الخميس، 29 سبتمبر، 2011

نأسف لرفض شكواكم


مر للتو قطار العاشرة صباحاً فأنتشر الغبار حول البيت الصغير ثم هدأ تدريجياً بعد مرور اخر عربة للقطار ،،،،
الزوجة العجوز تقف منحنية أمام البوتجاز الصغير تنتظر غليان الماء حتى تصُب الشاي ،،،
والزوج رغم هِرمه وكبر سنه لكنه يحتفظ بقوته وصبره على العمل في غيطه الصغير المحيط بالبيت ، يحرث الأرض بالمحراث المربوط بحمارين وكل دقيقه ينظر الى باب بيته منتظراً خروج زوجته بكوب الشاي ، يود أن ينتهى قبل ان تشتدد حرارة شمس مايو القوية ،،،،
صاحت الزوجة وهي تمسك صينية الشاي التى تهتز قليلاً في يديها ونادت زوجها ، فعاد مسرعاً اليها وجلسا سوياً أسفل شجرة التوت  التي تظلل بفروعها الوارفة البيت الصغير والدكة الخشبية التي يجلسان عليها ،،،،
الطريق الزراعي الذي يقطع البلدة يمر بالقرب من بيت العجوزين فيجلس على دكته الخشبية ويراقب المارة الغرباء منهم وابناء البلدة ، دائما ماينتظر عودة أبنه الضال الذي خرج شريداً منذ سنوات للهجرة بعيداً بعد أن ضاق به الحال في البلدة الصغيرة ،،،،
نظرا سوياً الى الطريق ، فوجدا شاباً يحمل حقيبة صغيرة ، يمشى بتردد وخوف تائهاً كأنما يبحث عن شيء ، ما ان راه الرجل حتى ادرك أنه غريباً ، دمعت عينا الزوجة فتذكرت أبنها الشريد كان يشبه ذلك الشاب نفس الطول والشعر البني وربما نفس السن ،،،،
اختفي الشاب الغريب وسط بيوت البلدة ، وقطع تأملات الرجل وزوجته جرس دراجة موظف مكتب البريد الخاص بالبلده ، أقترب منهما وألقى السلام وقال : لك جواب من السكة الحديد ياعم حسن ،،،،
فأندهش الرجل وتغيرت ملامحه وقال لساعي البريد : خير ياولدي طيب اقعد اشرب شاي ،،،
فأنصرف الساعي وقفز فوق دراجته وشكر الرجل ودق جرس دراجته مرة أخرى ،،،،
فتح الرجل الخطاب على عجل ثم بدأ يقرئه ، عبس وجه واكفهر بشدة ، فتسائلت الزوجة وقالت : بالتأكيد يريدوننا أن نترك البيت والأرض ، لا حول ولا قوة الا بالله ، واين نذهب ، الا يكفيهم ماندفعه من أيجار لهم ، كانت أرض خربة مزروعه بالحشيش الشيطاني ونحن عمرناها  ،،،،
رد الرجل على زوجته وهو ينظر للقطار القادم من الجنوب فأنتشر الغُبار عليه هو وزوجته وقال : عايزنا نسلمها وقالوا : نأسف بأن شكواكم تم رفضها حيث ان قطعة الارض ملك للدولة ولا يحق وضع اليد عليها ، وتسليمها واجب النفاذ بعد أن اخطرناكم عدة مرات ،،،،،
دخل المساء على الرجل وزوجته وكانت نسمات شهر مايو مازالت ربيعية خاصة بعد الغروب ، فقرر أن يذهب الى المقهى الذي يقع بجوار الفندق الصغير في البلدة ،،،
تمشى وعبر الغيط الصغير فوصل للطريق الذي يقطع البلدة ، ووصل الى المقهى ،،،،
كان الزبائن قد بدأوا الوصول بعد أن خف قيظ النهار فازدحم المقهى قليلاً ،،،
جلس وحيداً على طاولة صغيرة بالكاد تتسع لصينية صغيرة للشاي او القهوة ،،،
كان صوت التلفاز عالياً لكن لا أحد يهتم به فأغلب الزبائن مشغولون بأحاديثهم او لعب الطاولة ،،،،،
