالدوار ، لم يلاحظ ذلك العنكبوت الطاعن في السن الذي هرب وتسلل خلف المكتبة ....
هنا طفل صغير يتلصص خلف باب المكتب ، العم شمس يمسك العود يشد الأوتار ثم يبدأ في عزف ألحانه وتغني عليها سيدة جميلة صوتها كأنه قادم من الأساطير ، يدخن سيجاراً ثم يعيد اللحن مرة أخرى ويطالب السيدة بإعادة  الغناء ، يتوقف ثانية وينظر الى الباب ، يقف الطفل خجلاً يغلق الباب ببطء فيناديه العم شمس ويجلسه بجواره ، مبتسماً : هذا ابن أخي .....
في الشُرفة القديمة يحتسي الشاي تنعكس في عينيه شمس الأصيل ، تلك العينين اللامعتين تُخفي خلف ستائرها غموضاً وحزناً لم يكن ليفهمه ذلك الطفل الصغير الذي يجلس بجواره مبهوراً بالعود والألحان والملابس المبهجة التي يتأنق بها  العم شمس ، ينظر إليه كمهرج السيرك الذي يغُرقه بالسعادة لكنه لا يرى مايخُفيه الوجه الباسم والشارب الممشوق المدبب ....
يُمسكه من كفه الصغير ويتمشيان سوياً في صباح أيام الجمعة في شوارع مصر الجديدة الواسعة ، أسفل أشجار السرو والكافور بجوار كنيسة البازليك ، يقفان أمام دكان الحلويات ، يتعرف عليه البائع العجوز ويسأله : أمرك يافنان ، منذ زمن لم نراك الدكان كله ملكك ....
في الحديقة الخلفية للكنيسة القديمة يعلم الطفل الصغير العزف على العود ، ثم يغني له بعض ألحانه فيتجمع المارة حولهما ثم يصفقون له بعد أن ينتهي .....
لم يدرك الصبي الصغير ماهية الأدوية الكثيرة التي تملئ البيت ، في الثلاجة وعلى الطاولة الصغيرة بجوار السرير ، ينظر إلى عينيه لم يدري لماذا أنطفأ ذلك اللمعان الغامض ، ولما بهِت الشارب الممشوق المدبب ...
في الصباح قبل ذهابه إلى المدرسة يأتيه العم شمس بالفطور المعتاد الحليب والمربى وقطعة الزبد الصغيرة وبيضة مسلوقة ثم يفطران سوياً ، يعود من مدرسته فيجده يعزف بدون غناء وحيداً على كرسيه البامبو في الشُرفة المطلة على ميدان ، ضِعف صوت شمس لا يستطيع الغناء بعد الآن ، لم يعد يستطيع مجابهة صوت المترو وحشرجته وزحام الميدان  ......
يضع الراديو بجواره على الطاولة الصغيرة ممسكاً الجريدة ، جسده النحيل لم يعد يقاوم نسمات أكتوبر الباردة ، فيطلب من الصبي الشال الصغير ، يجلسان سوياً في الشُرفة يستمعان إلى الراديو فتأتي أغنية يبتسم وتلمع عيناه ويقول : هذه من الحان عمك شمس ....
وقف الصبي ناظراً الى الميدان ثم نظر لعمه وقال : لماذا تحب تلك الملابس المبهجة ؟؟
ضحك شمس وهو يضع العود بجواره : حياتي هي تلك الألوان وحتى لا ينساني الناس ....
يمر المترو فُيحدث حشرجته وضوضائه المعتادة وتهتز الشُرفة القديمة فينظر للصبي ويقول : تُرى من سيصمد أكثر البيوت أم المترو القديم ؟؟
في تلك الليلة من ليالي يناير الباردة والقاسية ، أشتد المرض بشمس لم يتوقف عن السُعال طوال الليل ،ولم يتوقف المطر تلك الليلة ، نام الصبي في غرفته واستفاق في الصباح على صوت قطرات المطر ترتطم بالشباك وصراخ الجدة مات شمس .....
أدرك وحدته عندما جلس على الكرسي البامبو في الشُرفة القديمة بجواره الراديو على الطاولة الصغيرة كل نصف ساعة يمر المترو بحشرجتهِ وضوضائه ، مازال البيت القديم يقاوم المترو والميدان ، بينما الزحام لا يبالي ولا أحد يبالي .......
صرخ أحدهم احترس هذا المكتب من الأبنوس أحمله وأنزله بحرص ، ثم جاء إليه أخر  وقال : لقد حملنا كل العفش ولم يتبقى سوى بعض الصور المعُلقة على الحائط ....
نظر الى غرفة المكتب فوجد العنكبوت الطاعن في السن يتعلق بأحد الأركان ، ثم قال للحمّال : لا سأنزل أنا الصور ....
أغلق باب الشُرفة المطلة على الميدان فأظلمت الغرفة رويدا رويداً ...
وضع صورة العم شمس في الصندوق ووقف في منتصف الميدان يمر أمامه مترو الميرغني وعبد العزيز فهمي محدثاً حشرجته وضوضائه المعتادة وسط الزحام ,,,,,,,

