الاثنين، 21 مايو، 2012

بابل



لا تهتم دائماً بما يدور حولها في الزحام وربما لا تتأثر بهِ ، انتهى ميعاد عملها في قسم العناية الفائقة لمرضى القلب، نظرت نظرة أخيرة على  الغرفة التي تقوم بالأشراف عليها وكان بجوارها الطبيب يتحدث الى المريض ويخبره انه يمكنه المغادرة هذا المساء والمريض يتقبل كلام الطبيب بأبتسامة ضعيفة واهنة ....
ذهبت الى غرفة الممرضات ، غيرت ملابسها وارتدت ملابسها العادية ، تمشت بسرعة في طرقة القسم الطويلة لا تنظر لأحد ، ودعتها أحدى زميلاتها فحيتها في هدوء وانصرفت ....
أخترقت الشارع لا تٌبالي بالسيارات والمارة ، فتتوقف سيارة كادت أن تدهسها فيخرج السائق من نافذة السيارة ويزعق بصوت عالٍ ، فلا تلتفت اليه ....
تصل الى بيتها التي تُقيم فيه وحيدة ، بيت صغير من غرفة نوم واحدة وصالة صغيرة ومطبخ وحمام ، اول ماتفعله هو أن تذهب الى الحمام تقف أمام المراه للحظات وتظل تدعك يدها بالصابون ثم تترك شعرها الطويل ينسدل بحرية على كتفيها النحيفين ...
تذهب الى المطبخ تُعد كوب من الشاي الأخضر الساخن وتأتي بطعام سمكتها الوحيدة التي تعيش في الحوض الدائري ، تنظر الى سمكتها ثم تنثر الطعام من أناملها الطويلة الرقيقة فيرتطم بسطح الماء فيُحدث دوامات صغيرة تستشعرها السمكة فتنتفض وتتجه للطعام المتناثر في الماء ، تظل تُطعم سمكتها حتى تنتهى ، ثم تصنع طبق من البطاطس المقلية وبعض المكرونة وقطعة من اللحم وتأكل ثم تقف في نافذتها الصغيرة وتنظر للشارع قليلاً وتذهب لسريرها وتنام ........
تستيقظ في الصباح الباكر تأخذ حمام ساخن وتظل تتأمل تلك الندبات والجروح التي تنتشر على كتفيها وصدرها وظهرها ، تدعكها جيداً بالصابون كقطة تلعق بلسانها جراحها  ، ثم ترتدي ملابسها ، وتعد كوب الشاي الأخضر وتُطعم سمكتها قبل أن تذهب للمستشفى .....
تخترق الشارع المزدحم دون أن تُبالي بأحد ، ثم تصل الى المستشفى ، تمشى في طُرقة القسم الطويلة فتحس الان بصوت دقات حذائها وأصوات اجهزة العناية المنتشرة في الغرفة وأهات بعض المرضى ....
تدخل غرفة الممرضات فتقوم بتغير ملابسها وترتدي ملابس التمريض ، ثم تذهب الى الغرفة التي تقوم بالأشراف عليها ، ذهبت الى الطبيب اولا وسألته عن المريض الجديد ، فأخبرها بحالته ، مريض في الأربعين من العمر تعرض لأزمة قلبية حادة ، كفيف لا يرى ، ثم وصف لها الأدوية التي سيحتاجها ومواعيدها ....
دخلت عليه الغرفة كان وحيداً ومستلقياً على ظهره ، أحس بخطواتها لكنه لم يلتفت لمصدر تلك الخطوات ، فقالت صباح الخير وهي تقترب من السرير وتمسك التقرير الطبي المُعلق على طرفه ، عندما سمع صوتها الهاديء الرقيق أعتدل في نومه ورد التحية بصباح النور ......