كان الرجل يحدث نفسه وينظر تائهاً بين التلفاز والزبائن وتارة ينظر للشارع ثم وقع نظره على ذلك الشاب الغريب الذي رأه قبل الظهيرة ماراً بجوار بيته ،،،،
سحب كرسيه واتجه الى الشاب الصغير وجلس وبجواره وقال : أزعجك لو جلست معك ؟؟
فرد عليه الشاب الغريب في هدوء :  لا ابداً ،،،،
قال وهو يمسك كوب الينسون الذى اتي به من علي طاولته الصغيرة : شكلك غريب وليس من هنا ؟؟
فرد عليه : نعم انا من بلد بعيدة وجئت هنا لمراقبة امتحانات اخر العام في اخر يومين ، بدلاً من زميل لي حدثت له بعض الظروف ،،،،
فابتسم الرجل وقال : احسست هذا فأغلب الشبان الغرباء يأتون من اجل رقابة الامتحانات .....
ثم سأله : أتُقيم في المدرسة نفسها ؟
قال : لا انني اقيم في هذا الفندق ، صديقي قال لي انها غير مريحة ،،،،
فتنهد العجوز وقال : نعم نعم انها كذلك فهي غير مجهزة اطلاقاً ويتركون المدرسون في الحرارة الشديدة بدون مراوح ولا يحزنون ،،،،،
صمت الرجل العجوز قليلاً ثم قال : عندي ولد في سنك ويشبهك تماما اسمر ونحيف وله نفس شعرك البني  ، انه ولدي الوحيد لكنه شارد دائما ودائماً علي خلاف معي ومع امه ، يظهر اننا قمنا بتدليله كثيراً عندما كان صغيراً ، الي ان شب عنيداً لا يتحمل المسؤلية ، مع اول مشكلة وقعت فيها تخلي عني انا وأمه واصر ان يذهب للعمل بعيدا ، مع انه أتعين في الجمعية الزراعية هنا في البلد لكنه رفضها ، انني في اشد الحاجة اليه الان، قد يضيع بيتنا وقطعة الارض الصغيرة  !!
هيئة السكك الحديدية تريد ان تسحب مننا الارض لانها ملكاً لها وتقول انها منفعة خاصه بها ، وانا ليس لي مكان اخر اذهب اليه ....
تعرف؟ كانت هذة الارض مهجورة ولا احد مهتم بها فزرعتها وبنيت عليها البيت الصغير الذي يأويني انا وزوجتي وابني ، وقدمت طلب لهيئة السكك الحديدية لشرائها فرفضوا وأجروها لي  والان يريدون ان يأخذوها مني ويطردوني انا وزوجتي ....
كان الرجل يتكلم كثيراً ، والشاب الغريب يحس بالصداع يزداد عليه لكنه ظل يستمع له ولا يريد ان يتركه ،،،،،
فنظر له العجوز في حزن  وقال : صدقني يا ولدي انا اتحدث اليك لاني احس انك مثل ولدي تماما ،،،،
أتعرف؟ لي الى الان اكثر من سبع سنوات ارسل في شكاوي لوزير النقل والمحافظ وعضو مجلس الشعب ولا أحد يسأل في ويرد علي ، لكن كل فترة يأتني رجل شرطه ومُحضر يخبرونني بأنه لابد لي من تسليم البيت والارض ، وقطعة الارض هذه لا تتعدى القيراط ، قُل لي أين اذهب انا وزوجتي ؟؟
فنظر له الشاب نظرة اشفاق وعطف وقال : سيدبرها المولى سبحانه وتعالي ياعماه ،،،
نظر العجوز الي اعلي رافعاً يديه وقال : يارب
قال الرجل العجوز بعد أن صمت قليلاً : سأمر عليك غداً بعد عودتك من المدرسة لأريك بيتي فهو قريب من المدرسة بجوار خط السكك الحديديه ،،،،
انصرف الشاب بعد ان دفع حساب الشاي والينسون الخاص بالرجل العجوز ورجع الي الفندق الذي ينزل فيه  ،،،،