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة لبابلو بيكاسو

الاثنين، 17 يونيو، 2013

الآن أغمض عيني



كادت أن تسقط منه حقيبة لوحاته وأقلامه الرصاص ، كاد هو نفسه أن يموت في الحال لولا أن تجاوزته السيارة المسرعة مع صراخ سائقها ونعته بالجنون والغباء ، عبر الطريق التي تتسارع فيه السيارات وقت الغروب ، وهن مشيته ولا مبالاته تجعل السيارات تدفع ماء المطر الممزوج بالطين العالق بالإسفلت على بنطاله الرث ....
وقف على الكورنيش ناظراً للبحر مستقبلاً رياحه المالحة  بوجهه الشاحب ذو اللحية السوداء المرصعة ببعض الشيب الأبيض لم يمل الانتظار والترقب ثلاثون عاماً يبحث عنها في تلك الشوارع المزدحمة على هذا الكورنيش بين همسات المحبين تحت مطر الشتاء وضحكات وسمر الأطفال في ليالي الصيف الطويلة ، في وجه فتاة لم تتجاوز العشرين كما رسمها من صورة فوتوغرافية  قديمة ، في أضواء السيارات المسرعة ولوحات الإعلانات المتراصة على الطريق ، خلف فاترينات الدكاكين المتلألئة في كل الأوقات .....
نفض قليلاً من الطين العالق على بِنطاله ثم بحث عن أريكة يجلس عليها ، جلس فظهرت قدميه نحيلتين أسفل بِنطاله القصير ، أحس ببعض البرودة لكن لم يبالي ....
أخرج من حقيبته قطعة الفطير المتبقية من الصباح فبللتها قطرات المطر الصغيرة وسال السمن منها على يديه ، فغسلتها قطرات المطر التي بدت ثقيلة واخرج منديله كي ينظف أصابعه جيداً .....
جلس صامتاً يستمع لمزيج من الأصوات كأنها كونشيرتو ، الموج ، صراخ طفل ، ضحكة فتاه ، موسيقى صاخبة قادمة من أحدى السيارات ...
جلست بجواره على الطرف الأخر من الأريكة الخشبية ، ناظرة هي الأخرى الى البحر مثله كأنها تنتظر شيء ما ، فتاة لم تتجاوز العشرين من عمرها ....
توقف المطر وزادت الريح قليلاً ، نظر لها بعينين حانيتين ثم قال خجلاً : تسمحي لي أن أرسمك وأهديكِ اللوحة بدون مقابل ؟؟
فوجئت بطلبه .. لملمت شعرها المتطاير على عينيها وقالت : أنت رسام ؟؟
قال بابتسامة هادئة : رسام هاوٍ أرسم بالرصاص والفحم ... أخرج من حقيبته بعض اللوحات المرسومة بالرصاص والفحم وقال : هذه بعض لوحاتي ... وأعطاها إياها .....
أخذت منه اللوحات ، كادت الريح أن تطيرها من يديها ، قلبتها واحدة تلو الأخرى  ، تأملتها طويلاً ثم قالت له باندهاش : إنها لفتاة واحدة  ، نفس الوجه والملامح والنظرة الخجلة !!
أخرج لوحة بيضاء فارغة وقلمه الرصاص ونظر لها مبتسماً ابتسامته الهادئة الحزينة وبدأ يخط قلمه على اللوحة وقال : نعم أنها لفتاة واحدة ووجهاً واحداً ... ثلاثون عاماً مضت على معرفتي بها ، عاد صديق لي من السفر بعد غياب طويل وذهبت إلى بيته كي أزوره ، كانت صورتها الفوتوغرافية معلقة على الحائط  في غرفة الاستقبال  ، عينان صافيتان كأنهما ميلاد الكون منهما صعود الشمس صباحا ً وغروبها بعد أصيل قرمزيٍ جامح ، طلة القمر ليلاً متباهياً على سائر النجوم ، يلامس عينيها خصلات سوداء كستار كهف سحري يعج بالأساطير والأسرار ، لا أدري كيف ولماذا انسقت دون إرادتي كطفل تجره أمه لعالم السحر والحكايات ،  إلى وجه فتاة في صورة فوتوغرافية .....
كانت أخته الميتة منذ أربعين يوماً ..... 
 كان يسرد حكايته وهو يرسمها ، شعرها المتطاير عصيّ عليها كلما لملمته ينطلق بحرية مرة أخرى ....
لمعت عينيها وقالت : كانت ميتة !!
أنتهي من نصف وجهها عينيها وشعرها المتطاير وبدأ في رسم أنفها الممتد على وجهها كجدول ماء نبعه مابين عينيها ومصبه عند شفاه رقيقه كواديٍ صغير ....
قال وهو يتأملها كي يستكمل بقية البورتريه : صورتها تطاردني منذ ثلاثين عاماً ، تطاردني وتدفعني للبحث عنها ... أسيراً لا يملك مفتاح قيده كي يصبح حراً ... كلما جلست مع صديقي أطلب منه أن يحكي لي عنها منذ طفولتها البسيطة مروراً بسحر صباها حتى أصبحت فتاة امتلكت سر كل أنثى في هذا العالم ... أحببت بين أحضان الموت وأبحث بين جدران الموت إلى أن أسكن إليه أبدا ......
انتهى من اللوحة وتأملها لبرهة ثم أعطاها للفتاة ، كانت الريح قد هدأت قليلاً ، وبدأ المطر غيثه من جديد بقطرات قليلة لكنها ثقيلة   ....
أخذتها وظلت تنظر إليها بإعجاب ثم طوتها وهي تنظر للبحر وتُحكم شالها على صدرها بعد أن أحست بالبرودة ثم قامت كي ترحل ...
ألتفتت إليه وقالت : ظللت تبحث عن روحها ثلاثون عاماً لكنك قريبا ستذهب أنت إليها كي تجتمعان سوياً ، ستُغمض عينيك وتكون معها .......
انصرفت تعبر الطريق وسط السيارات المسرعة ، يلمع شعرها ويتطاير ، تُحكم شالها على صدرها خوفاً من البرد ....
ظل جالساً على الأريكة الخشبية أمام البحر يدور الكون من حوله ولا يبالي ينظر إلى الأفق البعيد الممتد إلى مالا نهاية ....
أقترب الفجر ، ظل يتمشى كثيراً إلى أن وصل إلى المقبرة القديمة ، كان الضوء يحبو كطفل صغير قادماً من الشرق يبدد الظلام رويدا رويداً ، فتح باب المقبرة الذي أكلته رياح البحر المالحة فجعلته يزمجر قليلاً ....
أخرج لوحاتها ووضعها بجوار قبرها ، كل لوحة ثبتها بحجرٍ صغير حتى لا تطيرها الرياح ، جلس بجوارها ، فانكشفت قدميه النحيلتين فأحس بالبرودة لكنه لم يبالي ....
أنفاسه بطيئة ، دقات قلبه ربما أصابها تعب البحث والانتظار لم يدري إن توقفت أم لا ....
قال وهو يبتسم ابتسامته  الهادئة الحزينة الآن أغمض عيني ,,,,,,,,,
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة لبابلو بيكاسو     
       

