السبت، 28 ديسمبر، 2013

نهار طويل

جالساً على كرسيه الوثير الواسع كأنه يغوص في بحر لُجي لم يدري كم من الوقت ظل جالساً هكذا ، يُحرك عكازه المصنوع من خشب الأبنوس العتيق المنحوت عليه نقوش غريبة متوجه برأس أفعى فرعونية  ، ينظر الى المراه ، ينظر لها دائماً ، تنعكس فيها زوجته المستلقيه على سريرها ، يمتد شعرها كجداول ماء تنساب على مروج جسدها المرمري ترابط في هدوء ماقبل انفجار البركان الذي يسكن اسفل تلك المروج .....
صوت الموج أصبح أقل صخباً هذا الصباح ، ظلت الشمس غائبة لثلاثة أيام والمطر لم يتوقف ، بددت الغيوم هذا الصباح وأطلت الشمس على البحر فروضته وجعلته أكثر هدوئاً ....
أتكأ على عكازه وتحرك ببطء تجاه الدولاب أخذ الشال ثم نظر الى بندقية الصيد القديمة المعلقة على الحائط يحاوطها الغبار ، فأمسك بقطعة قماش وازاح عنها التراب العالق منذ سنين ....
نظر لزوجته التي ينبعث منها ذلك العطر المميز ، تتقلب في سريرها ، ظل واقفاً لبرهة أمامها ثم أتكأ على عكازه وذهب ليجلس في الشرفة المطلة على البحر ....
وضع المذياع على الطاولة وأخذ يحرك المؤشر حتى ظبطه على أغنية كلاسيكية قديمة ، تداخلت أصوات المحطات حتى أستقر المذياع على الأغنية وبدا صوتها صافياً مع الوقت ....
نسمات الشتاء الباردة حاولت أن تتسلل اليه لكنه أحكم لف الشال حول صدره ، ظل يحرك عكازه بين يديه كأنه أسورة القيد الأزلية التي لم يستطع الفكاك منها ....
ذلك الجار الذي يسكن في البيت المجاور أتى في موعده مع بداية النهار ، سحب كرسيه وسنارة الصيد والجريدة وجلس مقابلاً للبحر ، هذا الجار الوحيد الذي يأتي في الشتاء البارد بعد ان هجر الجميع البحر في الشتاء ويعودون كطيور النورس في نهاية الصيف وبداية الخريف ....
البيوت المجاورة خاوية على عروشها الى من الحراس المقيمين على حمايتها ، كل بيت يناجي الشتاء وحيداً ويتلوا تحت المطر ترانيم الوحدة التي لا تنتهي ....
ألقى سنارته في البحر بقوة ، ثم أخذ يسحب الخيط ثم يتركه مع الموج يأخذه كيفما يشاء ، ذهب الى البيت وأتى في يده ببعض اللوحات وفرشاة للرسم ، ثم جلس يلتمس دفئاً قليلاً من شمس الشتاء الواهنة .....
مازالت الأغنية الكلاسيكية القديمة تنساب صافية من المذياع ، مازال هو يحرك عكازه بين يديه ناظراً الى البحر ، نظر الى الشمس التي توسطت كبد السماء تشاكسها فلول سُحب الأمس ، لم يلتفت لصوت باب الشرفة التي فتحته زوجته وهي قادمة بصينية الشاي وبعض البسكويت ، شعرها يعاندها كفرس جامح اندفع مع نسمات النهار الشتوي ، نهديها يواجه رياح البحر بشجاعة لا تبالي بصمت زوجها لكنها أنصتت للأغنية الكلاسيكية القديمة ....
التمس دفئاً من كوب الشاي ، ظل محاوطه بكفيه تاركاً عكازه بجوار كرسيه ، بينما هي تغمز البسكويت برقة في الشاي الممزوج بالحليب ، فتسحبها بخفة قبل أن تذوب في الكوب فيكون مصيرها الذوبان بين شفتيها ....
سحب سنارته وقام سريعاً من على كرسيه وتحرك بأتجاه الموج وظل يسحب في سنارته حتى أخرج سمكة متوسطة الحجم تتمايل وتنتفض بقوة ، تنعكس عليها أشعة الشمس ثم يحكم قبضته عليها ويضعها في وعاء صغير ....