بعد مرور يومين  ،،،

كان الرجل يجلس مع زوجته أسفل شجرة التوت الكبيرة ، الشمس قد بدأ يشتد قيظها بعد الظهيرة ،،،
فوجد سيارة للشرطة تقترب منه وتوقفت  ، ثم خرج منها ظابط وموظف من هيئة السكك الحديدية  واثنان من العساكر ،،،
يطلبون منه تسليم قطعة الأرض والبيت في الحال ، فبكيت الزوجة وقالت : واين نذهب بحاجتنا وعفشنا الصغير ،،،،
رد عليا الظابط معكم لأخر النهار ، هذا أمر واجب النفاذ ،،،،
قال لها العجوز : سنعود الى بيت أبي القديم بجوار المقابر ، لا تقلقي سيدبرها المولى ،،،
مر قطار البضائع بعرباته الكثيرة ، فاستمر الغبار والضجيج كثيراً ، فأنصرف الظابط بسيارة الشرطه وقال : سنأتي أخر النهار ،،،،
بدأ الرجل وزوجته في لم حاجيتهم القليلة وجائهم بعض نسوة القرية يساعدونهم ، وما أن أتما جمع الأغراض حتى سلما البيت وقطعة الأرض التي لم ينتهى من حرثها لزراعتها بالذرة ، وانصرفا يوعدان شجرة التوت الكبيرة ، واتجها الى البيت القديم بجوار المقابر ،،،،،
الشاب الغريب قد انتهى  من مراقبة  الامتحان الاخير  في المدرسة خرج يبحث عن بيت العجوز حسب وصف فتى الفندق له الذي سأله عن البيت الصغير المجاور لخط السكة الحديدية  ،،،،
كانت الشمس تتوسط السماء والحرارة عاليه ،،،،
ذهب الي البيت  ووقف تحت شجرة التوت ينظر حوله فلم يجد شيئاً ،،،،،
 
نظر الى الباب فوجد ختماً احمر ،،،،،،
وخطاباً مُلقى على الأرض ،،،،
فسمح لنفسه ان يفتحه ويقرأه ،،،،
نأسف بأن شكواكم تم رفضها حيث ان قطعة الارض ملك للدولة ولا يحق وضع اليد عليها .....
القي بالرسالة ونظر الي البيت ثم الى القطار المار بجواره  بضجيجه وغباره الشديد  ،،،
ثم ذهب الى  المحطة ليعود لبلدته مرة اخرى,,,,,,,
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة لفان جوخ    

الخميس، 22 سبتمبر، 2011

ثلاث ثواني


تناثرت فُتات الطعام الصغيرة من بين أصابعها ، وتساقطت وأصتدمت بهدوء بسطح الماء ،،،