الثلاثاء، 28 مايو، 2013

ترنيمة الظلام



رن جرس الهاتف وأصدر طنينه مجدداً ، ذلك الضوء المرتعش والمهتز ينبعث في الظلام بجواره وأسفل عجلة القيادة ، صوته ضعيفاً لا يضاهي صوت الموسيقى الهادئة ولكنها مرتفعة نسبياً ، دائماً تعّود أن يستمع الى الموسيقى بصوتٍ مرتفع ...
القى عليه نظره خاطفه كان لا ينوي ان يرد على أحد ، كان يوماً شاقاً ومرهق يريد أن يعود سريعاً ليضع رأسه تحت ماء الصنبور الدافيء كي يوقف تلك المطارق التي تضرب دماغه منذ بداية اليوم ....
مازال الهاتف يصدر طنينه مجدداً ، في ظلام السيارة يتلألأ  أسم حبيبته على لوحة الهاتف الصغيرة ، أمسك الهاتف ورد عليها ، كان الضوء المنبعث من عواميد الأنارة المتراصة على جانبي الطريق تلقى بظلالٍ خاطفة ومتقطعة ، مع مرور كل سيارة قادمة من الاتجاه المقابل تهب عليه ريحٍ صادمة تجعل رأسه المُثقل بالصداع يهتز ....
صوت حبيبته المتقطع الممزوج بالموسيقى المنبعثة من جوانب سيارته يأتيه : حبيبي الساعة قاربت على العاشرة لماذا تأخرت لقد فوّت ميعاد عشائنا ......
بدأ المطر غيثه بقطرات ثقيلة وقليلة ترتطم بزجاج السيارة تسيل في خيوط متعرجة مشوهة يتسلل عبرها ضوء عواميد الأنارة يجعلها أكثر تشوهاً ....
أصبح صوت حبيبته أكثر ضعفاً لم يكن ليسمعها بوضوح ، قام بتشغيل ماسحة  الزجاج ورد عليها : اعذريني ياحبيبتي لقد تأخرت ، يوماً مزدحماً بالعمل أنا في الطريق أنتظريني ....
وضع الهاتف مكانه أسفل عجلة القيادة ، قطرات المطر أصبحت أكثر غزارة ووقع ارتطامها على زجاج السيارة بدا أكثر ثقلاً ، تتحرك الماسحات على جانبي الزجاج الأمامي في حركة منتظمة مصدرة صوتاً كصوت طائر ليلي يأن حزيناً لسببٍ ما تحت جُنح ظلامٍ دامس ، مع هبوط وصعود الماسحات ترسم صوراً لوجوه عديدة ربما رأها وربما لا ، لا يتذكرها كأنها من ماضي سحيق تصبح أكثر وضوحاً ثم تتبدد مع ضوء سيارة قادمة مخترقة دخان الضباب .....
دخان الضباب على مرمى بصره القريب الذي لا يتجاوز ضوء سيارته  يحاوطه ذلك الدخان ، بدا كأن سينقض منه قابض أرواح لا يتسلل الا عبر ذلك الدخان البهيم .....
صوت الموسيقى الهادئة يتسلل وسط ظلام السيارة ممزوجاً برائحة المطر الرطبة ، أمام عينيه اضواء صغيرة من لوحة القيادة  كعيون قط  يعس يبحث عن شيء ما في الظلام ....
هاهي قطرات المطر الثقيلة ترتطم بالزجاج الجانبي للسيارة ، تبدل أتجاه الريح فأخذتها شرقية او غربية لكنها تحاوطه كأنها كفوف تطرق نافذته يظهر بينها تلك الوجوه مرة أخرى ، فاغرة أفواهها صارخة لا يدري ماذا تريد ، تصرخ ثم تتبدد وتتلاشى مع أضواء عواميد الأنارة المتقطعة على جانبي الطريق ....
رن جرس الهاتف مصدراً طنينه مرة أخرى ، ينقطع الأتصال ثم يعود .....
مازالت تنساب موسيقاه الهادئة  ، يتكاثر الدخان والضباب ، تصرخ الوجوه القادمة من أزمانٍ سحيقة ، تطرق تلك الكفوف نوافذه ، تتبدد وتتلاشى ثم تزداد وطأتها ....
يفتح عينيه ببطء وثقل ، أنفاسه تعانده عصية عليه لا يدري أن كان قلبه ينبض أم لا ، أمام عينيه ضوء أحمر متقطع يدور ويدور ، وصوت صفارة سيارة الأسعاف يتسلل الى مسامعه يأخذها بدون هوادة .....
دماء متخسرة مالحة تختلط بلعابه وريقه ، لسانه كأن سكيناً يقطعه كلما لمس شفتيه ...
فقد سطوته ونفوذه على أطرافه وجسمه ، لا يدري لماذا كل شيء يعصيه حتى صرخاته من الألم خرجت عن طوعه ....
أشباح تتحرك لم يكد يميزها ، يدقق اليها نظره ، تقترب منه وتتهامس فيما بينها ، يطرق سمعه لها فلا يسمع سوى الموسيقى وطنين هاتفه ...
تلك الأيادي تقترب منه وترفعه وتضعه على شيء أشبه بالسرير ، أحدهم يمسك هاتفه ويضعه في جيبه ، يتحركون بهِ الى تلك السيارة التي تطلق صفيراً مزعجاً متقطعاً أتضح له أنها سيارة الأسعاف ....
قطرات المطر خفت وطأتها وبدأت في الأنحسار فأصبحت غيثاً رقيقاً كندى يبلل جبهته وعينيه الناظرتين كعيني عصفور غريق ......
كابينة السيارة باردة اجهزة عديدة وأصواتها تختلط  بالصفير المزعج المتقطع ...
يأتيه ذلك الصوت الذي كان يحدثه في السيارة لا يتذكر سوى حبيبي ، يفتح عينيه مرة أخرى بثقل ووهن كأنه يتحدث الي ذلك الصوت القريب منه : أين أنتي .. الان عيني كأبواب مفتوحة كي ترى مابداخلها ... لا أستطيع سوى أن أفتح عيني فقط كي تقوديني من نظراتك الي الحياة  ...
روحي تتبدد وتتسلل ببطء بعيد عني ... كأنها تهوي الى أعماق ظلام بارد تتجمد عاجزة .... من عيني أبحثي عن روحي وقوديها اليّ مرة أخرى .... عينيكي هي الحقيقة والحياة من بين ذلك الموت وتلك الأشباح ....
في ذلك العالم الأخر ربما يضيع أسمي أنتي فقط  تعرفيه .... انتي فقط من ستستطيع أن تناديني فأنهض وينبض قلبي وأصبح حقيقة من جديد ....
أصبح المكان أكثر برودة تنغلق أبواب عينيه ببطء في وجه ذلك العالم ، من بين تلك الأبواب يختفي النور رويداً رويداً ليسود الظلام ....
ينتفض جسده بوقع صدمات كهربائية ، مرة أخرى ينتفض جسده  ، أغلقت عينيه أبوابها ولم يعد يستطيع أحد فتحها ....
رن جرس الهاتف مرة أخرى ينبعث منه ذلك الطنين ، يمتزج بتلك الموسيقى الهادئة ، ينتفض فزعاً متصبباً عرقاً بالكاد يأخذ أنفاسه ببطء ، ينظر للمنبه جوار السرير يجد الساعة  قاربت على السابعة الا قليلاً ، ينظر الى لوحة الهاتف يجد أسم حبيبته ...
يأتيه صوتها رقيقاً واضحاً : هااا كل ذلك الوقت نائماً ، لقد تأخرت على موعدنا !!!
يرد بوهن : أعذريني ياحبيبتي انها مجرد قيلولة سأخذ حماماً دافئاً ولن أتأخر ,,,,,,,,