يضع كوب الشاي بعد أن تبقى به أقل من نصفه ، ثم أتكأ على عكازه وهم قائماً ببطء ووهن ثم دخل الى غرفته ، بينما هي جالسة تنظر الى ذلك الجار القديم .....
أستلقى على السرير واضعاً عكازه بجوار كرسيه ، ظل ناظراً الى سقف غرفته ، أحس أنه لم ينم منذ زمن بعيد ، لم يدري كم من الأيام أو السنين ظل مستيقظاً لا يستطيع النوم ، أغمض عينيه وترك نفسه فريسة لوحوش وضواري عقله الباطن ، تنهش فيه ولا يكاد يقاومها ....
حافية تتمشى على الشاطيء ، قميصها الأبيض الخفيف يتطاير مع تلك النسمات الباردة ، أحست ببعض البرودة تتسلل عبر قدميها الحافيتين فظلت واقفة تدفئهما في الرمال الدافئة ، بينما الجار القديم يُرتب لوحاته وفرشاته للرسم .....
أنتصف النهار وبدأت الشمس تميل بأتجاه الغرب تقترب الى رحيلها في مسقط الغروب ، ذلك النهار الطويل الغير معتاد في الشتاء لا يريد أن ينقضي بعد ...
الموج أصبح أكثر صخباً من الصباح وزاد مده فلامس الموج قدميها الحافيتين فلم تبالي ، ظلت ناظره بأتجاه البحر ثم أكملت سيرها حافية ....
أقترب منها .. فألتفتت أليه مبتسمة ... أستأذنها كي يرسمها ويهديها لوحته ... فلم تعترض ... طلب منها أن تظل واقفة هكذا لا تتحرك لبعض الوقت .....
لم يستقر نومه المنشود وأنتصرت عليه أحلامه بعد أن نهشت ما تبقى منه ، ففتح عينيه ببطء ناظراً حوله فلم يجدها ، اتكأ على عكازه وأزاح ستائر شرفته فوقف خلف الزجاج فوجدها واقفه على الشاطيء ناظره الى ذلك الجار القديم الذي يرسمها ....
فتح الزجاج وجلس على كرسيه ينظر أليهما ، مازالت الجرائد تتطاير على الطاولة بجوارها كوب الشاي الممتلىء لنصفه وكوب الشاي الممزوج بالحليب فارغاً وبعض البسكويت ، مازالت الأغاني الكلاسيكية القديمة تنساب صافية من المذياع لا تتوقف يعلو صوتها تارة وينخفض تارة أخرى ....
اتكأ على عكازه وهم واقفاً ، ثم تحرك ببطء الى غرفته ، أنزل بندقيته القديمة المعلقة على الحائط  ، ظل ناظراً اليها ، ثم تأكد أنها محشوه بالخرطوش  ....
كانت تبتسم الى الجار القديم يلامس الموج قدميها الحافيتين ، وكاد هو يفرغ من لوحته ، وكاد النهار الطويل أن ينقضي ....
وقع عكازه على الأرض بجوار الطاولة ، ثم صوب بندقيته باتجاه نهديها وهي تبتسم لجاره القديم ، توقف برهة على الزناد ترتعش يديه وقدميه بدون العكاز الذي ظل ملازماً له منذ سنين  ، تغلب على عجزه الذي لم يستطع أن يتغلب عليه من قبل وضغط على الزناد ....
أنطلق الصوت مدوياً فرد صداه في البيوت المجاورة الخاوية على عروشها ، فصاحت الغربان وهبت منتفضة فزعة لتطير بعيداً ...
سقطت على الرمال تسيل الدماء على قميصها الأبيض حتى خضطبت الرمال ، فأختلط دمائها بالموج الذي أصبح أكثر قوة وصخباً ....
سقطت فرشاته ناظراً الى الشرفة القريبة المطلة على البحر ...
بينما هو جلس على كرسيه مشدوها الى البحر والشمس التى أعلنت انقضاء ذلك النهار الطويل ، تحاوطه الأغاني الكلاسيكية القديمة التي تنساب صافية من المذياع ,,,,,,,,,