سرعان ما أحست السمكة الزرقاء بأهتزاز الماء في صورة أمواج صغيرة حتى ألتفت بعينيها الصغيرتين واتجهت لسطح الماء والتهمت فُتات الطعام ،،،،،
أمسكت الحوض المكوّر الصغير وذهبت به الى المطبخ ، وقفت تعد لنفسها الغذاء حسب وصفة الرجيم التي اعتادتها منذ سنوات ،،،،
انتهت السمكة من فُتات الطعام وبعد ثلاث ثواني لم تُسعفها ذاكرتها انها قد أكلت للتو فنسيت انه كان هناك طعام ، ونسيت من وضعه لها ، فحركت ذيلها ورأسها ونظرت للخارج عبر الزجاج الشفاف لتستكشف هذا السجن الذي تعيش فيه ،،،،
تذكرت الان وهي تعد الطعام أنها أكملت الثانية والثلاثون من عمرها منذ عشرة أيام ، فسقط رغيف الخبز السن من يديها وقالت وهي تنظر لسمكتها الزرقاء : يااااه اكثر من ثلاثين سنة مرت من عمري كأنها ستون عاماً ، اتدري ؟؟ ، كان أبي وامي يعدان الأحتفال بيوم مولدي قبلها بأسبوعين بعد ماتوفيا منذ عشر سنوات ، لا أحد يتذكر هذا اليوم لا انا ، ولا اخي وأختي ، كان هو فقط بعد أبي وأمي من يحتفل معي بيوم مولدي ، تُري أين هو الأن امازال يتذكرني ، أيحبني ، تزوج وعنده أطفال ، زوجته أحلى مني .......
تتحرك السمكة الزرقاء بشكل فُجائي وتدور داخل الحوض الزجاجي ، يبدو أنها نسيت للتو من يكون هذا الكائن ،،،،،،،،
التقطت رغيف الخبز السن من على الأرض ووضعته في الصينية ثم جلست على المنضدة الصغيرة وبدأت تتناول غذائها ، ثم قامت بسرعة لتلحق قهوتها قبل الفوران ، فصبتها وعادت تستكمل طعامها من جديد ،،،،
كانت السمكة تلامس سطح الماء برأسها تحاول أن تقفز ثم تتردد ، ذاكرة الثلاث ثواني تخبرها  بأن هذا العالم لايصلح لها ، خطأٌ فادح أن تخرج وتهرب لهذا العالم ،،،،
أمسكت كوب القهوة بيديها كي تستمد منه الدفء في هذا الصباح الشتوي البارد ، ونظرت لسمكتها وهي تبتسم وتقول : ليتني مثلك ياصديقتي سمكة صغيرة ، اعيش على فُتات الطعام اعود الى البحر واختبأ انا واصدقائي من الأسماك الكبيرة هاهاهاها ، استعيض بذيلك عن أرجلي ، وبخياشيمك عن صدري وقلبي ،،،،
تنظر لها السمكة الزرقاء بأستخفاف وبعينها الجانبية ، ثم تمر الثلاث ثواني فتنسى هذا العالم وماذا يكون ،،،،
تمسك الحوض الصغير مرة أخرى وتذهب الى البلكونة الكبيرة المطلة على الكورنيش والبحر ،،،،
البلكونه مرتفعه تنتشر العمارات حولها بكثرة والسيارات والمارة في الشارع يظهرون أصغر ، والبحر ممتد الأفق يختفي مع الغيوم البعيدة ،،،،
وضعت الحوض المكوّر على الطاولة الصغيرة وجلست أمام سمكتها ، اقتربت ونظرت الى الحوض الزجاجي فأنعكست عيناها الجميلتين على المياه ، ثم ظهرت العمارات الكثيرة المنتشرة مقلوبة ، ومتعرجه تهتز بأهتزاز الماء وحركة السمكة الزرقاء الصغيرة ،،،
كانت السمكة الزرقاء قد وصلها رائحة البحر ، فتحركت بقوة الى سطح الماء حاولت تقفز ، هنا تذكرت ، أن عالمها قد اقترب ، ذاكرة الثلاث ثواني تُخبرها بأن هذا عالمها الصحيح ،،،،
ضحكت وهي تنظر لسمكتها وقالت : اُتريدين أن تذهبي للبحر ؟؟؟
نظرت السمكة الزرقاء نظرة جدية  واستمرت بهز ذيلها ،،،،،
أمسكت الحوض المكوّر وخرجت من شقتها ، وهبطت في المصعد وابتسمت للفتاة الصغيرة التي كانت تركب معها ،،،،
عبرت شارع الكورنيش والسيارات تمر بجانبها مسرعة لا تبالي بها ولا تبالي هي بالسيارات ، تنعكس السحب البيضاء الصغيرة والسيارات المسرعة على الحوض الزجاجي ،،،
تتحرك السمكة بتوتر كلما اقتربت منها رائحة البحر ،،،،
تصل الى الكورنيش وتمر من الحاجز ، ثم تمشى على الرمال ، هواء الشتاء يحرك شعرها بقوة فيتطاير بحرية ، تحس بثقل الرمال ، فتنزع نعليها من قدميها فيذهبا بعيداً ،،،،
تلامس قدميها الموج البارد ،،،،
تنظر الى السمكة ، فتلامس السمكة سطح الماء وتهز ذيلها ،،،
تقترب من الموج ثم تضع الحوض المكوّر في مواجهة الأمواج القادمة من البحر ، فتقفز السمكة الزرقاء قفزة سريعة وتنطلق بحرية داخل الامواج وتختفي بلونها الأزرق داخل البحر ،،،،،،
تقف حافية على الرمال الباردة  ناظرة الى البحر ويلامس الموج قدميها وشعرها يطير بحرية ،،،،،
وخلفها الشارع المزدحم بالمارة والسيارات والعمارات المرتفعة ، يتداخل صوت الزحام مع هدير الامواج ورياح البحر ,,,,,,