الجمعة، 19 أبريل، 2013

يا مسافر وحدك



وضعت وعاء اللبن بجوار كرسيها الخيزران في شرفتها المطلة على ميدان الكوربة ، ما أن وضعت الوعاء حتى سارعت القطط  خلفها ، تتمسح في قدميها ويقفزن حولها ثم جلسن في سكينة يلعقن اللبن ، تجلس على كرسيها الخيزران تتطلع الى الكنيسة العتيقة التي تتوسط الميدان والى الزحام الذي هدأ قليلاً مع أقتراب المساء وانزواء الشمس في حياء خلف عمارات الكوربة القديمة وهبوب نسمة خريفية لطيفة تداعب شجرة الدراسينا التي تُزين شرفتها .....

لم تدق أجراس الكنيسة بعد لتُعلن عن قداس الأحد المسائي ، أمسكت كوب الشاي بكفيها تستمد منه بعض الدفء بعد أن أحست بريح باردة تجتاح أطرافها ، تدثرت بشالها وأخذت تداعب القطط بقدميها وما أن دقت الكنيسة أجراسها مُعلنة عن بدء القداس المسائي ألقت التحية على جارتها في الشرفة المجاورة ثم تناولت وعاء اللبن ودخلت الى غرفتها تتبعها قططها الثلاث ....

أغلقت شرفتها وأسدلت عليها ستائرها ، وجدت الخادمة غلبها النُعاس وهي جالسة أرضاً  واضعة خدها على يدها أمام التلفاز ، ما أن أحست بها الخادمة حتى أستيقظت واعتدلت في جلستها ، فتركتها وذهبت الى غرفة المكتب الخاصة بزوجها ....

أعتادت كل مساء أن تجلس فيها وحيدة ، لم تهتم بالتراب العالق على صورتي المسيح مصلوباً متوجاً بأكليل الشوك وتسيل الدماء من جبهته الرقيقة ، وصورة العذراء وهي ترتدي وشاحها الأزرق ، أسفل الصورتين شمعتان لم تُضائا منذ سنوات عدة ....

أتت بالأسطوانة ووضعتها على جهاز الجرامافون وحركت ذراعه ، فأنسابت منه الموسيقى بصوت واهن ثم بدأ في الوضوح .. يا مسافر وحدك وفايتني ... ليه تبعد عني ....

قربت اليها أباجورة المكتب قليلاً فلمع وجهها بعد أن سقط  الضوء  عليه ، قسوة السنين حفرت تجاعيدها على وجنتيها كأنها مطرقة لا رحمة فيها ولا هوادة ، تألقت عيناها وسلكت دمعة صغيرة طريقها عبر تلك التجاعيد ، ثم نظرت الى صورة زوجها المقلوبة على المكتب ....

أخرجت من الدرج رسائل زوجها ، رائحة السنين تسللت الى انفها مجرد ما ان أخرجت الخطابات ، ثلاثون عاماً أصابت الأوراق بالشحوب وأصابتها هي بالوهن واللامبالاة .....
انقطعت خطاباته بعد أن سألته كثيراً في خطابات عدة عن حقيقة علاقته بأحدى السيدات التي كانت تعمل معه في تلك البلاد البعيدة التي سافر اليها ، ألحت عليه بالعودة لكنه كان يرفض ...
ظلت أسيرة لعبودية الأنتظار وأمنيات وأحلام العناق ، لم تحزن عند موته ، لم تبالي كيف مات وأين دُفن في تلك الأرض الغريبة ، حقيقة واحدة ظلت تنهشها أنه مات فوق صدر أمرأة اخرى .....

يا مسافر وحدك وفايتني ... ليه تبعد عني ....
أعادت الخطابات بشحوبها ورائحة السنين التي تغلفها ، مع نهاية الأغنية أغلقت درج المكتب وأبعدت ضوء الأباجورة عنها فاختفى وجهها خلف الظل وغلبها النُعاس .....

الميدان ممتلىء بالأطفال والفرق الموسيقية الشعبية والمهرجين ، وصبية يرسمون على الأرض ، وساحر يُخرج النار من فمه والحمام من قبعته ، أنه كرنفال الكوربة الشهري ....

جلست على كرسيها الخيزران في شرفتها المطلة على الميدان تُراقب الأطفال وهم يرسمون على الأرض رسومات عشوائية ، وقططها الثلاث يلعبن ويختبئن خلف شجرة الدراسينا ....
أجراس الكنيسة العتيقة تُعلن عن قداس الجمعة المسائي ، وقفت الخادمة بجوارها تتكىء على حافة الشرفة ثم التفتت أليها وأستأذنتها الذهاب الى الكنيسة لحضور القداس ، نظرت أليها مندهشة لم تكن الخادمة لتذهب للقداس الى هذة الكنيسة فهي تتبع كنيسة أخرى !!
سألتها لماذا ؟  فأجابتها الخادمة وهي مبتسمة متطلعة الى الساحر والأطفال الذين يلتفون حوله : قابلتني أحدى الراهبات التابعات للكنيسة وسألتني عليكِ وطلبت مني حضور القداس ، تقول أنها تعرفك منذ زمن .....
قفزت الى حجرها أحدى القطط الثلاث ، فحنت عليها بيدها تداعبها ثم قالت : حسناً سأتي معك ......

أخترقا الميدان المزدحم ومرا بجوار الساحر الذي ابتسم اليهما بفمه الملون وأنفه الأحمر المكور ....
ترتدي فستانها الأسود المعتاد التي لم تغيره منذ سنين ، وصلا الى بوابة الكنيسة العتيقة ، رائحة الجدران والبوابة الخشبية لم تتغير منذ ثلاثون عاماً ، الترانيم التي ينشدها الأطفال مع موسيقى الأرغون الغليظة تنبعث من المذبح .....