قالت وهي تقترب منه وتنظر للشاشة الألكترونية المعلقة أعلى السرير : سأكون أنا الممرضة المتواجدة معك نصف اليوم ، لو أحتاجت لأي شيء تستطيع أن تضغط على هذا الزر .. ثم تناولت الزر المعلق بجوار السرير ووضعته في يده وقالت : أنه على يمين السرير مباشرة لو مددت يدك ستجده في الحال ... نظرت للساعة ثم قالت : ميعاد الحقنة المذيبة للجلطات يجب أن تأخذها في بطنك ....
قال وهو ينظر لمصدر الصوت : أضروري أن أخذها في البطن ، هل هي مؤلمة ؟ من الصعب عليّ أن أخذ حقنة في بطني هذه أول مرة لي ، من الواضح أني سأعتاد عليها ، ما أسمك ؟ مادام ستكونين ممرضتي يجب أن اعرف أسمك ....
قامت برفع الغطاء من عليه ثم فكت بيجامته أول وثاني زرارين من الأسفل ووضعت المطهر على بطنه ثم حقنته في خفة وسرعة ...
أحس بوخز الأبرة والألم عندما تسرب الدواء الى داخل جسمه وأحس ببرودة وقشعريرة في أطرافه  ، وقال : من السيء أن يتكرر هذا الأمر كل يوم ...
قالت وهي تعيد ملابسه وتُرجع الغطاء مرة أخرى : مرتين في اليوم وسوف يستمر هذا لمدة ثلاثة أو اربع ايام فقط حسب توجيهات الطبيب .....
قالت وهي تخرج من الغرفة : سأذهب لأتي لك بالأفطار ، فناداها وقال في هدوء : هااا ما أسمك ؟؟
جلس وأخذ يعدل من شعره وملابسه ، ثم أخرج نظارته السوداء من أسفل مخدته ولبسها ....
جائت بالأفطار ، فأحس بوقع خطواتها الخفيفة على الأرض ، فقال : ياترى الطعام هنا جيد أم لابد أن يكون طعام المستشفيات دائما مثير للأكتئاب ؟؟
قالت وهي تضع الطعام على الطاولة المتحركة : جبن منزوع الدسم ومربى التين وخبز وعصير برتقال ....
قال وهو يبتسم أبتسامة صغيرة : هذا فقط الا يوجد بيض وفول وسيجاراً ؟؟
قالت وهي تلبسه الفوطه على صدره : البيض يوجد به كولسترول ولا يوجد هنا فول أما السجائر فأنت اكيد تمزح !! ها أتحب أن تبدأ بأي الموجود على الطاولة ؟؟
قال : لماذا لا تقولين لي أسمك ، من الأفضل ان اناديكي بأسمك هذا سيشعرني بالراحة والقدرة على التواصل ، لو سمحتي قطعة جبن فقط ...
اعطته قطعة الجبن ثم قالت : وما أهمية أسمي ؟ ناديني كما تُحب ...
أحس بالأمتعاض من طعم الجبن وقال : انها عادمه ليس بها ملح !! أمصرة أنتي أن لا تقولِ أسمك ؟ نبرات صوتك متشابهة مع أختي الصغيرة أمل ، لا أعلم أن كنتِ تتشابهين معها في الملامح أم لا لكن ستأكد من ذلك يوماً ما ، سأناديكي بأمل .....
قالت وهي تعطيه عصير البرتقال في يده : موافقة على أسم أمل ، لكن قد يُغضب ذلك أختك الصغيرة ؟؟
قال وهو يضع عصير البرتقال على الطاوله ويده ترتعش : لقد ماتت في حادث ...
أحست بالحرج ثم سحبت الطاولة وقالت : أنا أسفه أني ذكرتك بها ....
قال لها وهو يحرك يده على كتفه وصدره : كم الساعة الان ؟
قالت : التاسعة صباحاً .... قال : الشمس أصبحت دافئة لو سمحتي أزيحي الستائر واجعلي أشعة الشمس تتسلط عليّ ، أحس بالبرودة وأريد دفء اشعة الشمس ...
أزاحت الستائر فتسربت أشعة الشمس عبر زجاج النافذة فتسلطت على نصف جسمه ، فأصبح النصف الأخر في الظل .....