الجمعة، 16 سبتمبر، 2011

الرباط المقدس


الضباب والسقيع يخيم على الشوارع ، بداية فصل الشتاء قاسية هذا العام تُنذر بأنه سيكون الزمهرير بارداً ونوات غاضبة قادمه من الشمال والغرب ،،،،
يجلس عُمر في الشارع وحيداً بعد أن طرده زوج خالته الذي كان يؤويه بعد وفاة أمه وأبيه منذ سنوات ،،،،
جعل من الفتى الصغير خادماً له وللأسرة فكان يأمره ان يذهب بعد طلوع الفجر مباشرة بجلب الفول والفلافل للفطار ويجب أن يكون من البائع الفلاني الذي كان يبعد عن البيت بثلاثة كيلو من المترات ، فرفض الفتى تكرار هذا الأمر ، فقال له في غضب بعد أن وضع ملابسه القليلة وكتبه في حقيبة رثة : انت دلوقتي بقيت شحط وتقدر تشتغل وتصرف على روحك ، عيالي اولى بالمصاريف البتروح عليك ، شيل نفسك ماحدش بيشيل حد ،،،،
فما أن سمع عُمر كلام زوج خالته وصمت خالته بما يوحي برضاها ، فكتم أنفاسه وحبس دموعه وقال : حاضر وربنا مش بينسى عباده ،،،،،
جلس في الشارع لا يدري أين يذهب ويعيش الى أن يجد عمل في أي مكان ويجد مسكن يعيش ويذاكر فيه وهو في الجامعة حالياً ،،،،
احكم الجاكيت حول رقبته خوفاً من البرودة وجلس على الرصيف ينتظر الصباح ،،،،
تنظر كريستين من شرفتها وهي تقوم بنشر الغسيل فتدهش من وجود عُمر على الرصيف ،،،
فتذهب لأبوها وتخبره ،،،،
يلبس الرجل معطفه ويهبط مسرعاً الى الشارع وينادي على الفتى ،،،،
فيخبره عُمر بما حدث ، فيمسك الرجل الحقيبة ويقول : ربنا على الظالم تعالى معايا ماتقعدش في الشارع كده ، أمك واختك كريستين مستنينك فوق ،،،،
تستقبله الأم من على باب المنزل وتحضنه باكية : معلش يابني ياحبيبي مش عارفه الدنيا جرى ليها ايه ، خالتك الله يسامحها وجوزها مش هيشوفوا خير ابدا ، الله يرحمك يا نوال كنتي زي البلسم ، اتخطفتي ياحبيبتي في عز شبابك ،،،
ظلت الأم تبكي ، ثم استوقفها الرجل وطلب منها أن تأتي بالطعام لعُمر ،،،،
يجلس عُمر فيدور بعينيه على الصور المعلقة على الحائط وفي ايقونات صغيرة ،،،
مريم العذراء بوشاحها وشالها الأزرق ، وهذا الرجل القديس المتلفح بالسواد لا يعرفه ، وصورة لفارس يقاتل تنين من فوق حصانه ،،،،
ثم صورة زفاف الأب والأم وصورة أخرى لفتاتان واحدة بالحجاب والأخرى بدون حجاب ويضعان ايديهما على كتفي بعضهما ،،،،
تأتي السيدة بالطعام وتلاحظ استغراق الفتى في الصورة ، فتدمع عيناها مرة أخرى وتذهب الى غرفة النوم وتأتي بألبوم صور ليس بالقديم ولا الحديث وتجلس بجوار عُمر وتقول : الصورة ال فوق دي صورتي انا ونوال الله يرحمها ، أتربينا سوه ودخلنا الجامعة مع بعض وكانت هي سري وانا سرها ، خالتك سميرة مكنتش تحبني ولا تحب أمك عشان بتغير منها لانها كانت اشطر منها والكل يحبها ،،،،
عارف ياعُمر انك ابني واخو كريستين ، لما أمك ولدتك  كنت انا ولدت كريستين قبلك بأسبوعين ، ونوال تعبت وجاتلها الحمى وماقدرتش ترضعك وانت ياقلبي رفضت الصناعي ، فجابك ليا مصطفى أبوك الله يرحمه وقالي مش عارف اعمل ايه ، فرضعتك مع كريستين ،،،
نوال كانت بتموت ووصتني عليك ، ولما مات ابوك وهو في المصنع اخدتك عندي كان عمرك اربع سنين وقتها وكنت مربياك مع كريستين ، لكن جدتك اصرت انك تعيش معاها وبعدها روحت كملت عند خالتك الله يسامحها ،،،
تفتح الألبوم وتقلب صفحاته ، صور كثيرة للصديقتان وهما على الكورنيش وفوق السطوح وفي الجامعة وفي زفافهما ،،،،،
يظل عُمر في بيت أصدقاء أمه وجيرانها بضعة أيام ، كان خلالها يبحث عن عمل ، فوجد عملاً  في أحد المتاجر وطلب من صاحب العمل بعد أن شرح له ظروفه أن ينام في مخزن المتجر أو الدكان ، فوافق الرجل رفقاً منه بظروف الفتى ،،،،
كان عُمر وكريستين صديقين حتى من قبل طرده من بيت خالته ، يذاكران سوياً ويتمشيان كثيراً على الكورنيش ويجلسان أمام البحر كلٌ يحكي للأخر احلامه وأمنياته ،،،،
دائماً ما يطلب منه الرجل الطيب زوج صديقة أمه أن يحافظ على أخته ، أو يوصل أخته للمكان الفلاني ، بحكم أن الفتاة وحيدة وليس لها اخوة ،،،،،