أيقونات القديسين متراصة على الجانبين وصورة سيدة النجاة السيدة العذراء تتوسط القاعة القديمة ، شعرت أن الجميع يراقبونها ربما مستائون أو مرحبون أو ربما لا يبالون بها ، لم تكن تدري ، لكنها مشدوهة بترانيم الأطفال وهادئة ، كثيراً ماكانت تهدأ عندما تستمع الى الترانيم من شرفتها عندما يكون الميدان هادئاً ، جلست هي وخادمتها بالقرب من المذبح ، النور الخافت مسيطر على قاعة الكنيسة العتيقة ، ينعكس من النوافذ الزجاجية الملونة المرسوم عليها صوراً للقديسين فكانت كالمُتهم الذي سيق للسؤال والأعتراف .......

ظلت تتبع نظرات القديسين المُعلقة صورهم على النوافذ والجدران ، ففجائتها احدى الراهبات الطاعنات في السن عندما جلست بجوارهما ، نظرت لهما مبتسمة ومرحبة ومتسائلة عن غيبتهما الطويلة ، ممسكة في يدها حزمة صغيرة من الخطابات القديمة ....

قالت الراهبة العجوز : أنتظرتك كثيراً بعد عودتي من السفر كي ألتقيك وأعطكِ بعض الخطابات التي تخصك ، كان ساعي البريد في الوقت الذي سافرتي فيه خارج البلاد  يأتي بالخطابات الخاصة بكِ الى الكنيسة وبحثت عنكِ كثيراً كي أعطيكِ أياها ، ثلاثون عاماً سافرتي أنتي وأنتقلت أنا الى أبرشية خارج البلاد وظللت محتفظة بأوراقك وخطاباتك ثلاثون عاماً .....

مازال الأطفال يرنمون يمتزج بأصواتهم الرقيقة صوت موسيقى الارغون والكمان ....
أخذت منها الأوراق والخطابات ، لها نفس رائحة الماضي والسنين ولون الزمن الذي صبغها ، فتحتهم واحداً تلو الأخر : حبيبتي .. سامحيني على تأخري في أرسال الخطابات لقد كنت مريضاً ... حبيبتي لقد أحببتك أنتِ وحدك لا يوجد في حياتي سواك ... لا تصدقي أنني سأتزوج بأخرى ... أنتظريني سأعود بعد شهر كي أبقى بجوارك الى أن أموت بين كفيكِ .... أحبك .. زوجك المحب والمخلص لكِ دائماً ,,,,

تصاعدت ترانيم الأطفال الى السماء وانزوى صوت الأرغون واهتزت النوافذ الزجاجية الملونة وجدران القاعة العتيقة ...
أغرورقت عيناها بالدموع ، لم تتكلم ، قبّلت يدي الراهبة العجوز وهي ممسكة بحزمة الخطابات الصغيرة ، انتهت جوقة الأطفال من الترنيمة فقابلها الحضور القليل في القاعة العتيقة بالتصفيق .....
أنصرفت هي والخادمة يخترقان ميدان الكوربة ، وقفت بين الأطفال وهم يشاهدون  الساحر بدهشة وترقب ، أبتسمت للساحر الذي أبتسم لها ثم أخرج منديلاً من قبعته السوداء ثم قال تعويذته السحرية وأخرج من كفيها مناديل كثيرة ملونة ......

جلست في غرفة المكتب وقططها الثلاث يتمسحن بها ، والخادمة عادت للنعاس أمام التلفاز ...

وقفت أمام صورتي المسيح متوجاً بأكليل الشوك والدم يسيل على وجه الرقيق والعذراء متوشحة بوشاحها الأزرق ، مسحت بقطعة قماش صغيرة التراب العالق على الصورتين وأضائت الشموع أسفلهما ....
حركت ذراع الجرامافون ، فأنسابت منه الموسيقى بصوت واهن ثم بدأ في الوضوح .. يا مسافر وحدك وفايتني ... ليه تبعد عني ....

وضعت حزمة الخطابات الصغيرة في درج المكتب ، وأعادت صورة زوجها المقلوبة ناظرة اليها تستمع الى أسطوانتها المفضلة ,,,,,,,,



اللوحة لسلفادور دالي ...
والأغنية لعبد الوهاب وغناء غالية بن علي ,,,,,,

الأحد، 7 أبريل، 2013

على ضفاف السراب



نظر لأخته الصغيرة ذات الخمس سنوات وهي جالسة على عتبة الدار تراقبه وهو يلعب الكرة ، مرت الكرة بجانبه ولم يلتفت لها ، ترك فريقه وهو يلهث وجلس بجوارها على عتبة الدار يتنفس الصعداء ، دميتها ملقاه بجوارها بملابسها الرثة ، وضعت قطعة الفطير التي تأكلها بين كفيه والتفتت تبحث عن دميتها فأخذتها بين حجرها ....
جاء نداء الجدة لتجعلها تهب واقفة لتهرول اليها حتى اختفت في باطن الدار الصغير المظلم بالكاد الا من ضوء الظهيرة الذي يتسلل عبر الباب والنافذة الصغيرة ....

عاد الى فريقه ليلتقط الكرة ويرواغ بها خصومه ثم يسجل هدفاً ، كلما سجل هدفاً بين الحجرين اللذان يشكلان المرمي تتعالى الصيحات من باقي الفتية ويظل هو ينظر دائما الى شرفتها ، دائماً ماتخرج الى الشرفة في هذا الوقت ، لا يدري لماذا في هذا الوقت لكنه ينتظرها ....

تجلس متكئة بذراعها على حافة الشرفة ينسدل على عينيها خصلة شعرها السوداء اللامعة  التي تتسلل في هدوء من منديلها الذي تعقد به شعرها ....
صغيراً بما لا يجعله يدرك انها لا تبالي بأنتصاراته ومرواغاته وتهديفه ، هكذا يظن انه اصبح بطلها .....

ظل ليومين لا يخرج من الدار ، مستائاً حزيناً بعد أن وعدته جدته بدراجة يذهب بها الى مدرسته الثانوية  التي تقع بالقرب من محطة الترام ، جميع زملائه سيذهبون هذا العام الى المدرسة بالدراجات ، يجلس ثاني ركبتيه على حافة النافذة يراقب اخته الصغيرة التي تلعب امام عتبة الدار ، يزعق فيها حيناً ويحذرها حيناً اخرى عندما تذهب بعيداً ....
ارتدى القميص والبنطال الجديد ، وقف أمام المرأة يهذب شعره ويمعن نظره في الشارب الغض الوليد الذي نبت بشعيرات خفيفه أسفل أنفه الصغير المدبب ، يرفع حاجباً ثم يسويه ويضع يده اليمنى في جيب بنطاله ثم يبتسم الى أخته الصغيرة ويخرج واقفاً أمام عتبة داره .....

