الخميس، 29 أغسطس، 2013

نباح الكلاب


الضوء المنبعث من الشباك المطل على ساحة البيت القديم لم يكن ليخترق ضباب الشتاء الثقيل ، دائماً ليالي يناير الباردة ينقض فيها الضباب بأجنحته الثقيلة كطائر رخ  على البيت القريب من النهر ...
تُنزل الستائر على الشباك خوفاً من تسلل البعوض المتربص والخائف من الضباب ، وضعت أسطوانة الموسيقى الهادئة في جهاز الأسطوانات وأدارته ، أحدثت الأسطوانة حشرجة ضعيفة ثم دارت في هدوء ...
نظرت للمرأه وضعت كفيها على نهديها أحست بالبرودة بعض الشيء لكنها نزعت عنها ثوبها الثقيل فأنفجر نهديها كعيون الماء الدافئة ينساب شعرها الأسود عليه كخيولٍ عربية عطشى وقفت لترتوي من نبع نهديها المتفجر دائماً ، رأته يضع يديه على كتفيها فسارت القشعريرة عبر جسدها تُحيي الممات فيها ، حنت بخدها على كفه الساكن فوق كتفها ، توارى العتاب واللوم الذي يقف متربصاً على لسانها ، إلى متى الانتظار لقد تأخرت كثيراً ، لما تركتني وحيدة كل هذا الوقت ؟ .. لم تسمع منه إجابة إلا ابتسامته المعهودة ....
بدأ أطلاق الأعيرة النارية التي تأتي من الضفة الأخرى للنهر ، يعقبه نباح الكلاب الذي يبدو كصراخ النساء الثكلى أو الفزعة  ، تبتعد الأصوات وتقترب ، تشتد الريح الشتوية فينقطع النور في الغرفة ويعود للتو ، لا تبالي بما تسمعه فقط ترتمي في أحضانه تتنفس ذلك العطر الذي طالما اشتاقت إليه ....

ترك الصبي الصغير يلعب بدراجته الصغيرة وسط الدار ، وصرخ فيه بأن لا يغادر الدار ويخرج خلفه .....
لفت انتباهه البرواز المعلق على الحائط  الذي يحوي صورته بالزى العسكري وقد مالت كثيراً ، أغتاظ ثم عدّلها وفتح خزنته الكبيرة وأخرج بندقيته منها ، وضع طلقات الرصاص في جيبه وجمع بعض الحطب من المطبخ ثم خرج إلى ساحة الدار في الخارج ....
أحس بالريح الباردة تهاجمه فأرتعش جسمه الضخم الذي أصابه الكبر لكنه محتفظ ببقايا قوة غابرة ، عاد إلى داخل الدار وتلفح بالشال حول رقبته وعاد إلى ساحة الدار في الخارج ....
القمر مختنقاً في ليلته التي يعود فيها مكتملاً ، السحب الثقيلة تحاصره ولا تعطيه سبيلاً لأي أطلاله على الكون ...
جلس على الأريكة الخشبية ، وجد صعوبة في إشعال الحطب ، لكنه نجح في إشعالها فبدأت السنة اللهب تنبعث منها ....
عاد أطلاق النار من الناحية الأخرى من النهر أعقبه نباح الكلاب ، كان قريباًً هذه المرة ...
أصابه الحنق والخوف معاً ، وضع رصاصتين في بندقيته وأطلقهما في الضباب باتجاه النهر ، ثم صرخ : لن تجرؤا على الاقتراب من بيتي ، سأقتلكم جميعاً أنني أعرفكم وأعرف ماذا تريدون ، أظهروا لي وجهكم أن كنتم شجعاناً ...
كلما أزداد غضبه تزيد الكلاب نباحها ....

الصبي يجول في البيت بدراجته بكل حرية ، كلما سمع صوت أبيه يضحك لا يبالي .. ربما يكون قد أعتاده ...
يذهب بدراجته إلى غرفة الخزانة فيجدها قد ملأها النمل والفئران وقد تشققت جدرانها ، فيصاب بالفزع ، يخرج بدراجته يذهب ناحية الحمام القديم المُغلق منذ سنين فيجد الماء يتسلل من أسفل الباب ....