أعطته بعض الأدوية ثم جائت في فترة الغداء ، فعندما دخلت الغرفة قال : أهلا يا أمل ..
أتعلمين أني اكره الظلام رغم أعتيادي عليه ، سوف لا تصدقيني ، من طفولتي وأنا أخاف الظلام كنت أستحلف أمي أنها تضيء غرفتي ، كانت تسخر مني لكني أؤكد لها أني أحس بالضوء كأنها ضباب أبيض في عينيا ، أحس بدفء الشمس وحتى دفء المصابيح الكهربائية في الشتاء ، أعتبري هذا سر لا تُخبرين أحد به .....
قالت وهي تضع الغداء : ولماذا أخبرتني بسرك ؟
قال : لأنك أمل .. أمل دائما كانت تحتفظ بأسراري وانا أحتفظ بأسرارها ألا تخبريني بأسرارك ؟؟
قالت وهي تنظر له وهو يأكل : لا يوجد لدي أسرار ، أنا انسانة عادية لكن أن كنت مصّر ، فأنا صماء لا أسمع ألا بسماعة طبية ...
ضحك وهو مركز صوب عينيه عليها وقال : هذا غريب أنا أعمى وأنتي صماء شيء يكمّل الأخر ، قد أرى بعيونك أنتي ، وقد تسمعين بأذناي  لكنك بطبيعة الحال تسمعين ...
ضحكت ضحكة هادئة تكاد تكون أبتسامة : أحياناً أنزع السماعة خصوصا وقت الضوضاء او عندما لا أريد أن اسمع ثرثرات الأخرين ، لا أحب الات تنبيه السيارات ولا الضوضاء عموماً ....
أبتسم وقال : أخاف يأتي وقت تنزعي فيه سماعتك عندما أثرثر كما أثرثر دائماً ، قولي لي فقط أصمت وسوف أصمت في الحال .....
أستيقظ مبكراً ينتظرها كانت قد تأخرت عن موعدها نصف ساعة لم يكن ليدري كم من الوقت تأخرت لكن أحس بتأخرها ...
دخلت عليه الغرفة فأحس بوقع خطواتها الخفيفة على الأرض ، قال : لقد تأخرتي اكثر من نصف ساعة ...
ضحكت وقالت : كيف عرفت ؟؟ قال وهو يبتسم : هذا أحساس ...
قالت : ميعاد الحقنة الان ... قال : حسناً اللهم لا أعتراض ....
وضع يده فجأة على وجهها وقال : ارجوكي لا تتحركي ... كان يتحسس ملامح وجهها كطريقة برايل ....
أندهشت وأحست بحدود أتصال أنامله بوجهها ، أحساس بالحنان ينسكب ويتسلل من وجهها الى رقبتها وصدرها وبطنها ثم يتفرع لرجليها ، كأنها تصل الى جذور كيانها كشجرة عطشى للأمان والحنان فأرتوت ....
قال : أنتي متشابهة الملامح جدا مع أختي ...
خجلت وقامت فجأة وأنصرفت ...
عادت بعد قليل وكان ينتظرها ، قال : اعتذر لو كان تصرفي ازعجكك لكن كان لابد أن أحدد ملامحك ...
قال لها : أأنتي متزوجة ؟؟
قالت وقد أحمر وجهها : لا لست متزوجة ، مثلي لا تتزوج بسهولة !!
قال : أنا كنت متزوج !! أنسانة أتقنت تمثيل الحب حتى تصل الى هدفها ، لا أدري أن كنت أحبها أم كنت أبحث عن مُرشداً لطريقي وسط الظلام ، المهم ببساطة أنها خدعتني حتى تستولي على بعض المال وقد كان ، المال ليس مشكلة ، لكن مايكسر القلوب لا يقدر بثمن ....
لماذا مثلك لا تتزوج ؟؟ أنتي أنسانة جميلة ورقيقة ...