وقف لبرهة يراقب أصدقائه وهم يلعبون الكرة ، اخذوا ينادونه لكنه لم يلتفت ثم رفع يده بوقار رافضاً دعوتهم ....

تسارعت دقات قلبه عندما لمحها قادمة من اول الشارع كأنه السراب البعيد يدنو منه بهوادة ليتحول من الخيال الى الحقيقة ، كلما اقتربت زاد بهاء وجهها النوراني  بعينيها الواسعتين كخليجين صافين يلتقيا عند وادي ممتد برقة ليصل الى واحة شفتيها المنفجرة بنهر من عسل مصفى .....

وصلت الكرة الى قدمه فركلها بعيداً الى داخل الدار حتى يتوقف الصبية عن لعب الكرة احتراماً لمرورها ، فنظروا جميعاً اليها كأن على رؤسهم طير الأحلام ....
تهادت أمام دكان البقاله ، فخطى اليها فوقع فريسة في شِرك عطرها ، فوقف كالسكير بجوارها  ، أفاق وأراد أن يتكلم اليها ولا يدري ماذا يقول  فتلعثم ، فنظرت له بخفه وتركته أسيراً ، يتوق الى من يحرره .......

رياح الخريف كانت اكثر حدة هذا العام ، جدته أتت له بالدراجة التي كان شغوفاً بها ، مع الغروب يخرج بها يطوف بها شارع الكورنيش والشوارع المحيطة بالقرب من المدرسة والترام ، يرفع يديه كجناحين يسبح بهما فوق بساط الريح الخريفية التي تأخذه لأعلى في سموات سبع يخترق بها السحاب ، يطارد عينيها عبر دراجته حتى يصل الى ضفاف السراب .....

يتابعها بهدوء أينما تذهب يظل بدراجته قريباً منها ، تحمل حاجيتها من الفواكه والخضروات فيثقل الحِمل عليها فتنفلت من يديها ويتساقط البرتقال ويتدحرج على الأرض ، يقفز من على دراجته ويذهب يلملم ثمرات البرتقال المبعثرة على الطريق ويقترب منها مشدوهاً الى عينيها ، تسقط من يديه برتقالة فيعتذر ويمسكها مرة أخرى ، تبتسم له في رقة قائلة : شكراً ،،،،
يراجع مع أخته الصغيرة دروسها ، يجلسان سوياً على عتبة الدار ، تداعبهما ريح باردة مالحة قادمة من البحر ، فينبعث النور من شرفتها يتسلل عبر ستائرها المخملية ، ثم تنطلق زغرودة يليها زغرودة أخرى فيسقط من أنامله قلمه الرصاص .....
في عشية اليوم التالي يجلس في نافذته يراها مع ذلك الغازي الذي تزوجها وهي ترحل معه  ....

أندفعت أخته الصغيرة كي تتابع العروس وهي تركب سيارتها وترحل بعيداً ، فقفز من النافذة واخترق الزحام كي يلحق بأخته ، فوقفت الصغيرة سعيدة ووقف خلفها يتطلع اليها في صمت ، تداخل أصوات الجميع داخل عقله ، تدور الأنوار حول عينيه ، يتضائل وجهها البهي يبتعد ويبتعد ثم يعود ، الجميع يختفون من حوله رويداً رويداً ، صوت الريح ورائحته البحرية المالحة هي سيد الموقف ألا من عينيها التي يتهادى أسيراً أمام شاطئها .......

لم يكن الخريف القاسي ألا غيثاً لشتائاً أكثر قسوة ، يجلسان بجوار جدتهما حول جذوة النار الصغيرة في وسط الدار ، نوة عيد الميلاد تدق بمطارقها أبواب السماء بعنف ، فتنفتح أبواب السماء بماءٍ منهمر ، فتفزع الصغيرة فتضمها جدتها الى حضنها الى أن نامت ووضعتها في فراشها وهو يجلس في نافذته يتطلع الى الشرفة المغلقة ، تداعبه زخات المطر فيشعر بالبرد يتسلل اليه من أنامله ورأسه حتى يصل الى قلبه الصغير ، ينعكس على عينيه البرق الخاطف ولا يبالي بالرعد الغاضب هذا المساء ، لا شيء سوى تطلعه الى الشرفة المغلقة .....

جفت الأرض بعد ان طلت الشمس هذا اليوم تُلقي بحنو شالها الدافيء على الأرض فينبسط بهدوء تشاكسه بعض السُحب اللبنية القادمة من وراء البحر ...
يُخرج دراجته من الدار فتتعلق به أخته الصغيرة حتى يُركبها معه على الدراجة ، فوضعها أمامه وأخذ يسبح بها كأساطير السندباد وعلاء الدين ، يواجهان الريح الشتوية الهادئة هذا اليوم ، يفردان ذراعيهما كأجنحة لا تتوقف أبداً عن التحليق والطيران ، يطير بها حتى شارع البحر والكورنيش ...
وجدها أمامه ، خفت ذلك البهاء النوراني الذي ينطلق من وجهها ، عيناها ذابلتان منكسرتان ، تداري شعرها الليلي الجامح  بوشاحاً أسود ، تحمل في يديها حقيبة صغيرة تمشي بخطوات واهنة ، لم تلحظه ولم تلتفت اليه ، ربما لم ترى كل شيء حولها سوى طريقها على ضفاف السراب  .....