منتصف ليلة رأس السنة الميلادية

كانت كريستين منذ أول المساء وهي في الكنيسة القريبة من البيت  تشارك مع جوقة الفتيات في ترانيم عيد الميلاد وعندما أنتهت كان ينتظرها أبوها وأمها لحضور قداس منتصف الليل ،،،،
لم تكن الساعة قد وصلت للثانية عشرة ، حتى فجأة اهتزت الكنيسة ودوى أنفجار هائل أسقط  زجاج الشبابيك الملون والمزين بصور العذراء والقديسين ، ثم أنقطعت الكهرباء وخرج الكل مسرعاً من الخوف والهلع ،،،
انفجار أخر فتطايرت السيارات وتهشمت ،يتصدع المسجد المقابل للكنيسة فتتهشم أبوابه وشبابيكه المزينه بالزخارف الأسلامية ،،،،،
الجميع في صدمه وفزع ، هذا يبحث عن أبنه واخر عن زوجته وسيدة تبكي أبنتها ،،،،
أختلطت الدماء على الأسفلت لم يستطع أحد أن يفرق بين الدماء ،،،،
الرجل وزوجته يبحثان عن كريستين فلم يجداها ،،،،
كان عُمر في الدكان الذي يعمل بهِ ، وسمع دوي الأنفجارات فهرول مسرعاً الى الكنيسة فوجد أصدقاء أمه يبحثان عن أبنتهما ،،،،
فظل يبحث عن الفتاة الى أن وجدها بجوار أحد السيارات ودمائها تسيل بغزارة ،،،
فحملها ووضعها في سيارة الأسعاف ,,,,
وذهب مع أمها وأبيها على المستشفى ،،،،،
الطبيب يطلب نقل دم على الفور للفتاة حتى تستطيع النجاة ، فتقدم عُمر للتبرع بدمه  ، فتطابقت فصيلة دمائه مع دماء كريستين ،،،،
جلس الى جوارها يتدفق دمه الى عروقها ، يربط بينهما ذلك الرباط التاريخي المقدس ،،،،
يبتسم عُمر الى الأم ويقول لها : لا تقلقي سننجوا ونعيش,,,,,,,

شتاء 2011

الأحد، 11 سبتمبر، 2011

أسطوانة الذكريات



الضوء خافتاً بعض الشيء في غرفة المكتب ، غرفة متسعة على الطراز الكلاسيكي ، يوجد بها المكتب الكبير وخلفه مكتبة متوسطة يرتص عليها الكثير من الكتب ، في الجانب الأيمن منها ركن خاص بالاسطوانات الموسيقية ، وعلى الحائط بعض اللوحات لبيكاسو وجويا وفان جوخ ،،،،
في المنتصف لوحة زيتيه لسيدة جميله شعرها الأسود الطويل منسدل على كتفيها ، عينان زرقوان متسعتان مع أبتسامة رقيقه ،،،،،،
على المكتب صورة فوتوغرافية صغيرة في برواز لنفس السيدة الجميلة ، وصورة أخرى لأبنه وأبنته ،،،،
وقف العجوز امام الشباك فحرك الستائر قليلاً حتى يرى البحر ، كانت ليلة من ليالي منتصف الخريف ، الرياح هادئة مع سحب كثيفه وقد يتساقط المطر ، وموج البحر لم يكن هائجا او صاخباً هذا المساء ،،،،
اليوم هو عيد ميلاد زوجته الراحله وعيد زواجهما في نفس الوقت ، رحلت عنه منذ ست سنوات ، واعتاد ان يحتفل بيوم ميلادها ويوم زواجهما كما اعتاد ان يحتفل معها دائماً ،،،
في هذا المكتب على أنغام اوبرا كارمن لبازيه ،،،
اخرج الأسطوانة من الركن الخاص للأسطوانات ووضعها في جهاز تشغيل الأسطوانات ، وبدأت تنساب الموسيقي في غرفة مكتبه وتنساب معها ذكرياته ،،،
كانت يونانية الأصل تعرف عليها في فيينا بالنمسا ، حيث كان عمله في الماضي ، وحضرا سوياً عرض خاص لأوبرا كارمن في دار اوبرا فيينا ، تبادلا النظرات والأبتسامات مع انسياب الموسيقي وغناء السوبرانو ، ثم تعرفا على بعضهما اثناء الأستراحة ، وعزمها على العشاء بعد انتهاء العرض في أحدى مطاعم فيينا ،،،
احبته لدرجة الجنون وذاب هو عشقاً فيها ، وتزوجا وعادت معه الى الأسكندرية ،،،
تنساب الموسيقي من الأسطوانة وهي تبتسم له من اللوحة الزيتية ، الأداء الأوبرالي مازال هادئاً ، وتتحرك الستائر قليلاً ، يبدو أن الهواء القادم من البحر لن يبقى هادئاً ،،،،
في يوم ميلادها ويوم زواجهما ، ترقص معه في تلك الغرفة ، تستريح على صدره ، يتحرر من قيود الزمان والمكان عبر النظر الى عينيها واستنشاق عطر شعرها ، فتأخذه أبتسامتها دائما الى شواطيء بعيده ليس لها حدود فلا يرى سوى تلك الأبتسامة ، ولا يسمع الا همسها ،،،،
تنساب الموسيقى من الأسطوانة ، وعيناه لا تفارق أبتسامتها من اللوحة الزيتية ، الأداء الأوبرالي بدأ يتصاعد تدريجياً ، والستائر تتحرك بنعومة من على الشباك والشرفة المطلان على البحر ،،،،،
أخرج صندوق من الخشب بقى العديد من الصور الفوتوغرافية له وهو وزوجته وأبنه وبنته ، وبعض الرسائل القديمة التى كان يراسلها بها أثناء سفره ، أخرجها جميعاً وظل يقلب فيها ،،،،
أصابها مرض مفاجيء لم يمهلها الفرصة للعلاج ، ورحلت عنه ودُفنت في الأسكندرية وتركت له تلك الصور والرسائل والذكريات ، وظل وحيداً بعد أن سافر أبنه وابنته للدراسة في الخارج ،،،،
دمعت عيناه ، وهي مازالت على نظرتها وأبتسامتها له ،،،،،
رحل في هدوء وهو ينظر لحبيبته ،،،
أداء السوبرانو يتصاعد ويتوتر مع سقوط كارمن ،،،
والستائر تتحرك بقوة مع سقوط المطر في تلك الليلة الخريفية ، وموج البحر يزداد هياجاً وصخباً ،،،،
تنتهي الأوبرا مع تصفيق الجمهور ،،،،
وتتطاير الرسائل والصور الفوتوغرافية من حول العجوز ,,,,,,