قالت وهي تنظر من النافذة بعد أن ازاحت الستائر حتى تدخل أشعة الشمس فأضائت وجهها : أنا وحيدة لست من هذة البلدة ، ليس لي أحدٌ هنا لقد درست التمريض في تلك الجامعة هرباً من اضتهاد زوجة أبي التي تزوجها أبي سامحه الله بعد وفاة أمي ، كنت صغيرة عندي عشرة سنوات ، كانت زوجة أبي مريضة بالسادية ، تستمتع بتعذيبي ، هل تتخيل طفلة تجلس وحيدة ومنزوية تبكي في ركن الغرفة بعد أن ضُربت بالسوط على ظهرها أو تم سكب الشمع الملتهب على صدرها ، كان هذا الدرس الأسبوعي بعد أن أنظف جسدها واحممها واقّبل قدميها حتى تستمتع بتعذيبي وببكائي وتوسلاتي أن ترحمني  ، كنت أشتكي لأبي وتقول هي له أني لا أسمع كلامها بالتالي فهي تربيني ، هكذا كانت حياتي حتى هربت وأخذت ذهب أمي كي أصرف منه على نفسي وعلى دراستي وظللت هنا في هذة البلدة أكثر من سبع سنوات حياتي هي المستشفى وبيتي وفقط ....
تسللت أشعة الشمس من جوارها حتى استقرت على وجهه هو وقد أبتسم أبتسامة هادئة وقال : كان هناك قصة عن برج بابل ، بعد الطوفان الذي ضرب الأرض ايام نبي الله نوح قام أبناء نوح بالأتفاق على بناء صرح يتجمعون حوله هم وابنائهم وكل الكائنات ويتوحدون ضد الشر ويعبدون اله واحد يصعدون الى جنته عبر هذا الصرح ، جنه ليس بها شر وقتل وكراهية ، لكن الاله غضب من ذلك لانه أراد للبشر أن يتفرقون ويعمرون الأرض ، عمّروها وفي نفس الوقت نشروا فيها  كل أنواع الشر ، هل نحتاج لبرج بابل من جديد أم كل واحد منا يبحث عنه بنفسه ؟؟؟
كانت تبكي وهي تنظر من النافذة وتدفيء كتفيها وصدرها بكفيها بعد أن أختفت الشمس خلف السحب الشتوية ...
خرجت من الغرفة ولم تعود اليها مرة أخرى ، ظل ينتظرها الى أن خرج من المستشفى مع أخوه الأكبر ...
أصابتها الحمى وظلت طريحة الفراش في بيتها الصغير تطمئن عليها فقط أحدى زميلاتها الممرضات ...
سأل على عنوانها حتى أستطاع أن يصل اليها ، فتحت له الباب وهي تسعل بقوة ، فأصابتها الدهشة عندما رأته ...
طلب منها الدخول وجلس بجوار حوض السمكة الوحيدة ....
قال : أتقبلين الزواج بي ؟
قالت : انا فتاة معقدة كلي جروح وندبات قد يزعجكك تصرفاتي الغريبة ...
قال وهو يضع يده على حوض السمكة بعد أن اصتدمت به : سنعالجها سوياً ، سنصعد سوياً برج بابل الخاص بنا ، أنتي مُرشدي الى الجنة .....
أخذ منها الطعام الصغير الذي كانت تُطعم بهِ سمكتها ، وقام بنثره على الماء فيرتطم بسطح الماء فيُحدث دوامات صغيرة تستشعرها السمكة فتنتفض وتتجه للطعام المتناثر في الماء ,,,,,,,

الأحد، 6 مايو، 2012

الألوان



يعلم جيداً أنه يجب أن ينفذ أوامر ذلك الساحر ، قد يموت جوعاً أو يتم رميه خارج فريق السيرك ...
كل مايذكره عن طفولته وكيف أتى الى هذا المكان ، أنه كان طفل صغير مع مجموعة أطفال في ملجأ كبير للأيتام وجاء هذا الرجل واستلمه مع فتاتين صغيرتين ، أحدهما صديقته والأخرى حبيبته ....