يحلق بدارجته بالقرب منها ، أخته الصغيرة تطلق جناحيها الصغيران للريح الشتوية الهادئة ، تنطلق منها ضحكاتها التي لم تتوقف طالما تُحلق عالياً في السماء ,,,,,,,,,,

الخميس، 28 مارس، 2013

بيت قديم

موجة الألم هذا الصباح لم تكن بتلك الشدة التي كانت بالأمس ، مخالب الصداع التي غُرزت في دماغه خفت وطأتها عندما استيقظ متأخراً اليوم ، كان في حلمه الليلة يرى أناملها تتحسس شعره الخفيف كقدمي عصفور صغير يسلك ببطء طريقه القصير على غصن غض يافع ......
نوات الربيع التي تأتي على البحر لم تكن بتلك الهمجية التي أتت بها هذا العام ، أصبح البحر أكثر هياجاً وغضباً ، لم يعد يرضى بقرابين الانسان من توسلات  كي يهدأ ...
زئير الأمواج وزمجرتها تكاد تعيد تلك المخالب القاسية الى رأسه ، أحكم أغلاق شرفته المطلة على البحر ، لكنها أنفلتت مرة أخرى فاندفعت الستائر في وجهه ، فأغلقها وهو يصارع الشرفة وكاد يسقط ، فتوقف حفيف الريح  وأصبح هسيساً ضعيفاً كأفعى لعوب تنتظر بشوق وليفها .....
اتخذ قراره منذ زمن بمقاطعة جلسات العلاج الأشعاعي في المستشفى التي تقع في العاصمة ، واعتزل مدينته الصاخبة في بيت أبيه القديم المطل على البحر ....
كثيراً ما تشاجرت معه كي تثنيه عن قراره بمقاطعة جلسات العلاج ، لكنه أصر وتمسك بعزلته بعيداً عن الصخب ، أخذ معه اسطواناته الموسيقية وكتبه وكاميرا التصوير الخاصة به ....
بدأ الدوار كمقدمة لموجة الألم الجديدة ينتابه ، وقف ثابتاً لكن كل ماحوله يدور وهو في مركز دوران هذا العالم ، تنهشه ألوان الصور الفوتوغرافية المعلقة بعشوائية على الحائط ، علب الدواء تكاد تُحدثه وتسخر منه ، زوجته بشعرها الأسود الطويل ونظراتها الحادة اليه , صوت هدير الموج الغاضب يأتيه متقطعاً عبر شرفاته المطلة على البحر ، أنه مُحاصر ، فيطيح بيده الأوراق المتناثرة على مكتبه والأدوية الكثيرة ، فتتبعثر على الأرض جميعاً ....
تشتد ريح النوة الغاضبة فتهتز كابلات الكهرباء الخارجية فُتحدث أزيزاً في المصابيح ، تنطفأ وتعود ، ويحدث ارتجاج لابواب الشرفات كأنها الجيوش الغازية قد تخطت الحصون ودكتها وتنتظر الأنقضاض  عليه في بيته ، البيت كله كأنه يهتز ، ومازال نباح ذلك الكلب يأتي من بعيد .....
لم تتحدث اليه منذ ثلاثة أيام ، لكل منهما شرنقته الخاصة يطل منها برأسه عبر ستار متهتك كي يرى الأخر ويراقبه في صمت ....
ذهبت الى المطبخ وجائت بشمعة متوسطة الطول متهالكة صنع سيالان الشمع عليها تعرجات منذ زمن بعيد ...
عادت لماكينة الخياطة ، جلست بقميصها القصير ، ينساب شعرها الأسود على صدرها وكتفيها فزاد من أحساسها بالأختناق ، فسال العرق على صدرها البرونزي الناري المنعكس عليه ضوء الشمعة المتهوجه بقربه ، ظل ينساب العرق كقطرة صغيرة أتخذت سبيل رحلتها من صدرها المتوهج حتى قدميها النحيلتين ،،،،
تحسست خصلة شعرها المنسدلة على الفستان الراقد بأستسلام تحت ابرة الحياكة ، فأنتابتها كراهية مفاجئة لشعرها الطويل .....
تركت شمعتها في غرفتها بجوار فستانها الراقد أسفل ابرة الحياكة ....
تحسست خطواتها في الظلام تستند بيدها على الجدران ، بصيرتها انتقلت الى كفيها التي تقودها عبر الظلام ، أصبح نباح الكلب الذي يأتي من بعيد مزعجاً ، الريح بدأت تتسلل عبر الشرفات القديمة فأحست بعد اختناقها في غرقتها الصغيرة ببرودة تغزو جسدها عبر قدميها الحافيتين ، فحركت أصابعها الصغيرة تلتمس دفئاً مؤقتاً .....
وجدته وحيداً في غرفته ينعكس عليه ضوء المصباح المتقطع الذي يصنع ازيزاً كل حين ، تنظر الى صورها الفوتوغرافية التي التقطها لها أمام البحر ، معلقة بعشوائية على جدران غرفة المكتب ، وتنظر الى الأوراق والأدوية المبعثرة على الأرض ....
كان نحيلاً عيناه تائهتان وهو ينظر اليها يجاهد أن يراها بوضوح ، لم يتحرك من على كرسيه لكنه ظل مثبتاً عينيه عليها ....
جلست واضعة يدها على صدرها وكتفيها نصف العاريان تختبيء منه خلف ستار شعرها الأسود المنسدل على عينيها ....
ازداد نباح الكلب ، كأنه ينذر بشيء ما ، النوة أصبحت أكثر قسوة وازداد غضب شيطان الرياح فأصبح يدق بقوة الأن ، انكسرت أبواب الشرفات ، وتطايرت الصور الفوتوغرافية من على الحائط  واندفعت مع الريح الهوجاء ،,,
سقطت شمعتها على فستانها الراقد أسفل ماكينة الخياطة فبدأت تلتهمه النيران ، مستسلماً لتلك الشمعة الصغيرة ، تنتقل النيران في خفة الى باقي فساتينها المُعلقة وستائرها الذهبية .....
لم يصمد بيت أبيه القديم ، يتساقط  في هدوء ، كأنه في انتظار هذا الغضب كي يُسلم نفسه اليه مبتسماً راضياً .....
لا يدري ماذا حدث ...
نوراً يأتي من جهة الشرق يخترق الظلام ، أنه الفجر ، طيور بحرية تحلق بعيداً ، وبيت أبيه القديم هشيماً تذروه بقايا من الريح الغاضبة ، والكلب الذي ينبح باسطاً ذراعيه بجوار الركام ......
مستلقياً على الرمال لم يشعر بأي الم يحتضنها بين ذراعيه تختبيء داخل صدره .....
ينساب الموج هادئاً فينعكس النور القادم من الشرق على شعرها الأسود المبتل ، تتطاير على الرمال قصاصات الصور الفوتوغرافية المحترقة ،،،،
ينظران سوياً الى بقايا البيت الذي تذروه ريحاً هادئة ,,,,,,,

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة لمونيه



السبت، 16 فبراير، 2013

عيون



تداخل الأصوات وتندفع داخل عقلها كحبات قمح منثورة تداعى عليها الطيور من كل حدب وصوب ، ضحكات ، الات تنبيه السيارات ، هتافات ، سيارات الأسعاف ، غناء ، طبول .....
تتحسس أنامله بين كفيها ، ينساب كجدول ماء من نبع صافي عبر كفيها وعروقها ثم الى صدرها وقلبها ليسيطر على كل كيانها .....
في عتمة الظلام التي تحاوطها تتبع النور عبر كفيه ونبرات صوته ، كفنار يرشد سفينتها التائهة في بحر لجي مُظلم .....