الأحد، 4 سبتمبر، 2011

نظرات حائرة



صوت التلفاز يدوي في أرجاء البيت المتسع ، معلناً عن نشرة أخبار السادسة مساءً على القناة الأولى ،،،،
كان الرجل العجوز قد اعتاد منذ عشرات السنين أن يستيقظ من ساعة قيلولته على نشرة أخبار السادسة مساءً ، تكون الزوجة قد أعدت ماتيسر من الغداء فيجلسان سوياً على المائدة الصغيرة ويتناولا غدائهما البسيط ،،،،
طلب منها هذا اليوم أن تُعد له صينية عكاوي وبجوارها البطاطس المُحمرة في الفرن ، رغم تعليمات الطبيب المشددة بعدم تناول الأكلات المسبّكة ،،،،
لم يُرزقا بالأولاد فرضيا بنصيبهما واعتادا وحدتهما في بيتهم المتسع المطل على شارع العباسية الرئيسي والمار بأسفله التُرماي ،،،
كانت بلكونة البيت تطل أيضاً على دكان البقالة ولعب الأطفال الذي يملكه ويعيش منه هو وزوجته ،،،،
مع أنتهاء نشرة أخبار السادسة مساءً يكونا قد أنتهيا من تناول الغداء ، ويشربا الشاي سوياً في البلكونة المطله على شارع العباسية  ، كانت من تلك البلكونات العتيقة ذات الباب المرتفع وقد أسود لونها بفعل الزمن وعوادم السيارات ، بها منضدة صغيرة للشاي والجرائد وكُرسين صغيرين للرجل وزوجته ،،،،
يمر التُرماي فيحدث جلبة شديدة تهز البلكونة القديمة بالبيت ، وأنطلاق صوت احتكاك كابلات الكهرباء الخاصة بالتُرماي ، لكنهما أعتادا ضجيج التُرماي كما أعتادا كل شيء مع مرور الأيام والسنين ،،،،
يثرثران سوياً عن أخبار الجيران وأسعار اللحوم والدواجن والخضروات ، والمشكلة التي تؤرقه دائماً وهي تسرب المياه من سقف الحمام ،،،
ينتهيا من الشاي ، ثم يتناول دواء القلب  ، وينصرف في هدوء بعد أن يرتدي بنطاله القصير وقميصه النصف كُم مع  حمالات البنطلون ، مع النعل الجلدي الذي يُريح قدميه ،،،،
يذهب الى دكانه الكائن على الضفة الاخرى من بيته ، يمر على قضبان التُرماي وتتابعه عينا زوجته التي مازالت جالسه في البلكونه ،،،،
اوشك الليل اني يرخي سدوله وهدأت الحركة قليلاً في شارع العباسية ، الا بعض الصبية العائدون من المدارسة المسائية وطُلاب الجامعة ،،،
يفتح دكانه الذي كان مغلقاً فقط بالباب الداخلي ، ثم يقوم بتشغيل الراديو ،،،،
يلقي نظره على استديو الخواجة بشرى  فلا يجد صديقه بشرى على مكتبه في مدخل الأستديو ، فيعود مرة أخرى الى داخل الدكان ،،،،،
يمر التُرماي المتجه للسيدة زينب فينعكس البرق المنطلق من أحتكاك الكابلات الكهربائية على فاترينة الدكان وعلب التونة والسلمون والعصير المرتصة على أرفف الدكان ،،،،