لم يرى أحد خارج السيرك والفريق والجمهور المتعدد الذي يترددون عليه في مختلف المدن التي يزورونها ، حياته وعالمه الخاص الذي لا يعلم سواه ولم ترى عيناه غيره ....
سمع صوت الساحر وهو يزعق في غضب يطالب الجميع بسرعة الأستعداد والتمرين جيداً ، يتحرك بين الجميع ببدلته الاسموكن السوداء وأصباغ الوجه التى تظهر حدة الملامح والذكاء ، مع صبغ الشعر الأبيض المنتشر الذي اجتاح وازاح شعره الأسود ، كان هو الساحر والمدير ....
الفتيات الرشيقات الجميلات يتحركن في مجموعة في اضطراب ضحكاتهم العالية تصدح في جنبات الخيام ، ملابسهم اللامعة الضيقة وصبغات الشعر الاصفر والاحمر تسيطر عليهن ، يسارعن للجلوس امام المرايات المحاطة بالمصابيح كي يظبطن ملابسهن ويصففن شعرهن .....
وفي محيط الحلبة الدائرية وسط الخيمة الكبيرة التي يقام فيها العروض ، يتمرن اللاعبين الذين يقفزون على الارجوحات الهوائية والحبال المعلقة عالياً في العاب خطرة تُلهب حماس الجمهور بأثارتها وسرعتها ....
يقف التوأم أمام بعضهما يلعبان الكرة ويتشقلبان في الهواء ثم يتلقفان الأطباق الطائرة في سرعة ودقة متناهية ، بينما يجلس المهرج العجوز ذو الأنف الأحمر والوجه الأبيض يلاعب كلابه الصغيرة ، بشفاه المبتسمة باللون الأحمر دائماً ، هي رُسمت كذلك ، لكن لا أحد ليرى حقيقته أمبتسم دائما أم ماذا يخفى تحت تلك الألوان .....
زئير الأسدين لا يتوقف أبدا اثناء فترة التمرين كانت مروضة الأسود السيدة كاميليا تلوح بعصاها للأسدين وهما يرفعان أيدهما في فزع خوفاً من بطشها هكذا تعلما منها ذلك ، ما الذي أدخل في مخيلتهما أنها اقوى وقد تعاقبهما بتلك العصا وهذا السوط ، لكن انها حيلة الأنسان في السيطرة على كل شيء ، يتحركان حسب أوامرها يهدئان بضربة سوطها على الأرض وفي الهواء ، في انتظار هديتهما من حمار مذبوح او كبشين صغيرين جائزة لهما على الطاعة واسعاد الجماهير .....
جاء موعد التمارين التي يقوم بها هو وحبيبته ، تمارين الأتزان على الحبل المرتفع والقفز منها في حركات عكسية والتشبث بالارجوحة في الهواء ، كانا هما الثنائي الأبرع في الفريق وكانت نمرتهما هي النمرة المفضلة لدى الجمهور فقد تعودا ان يقدماها بدون تأمين أو ربط خصرهما بالحبال ،،،،
تدربا سوياً منذ صغرهما على تلك اللعبة منذ ان قدما سوياً من الملجأ , كانت صديقتهما تمارس تلك اللعبة ، في أحدى الحفلات أجبرها الساحر على تقديم نمرتها وهي تعاني ارتفاع في درجة حرارتها بسبب الحمى ، وحاول الجميع أثنائه عن ذلك لانه في خطر على حياتها ، لكنه رفض بشدة وهددها بالطرد من السيرك ، في تلك الليلة ارتدت ملابسها الضيقة ، ووضعت الأصباغ الملونة على وجهها شعرها الأصفر كان طبيعيها بدون أصباغ عقدته عقدة صغيرة حتى لا يعوقها ، اضواء الحلبة المبهرة كانت تزيد من حرارة جسمها وتُشعرها بالدوار ، هتاف الجماهير وضحكات الأطفال لا تتوقف حولها ، جاء دورها فصعدت السلم الى أعلى في منتصف الحلبة ، كلما صعدت يزداد الدوار ، والأضواء تدور حولها وتمتزج مع صوت الجماهير والحيوانات ، حتى أصبحت لا تميز بينها ، أمسكت الأرجوحة بيديها فأحست أنها فقدت الأحساس بها ، لكنها تمسكت بها جيداً ، قفزت بها وتحركت في الهواء حركة دائرية رشيقة وأمسكت جيداً بالأرجوحة الأخرى ، تعالت صيحات الجمهور تشجيعاً لها ، استعدت للقفزة الأخرى ، ونظرات زملائها في الأسفل متعلقة بها ، أمسكت الأرجوحة مرة ثانيه ودفعتها ، فأختل توازنها وفقدت السيطرة عليها فتهاوت على ارض الحلبة ، انطفأت الانوار وتطايرت قصاصات الورق التي يلهون بها وتمرغت تحت أقدام زملائها ، وانصرف الجمهور الذي أخذ يثرثر لأيام كيف رأى كل واحد منهم الفتاة الشقراء الجميلة وهي تطير في الهواء وتتهاوى على الأرض .......