يتمشيان سوياً وسط الميادين والشوارع ، يضحك وينظر حوله وُيخبرها تفاصيل كل شيء ....
هنا امراة مسرعة ترتدي ثوب أحمر تُمسك بيد أبنها ، الأبن مشدوهاً ينظر خلفه لمحل الألعاب ، ساحر يلهو في وسط الميدان يُخرج النار من فمه وبجواره صبيه يُطير الحمام من قبعة سوداء كبيرة ، رجال يقفون على عمدان طويلة يتحركون بها وسط الزحام ، مجموعة من الفتيات يلونون وجوههم ، طائرات ورقية ، اعلام ترفرف ، فتيات في ايدهن  كاميرات تصوير ، وشباب يرسمون على الجدران ،  طفل صغير يجر عربة بطاطا ، وبالقرب من الميدان ثوار يهتفون ضد الظلم ,,,,,

كانت تطل على هذا الكون عبر شرفة عينيه التي  لا تُغلق أبوابها أبداً أمامها ....

,,,,,,,,,,,,,,

تستفيق في وهن بعد العملية الجراحية التي أُجريت لعينيها هذا الصباح ، ملفوف علي عينيها تلك العصابة من الشاش ، تجلس في سريرها تنتظر وصول الطبيب لينزع عنها العصابة ، تدور الأفكار داخل عقلها هل ستعبر جسر الظلام وتطأ بقدميها عالم النور ، لقد أصيبت بالعمى وهي طفلة صغيرة ، لا تتذكر الأشكال والشوارع ، مجرد ذكريات قديمة مشوشة عن الوجوه والاحداث والعالم بأسره ....

تتفحص الظلام ، حتى الظلام ربما يكون له تفاصيل من وجوه واشكال ، الظلام في حد ذاته حياة داخل شرنقة معزولة تمزقها رويدا رويدا كي تخرج منها كائن جديد ....

تسمع وقع خطواته الخفيفة قادماً اليها كي يكون بجوارها اثناء نزع العصابة عن عينيها ، أمسك بيديها كعادته وداعب اناملها بأصابعه وظلا صامتين ينتظران الطبيب ....

جاء الطبيب ومعه مساعدته ، ابتسم وطمئنها على حالتها وظل يداعبها وأخبرها لو كان يود أن لا يكون وجههُ أول وجه تراه .....

واقفاً خلف الطبيب ينظر الى العصابة التي تغطي عينيها ...

بدأ الطبيب يِفك العصابة بهدوء وحرص ، كلما فك لفافة عن عينيها يزداد خفقان قلبها ، يتداعى الظلام أمام وميض النور الذي ينبلج في ساحة عقلها تنتظر فتح هوة بصرها حتى ينطلق بحرية أليها ....

بقيت الضمادتان على عينيها ، وطلب منها الطبيب أن تتنفس بهدوء وتُغلق عينيها ...

نزع الضمادتان ، ومسح بقطعة قطن رطبة أثار المراهم التي وُضعت على عينيها ، ثم طلب منها أن تفتح عينيها ببطيء ...
أحست بثقل جفنيها كأنهما يأبيان أن يطاوعاها ، لكنها فتحتهما أخيراً ، كان العالم رمادياً وهو دائماً الجسر الفاصل بين النور والظلام ، عالم رمادي تتضح الأجسام فيه ببطيء ....
مع مرور الثواني تُفصح الأشكال عن نفسها ، والضوء يأخذ طريقه ليزيح الظلام ...
يُحرك الطبيب كفه أمام عينيها ويسألها هل ترى كفه ؟؟ ، تُخبره وجفنيها يرتجفان نعم تراه ...
ضوء الشمس يأتي قوياً من بين ستائر الشرفة ، يقف حبيبها مبتسماً بين أشعة الشمس التي تتخلل الستائر ، مازالت ملامحه مظلمة ....
بدأ ينجلي بوضوح وجههُ الذي طالما تحسسته بأناملها و حلمت بِه ورسمته في خيالها ، أبتسم لها واقترب منها ووضع يده بحنو فوق شعرها ....

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

اشتد الهتاف في وسط الميدان ، واقتربت المصفحات بجلبتها والات تنبيهها التي تُنذر بالغضب والغدر ، تطارد الجميع في الشوارع الجانبية المحيطة بالميدان ، الدرجات النارية تحمل المصابين الذين يسقطون بالرصاص الذي ينهال من كل جانب لا يُعلم من أين ، يتدلى أحدهم من على الدراجة والدماء تسيل منه تصنع خطوطاً في الشوارع كدليل يتحسسه الباحث عن شيء ما خلف ذلك القتيل ، علمٌ مرفوع يأبى حامله أن يتركه يسقط .....
وجد صديقه يسقط مختنقاً من الغاز الكثيف ، يركض اليه فتصيبه رصاصة في قلبه فيسقط قبل أن يصل اليه .........

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

لم تعد تتلمس طريقها عبر كفيه وعينيه ، تودعه عن بعد وهي تسير في جنازته المهيبة وسط الميدان ، عينيها لم تكن لتقدر أن ترشدها في طريقها وحياتها  بدونه ، ظلت تنظر حولها لا تستطيع تفسير الألوان والزحام والأصوات .....

دماء ، الطفل الصغير بائع البطاط يسقط بجوار عربته يخضب وجه المتبسم الدماء ، رجل أصلع يُسحل عارياً ويتشبث بالتراب وبالأقدام التي تركله ، أخرين يقاومون على الكوبري أمام المصفحات ، اختفت الضحكات والطائرات الورقية والساحر الذي يُخرج النار من فمه ، والحمام يحلق من بعيد يراقب والفتيات الاتي يحملن الكاميرات ويصورن الأطفال والميدان خائفات من نهش جسدهن واستحلاله ، وعلى الجدار شاب يرسم صورة حبيبها المقتول  .....

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

أغلقت عليها باب غرفتها ، تُغلق في عنف  كل ستائر غرفتها  ، تستدعي الظلام من جديد لا تريد أن ترى وتفتح عينيها مرة أخرى  ، جلست منزوية في ركن صغير في غرفتها ....

يتسلل اليها عبر ستائر شرفتها اشعة الشمس البيضاء ، واضعة رأسها بين ركبتيها النحيلتين ,,,,,