تأتيه فتاه جامعية تطلب أستخدام التليفون ، فيعطيها التليفون ثم ينظر الى ساعته  ليحسب متى ستبدأ المكالمة  ، فتقف الفتاة بعيداً قليلاً وتتحدث بصوت مرتفع مع حبيبها وتوبخه لأنها أنتظرته كثيراً هذا اليوم ، تنتهي الفتاة من مكالمتها ، فينظر الى ساعته مرة أخرى ، فيخبرها أنها تحدثت مدتين بست دقائق ، فتحاسبه الفتاة وتنصرف ،،،،
يمر التُرماي فيحدث اهتزازاً كالمعتاد وينطلق برق الكهرباء منعكساً على واجهة الدكان والدكاكين الأخرى ،،،،
كان الراديو مستقراً على محطة البرنامج العام ، موعد السهرة الدرامية الأسبوعية التي تبدأ في التاسعة ونصف ، فقام برفع صوت الراديو حتى يكون الصوت واضحاً وجلس على كرسيه ، ثم لبس نضارته ذات السلسلة وأخذ يدون بعض حسابات الدكان ، وكان يتصبب عرقاً ، ففتح ثاني زراراً في القميص ،،،
جاء فتى صغير فوقف أمام فاترينة الحلوى ، يمسك في يده بعض النقود المعدنية ،،،
ثم التف من جوار الفترينه ونظر للرجل وطلب منه ربع جبن براميلي ، ثم اتجهت عيناه الى الحلوى والبسكويت ، فأنتابته رغبة جامحة في كل ماتحتويه الفاترينة ، ثم اصتدمت سفينة رغباته أمام نقوده القليلة المحدوده التي بالكاد تكفي ثمن ربع كيلو الجبن البراميلي ،،،،
كانت الزوجة تجلس في البلكونه تنتظر زوجها الذي أقترب موعد عودته واغلاقه للدكان ،،،
المسلسل الدرامي في الراديو على لسان أحد الأبطال يحكي ويقول : أتدري لقد جلس على كرسيه في مكتبه يدون في بعض أوراقه ثم بدأ يتصبب عرقاً ويحاول التنفس لا يستطيع كأنما يصّعد في السماء ،،،
يستمع الفتى الى الراديو وينظر الى الرجل  ثم الى الراديو فكان أسيراً لتلك النظرات الحائرة ،،،
العجوز يجلس على الكرسي لا يأبه للفتى ، بدأ يتصبب عرقاً وتساقطت نضارته فتعلقت في السلسلة ، يأخذ نفساً عميقاً لا يستطيع ،،،
يستكمل البطل في المسلسل الأذاعي ويقول : لقد أمسك أوراقه بشده فتقطعت في يده ويخرج صوت حشرجه قويه ثم يحاول الوقوف فيقع مغشياً علي مكتبه وسط أوراقه ،،،
تنتاب الفتى النظرات الحائرة لا يدري مايفعل  ، العجوز صاحب الدكان يحاول النهوض فيسقط مرة أخرى على مكتبه الصغير و دفتر أوراقه ،،،،
يأتي الخواجه بشرى صاحب الأستديو فيجد الرجل هكذا صريعاً على مكتبه ، والفتى مازال اسيراً لتلك النظرات الحائرة ،،،،،
يمر التُرماي محدثاً ضجيجه المعتاد ، ينطلق منه البرق فكان  شديداً هذه المرة فينعكس ضوئه المتقطع على فاترينة الدكان وأعين الرجل العجوز بُشرى والفتى الصغير الحائر ، والزوجة التى تجلس في البلكونه تنتظر زوجها ,,,,,,,,,
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة لسيزان