نظر لحبيبته وهما يستعدان لصعود السلم وأمسك يديها وقال : لم أعد أطيق هذا المكان في كل مرة نقدم ذلك العرض أراكِ تسقطين أمامي كما سقطت صديقتنا ، لم يبالي أحد بها سقطت وماتت ودفنوها في مكانٍ ما ولا حتى نعلم طريقه ، لم يبالي أحدٌ بنا سنسقط جميعاً الأخر تلو الأخر ولا أحد يدري ولا أحد يهتم ، حتى زملائنا ؟؟ سيبكون علينا أياماً ثم ينسون ويقدمون عروضاً يرقصون ويلعبون ويغنون ، أعلم أننا لا نعرف أحد وليس لدينا مال ولا مورد رزق ، لكننا سنترك تلك المدينة ونذهب بعيداً الى مدينتنا المطلة على البحر التي نشئنا فيها اتذكرين الملجأ واحنا صغار .......
ضمت يده بقوة وسقطت من عينيها دمعة صغيرة ازاحت ذلك الكحل الذي يزين عينيها فصنع خطاً على جبينها الأبيض ....
قالت : رغم أنني لا أعلم ماينتظرنا غداً فيكفيني أنني معك ,,,,,
بعد انتهاء العرض في المساء وأنصراف الجمهور ، جلس الساحر يناقش بحدة المصاريف والأيرادات مع المحاسب الخاص بالفريق ، وهدأت الأسود واخذت قسطاً من الراحة ، وبدأت الفتيات يغيرن ملابسهن ويذهبن الى الخيام ، وجلس المهرج العجوز تحت شجرة التوت الكبيرة يدخن سيجاراً ....
كان الفجر قد أقترب وبدأ القمر في الانزواء ناحية الغرب فصنع شفقاً امتداداً للشمس التي تصعد للسماء من ناحية الشرق ....
أمسك يد حبيبته وتسللا خفية بين الخيام ، كانت تمسك حقيبة متوسطة تحتوي على بعض الطعام والملابس ، وهو يمسك بيده الأخرى حقيبة صغيرة ، المهرج العجوز مازال جالساً وحيداً يدخن سيجاراً أسفل شجرة التوت فأنبته اليهما ، ما أن رائهما حتى أبتسم ، ابتسامة صادقة بدون أصباغ على شفاه الخشنة المشققة , أعطاهما بعض النقود وقال لهما : أسرعا قبل أن يراكم احد ، لا تعودا هنا مرة أخرى .....
اختفى القمر في الغرب البعيد ، وصعدت الشمس مشرقة بأشعتها الذهبية ، وصلا الى محطة القطار ، فكان القطار على وشك الأنطلاق ، ركضا برشاقة بجوار القطار المتحرك ببطء وقفزا في حركة سريعة الى داخل باب عربة القطار المفتوح .....