يترك دراجته على حافة السلم ثم يصعد إلى الدور الثاني وطرق الباب على أخته فلم تفتح له ...
هبط على درجات السلم سريعاً فسقط ، ثم قام وجلس بجوار دراجته ...
زادت طلقات الأعيرة النارية وكانت قريبة هذه المرة ونباح الكلاب المستغيثة يعقبها بلا هوادة ، وهو يصرخ تحت السُحب الثقيلة التي بدأت تغضب فأحدثت رعداً وبرقاً بدون رحمة ...
عمّر بندقيته وأخذ يطلق الرصاص مخترقاً المطر والضباب مردداً وصارخاً : سأقتلكم جميعاً ، أنا لا أخافكم ....

نظرت إلى عينيه أيقنت أنه المرفأ الأمن لقاربها التائه في بحر لُجيٍ مُظلم عظيم الموج ، قالت له : أحبك ...
أحست بكفيه يمسك خصرها بحنو ، ثم وضعت يديها حول رقبته وطلبت منه يرقص معها ...
أحنت رأسها على صدره في سرمدية حلمها الذي لم يتوقف ....

خرج الصبي متعباً  إلى خارج الدار يستغيث بابيه ، فصرخ الأب بوجهه : ألم أطلب منك أن لا تخرج من البيت أبداً ، أدخل حالاً ...
فزع الصبي وعاد إلى الداخل على الفور ، صعد مرة أخرى إلى الدور الثاني وأطرق الباب على أخته فلم تستجيب له ، حاول فتح الباب ففتح معه فوجد أخته ترقص مع نفسها وتتكلم مع الفراغ !!
بكى أمامها ودفعها ، فانتفضت فزعة ثم زاغ بصرها تبحث عن حبيبها ، ثم بكت وقالت : لما تركتني ثانية ؟ أين أنت ؟ لا تتركني مرة أخرى ، سأموت هذه المرة أن تركتني ...
سمعت صراخ أبيها ونباح الكلاب المستغيثة ، والرعد والريح يهزان النافذة ونور المصباح ينقطع ويعود ، وضعت يدها على أذنيها وصرخت : كفى .....
بدأت الجدران تتشقق ويتساقط السقف عليهما ، أمسكت بيد أخيها وركضت مسرعة ، الفئران تهرب مسرعة بجوارهما ، هبطت السلم وهو يتأرجح بقوة ...
وصلا إلى خارج الدار ، وجدا الأب يصوب سلاحه إلى الضباب ، أمسكا فيه يصرخان : أنه البيت ينهار ، السقف يتساقط والسلم يتأرجح والفئران تحتل المنزل ، والمياه اندفعت في كل مكان ...
نظر إلى البيت وجده يهوي والدخان يخرج منه ، خلع شاله ورمى سلاحه ثم دخل إلى البيت ...
أمسكت الفتاة فيه وقالت لا تتركنا ستموت في الداخل ، نزع يدها عنه وركض إلى البيت ...
أنهار البيت واندلعت النيران فيه ، ظل يقاوم فوجد البرواز الذي يحوي صورته بالبذلة العسكرية قد سقط ، أمسكه وأزاح عنه التراب ثم سقط بجواره ....

أحس الصبي بالبرودة فاحتضنته ووضعت الشال عليها وعليه وتمشى إلى أن جلسا بجوار النهر ...
كان المطر قد توقف والرعد والبرق هدئا غضبهما ، أذان الفجر يأتي مكبراً من الضفة الأخرى من النهر ، نبحت الكلاب النباح الأخير ثم سكنت ....

الصباح يحبوا خجلاً خلف ستار الليل الأسود قادماً من الشرق من ضفة النهر الشرقية ....
يمر رجلاً من بعيد يحمل سلاحاً ، ربما يكون هو صائد الكلاب الضالة ...

تجمع بعض المارة حول البيت المنهار يهمهمون ويتساءلون أين أهل الدار ؟؟ 
جلست الفتاة على حافة النهر محتضنة أخيها الصغير ينعكس عليهما الصباح الذي أشرق من الضفة الأخرى .....