كانت الشمس تتكبد وسط السماء حينما وصلا الى الكورنيش المطل على البحر ، أخترقا الطريق وهما يضحكان ....
السحب تتناثر على امتداد الأفق فوق سطح البحر تُخفي الشمس تارة وتنسحب تارة أخرى ، ما أن وصلا الى الرمال حتى تخلصا من أحذيتهما ، واندفعا يركضان بأتجاه الموج ....
كانت فتاة صغيرة تلعب مع أبيها بطيارتها الورقية ، فأتجهت نحوهما بطيارتها التي ترتفع وتحلق ثم تعاندها الريح فتهبط ....
اخذا يدفعان الموج ويرشان المياه على الفتاة الصغيرة والفتى تلعب في وسطهما ، ثم حمل حبيبته فوق كتفه ينعكس في عينها البحر والفتاة الصغيرة بطيارتها الورقية  ,,,,,,,,,
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة لبابلو بيكاسو 

الأربعاء، 2 مايو، 2012

الأبواب المغلقة



أحس بالعجز وقلة الحيلة لم يستطع أن يفعل لها أي شيء كي ينقذها ، حاول أن يساعدها بالمال وحتى بدمه لكنه عجز أن يوقف ذلك العدو القاتل الذي انقض عليها بسيفه وحربته ، كان انقضاضه سريعاً خاطفاً لم يمهلها ان تستعد او تواجهه ، لم تكن لتواجهه الا بتلك الابتسامة الدائمة ، كان مرضها نادراً أرتفعت حرارتها وتجاوزت الأربعين ثم أصيبت بالشلل ....
أخبروه أنها ممكن إنقاذها في الخارج لكنها ستحتاج مصاريف عاليه ، ولا يملك المال لمساعدتها .....
أخذ معه الشيكولاتة وبعض اسطوانات الموسيقي التي تحبها فهي عازفة بيانو وعاشقة للموسيقى الكلاسيكية ، وقف أمام غرفتها واستأذن الدخول اليها ....
كانت في وهن وضعف ، تألقت عيناها عندما وقعت عليه وابتسمت ابتسامتها المعتادة ، جلس بجوارها وأمسك يديها ، لم تستطع أن تحركها لكنها أحست بالدفء يتسلل اليها ويطرد برودة الشتاء التي سيطرت عليها في تلك الليلة الشتوية ....
أخر ليلة في العام وبعد دقائق سيبدأ العام الجديد ، أخرج لها الشيكولاتة وأكل منها ثم وضع قطعة صغيرة في فمها ، فذابت بين شفتيها الضعيفتين ، نظر الى عينيها وضم يدها بقوة ، كنا سوياً العام الماضي وسنظل معاً الأعوام القادمة ، لن أتركك أبداً !!!!
طلبت منه أن ينزع عنها سلسلتها الذهبية من رقبتها ، قالت له : سلسلتي من وانا صغيرة ، اهدتها لي جدتي ولما أنزعها أبدا عني ، أرجوك أحتفظ بها لأجلي والبسها حالاً أمامي ....
فلبسها وعيناه تدمعان ، كانت تدلى منها صورة صغيرة لها وهي طفلة عمر عامين ...
فردت بأبتسامة معتاده على دموعه التي تساقطت ، ثم قبلها على رأسها ....
رفع رأسه من على جبينها فأرتخى كفيها من يدها ، فوجدها على تلك الأبتسامة الأخيرة !!!
ظل يبكي على كفيها حتى بدأ العام الجديد ...
بدأ العام الجديد بأمطار الميلاد الخفيفة ، تتساقط فوق رأسه لا يدركها ولا يحس بها ، يخترق الشارع الرئيسي وتمر السيارات بجواره مسرعة الات التنبيه لا تتوقف ابتهاجاً بالعام الجديد ، على جانبي الطريق فتيان وفتيات يمرحون بالبالونات والالعاب النارية ، المقاهي تخرج منها الأغاني الصاخبة وبعض الشباب يسخرون منه لحزنه وصمته في اول ساعة من العام الجديد ....
وصل الى عمارته التي يسكن بها ، عمارة كبيرة من العمارات القديمة والمرتفعة التي تطل على كامل المدينة وتكشفها ، الأضواء تتسلل من خلف النوافذ المغلقة ، ينظر لها من الأسفل ويتأملها فهو يعرف أصحابها جيداً منذ أن كان صغيراً ....
الكل مختبىء خلف تلك النوافذ والأبواب ، قد يكونوا مختبئين من البرد أو من العيون التي قد تكشفهم ....
دائما ً المصعد القديم معطل فيصعد السلالم في هدوء وصمت يصل الى الدور الثاني فينظر الى شقة الرجل العجوز الذي يسكن وحيداً بعد موت زوجته ، وزواج بنتيه وبعدهما عنه وعدم سؤالهم عليه ، لا يأتون اليه الا  في الأعياد وقد لا يأتون ، أصابه الزهايمر منذ أربع سنوات ويقوم على خدمته أحد الشباب الذين يخدمون العجزة بأجر شهري ....
يستمر في الصعود وقلبه بدأ في التعب بسرعة ...
في الدور الذي يليه خلف ذلك الباب الرجل الذي يعمل مديراً لأحد البنوك ، يخون زوجته الجميلة بأستمرار ، أنها سيدة لطيفة الكل في العمارة يحترمها لطيب أخلاقها ، الا زوجها دائماً مايخونها مع الخادمات ، يشرب الخمر بكثرة ويضرب زوجته اللطيفة الهادئة بأستمرار ، ما يجبرها على تحمله سوى أولادها التي تتمسك بهم .....
أستمر في الصعود فنظر الى شقته التي يسكن بها ، لم يبالي وأستمر في الصعود مرة بشقة السيدة التي تعيش هي وأبنتها وحيدتان بعد وفاة زوجها من عام ، والشقة المقابلة يسكنها الرجل المتدين ، ملتحي والبس بناته الصغيرات وزوجته النقاب منذ سنتين ....
يستمر في الصعود والصعود فيمر من أمام شقة السيدة المجنونة التي دائماً مايرتفع صوتها بالصراخ والسباب لزوجها واولادها ويخرج زوجها المسكين يسيل الدم منه بعد كل معركة مع زوجته ويظل الجيران يهدئون من روعها فتسبهم وتٌغلق باب شقتها عليها ....
يصل الى السطوح المتسع المطل على المدينة ، كان المطر مازال يتساقط خفيفاً ، مع رياح باردة انتابت صدره مجرد من أن وطأت قدميه سطح العمارة ، لوحات الأعلانات المنتشرة في العمارات البعيدة تتلألأ في عينيه ، تضيئ  و تنتطفىء باستمرار ....
أقترب ببطيء من السور ووقف ينظر الأضواء البعيدة المتسلسلة من خلف النوافذ المغلقة ، والكباري المتعددة تتحرك عليها السيارات بأضوائها الصغيرة البعيدة ....
وقف على حافة السور يود لو له جناحين يفردهما تحت قطرات المطر الصغيرة ، تتلألأ أضواء اللوحات الأعلانيه في عينيه ، يضم سلسلتها قليلاً ثم يترك نفسه يسقط .....
يسقط بجانب النوافذ المغلقة كما صعد بجوار أبوابها ......
ملقياً على وجه يسيل منه الدم فيترك بقعة حول رأسه ، وتتدلى من رقبته تلك السلسلة التي تحمل صورتها وهي صغيرة ....
تتطاير حوله قصاصات الورق الصغيرة التي كانوا يلهون بها في حفل بداية العام الجديد ...
يمر حوله بعض الناس مابين اندهاش وحزن ولا مبالاه فيمنعهم الشرطي من الاقتراب منه ، يتحدث في جهاز اللاسلكي شاب سقط من أعلى البناية رقم 45 شارع كذا ، تبليغ أقرب دورية وسيارة اسعاف ، انتهى ,,,,,

الجمعة، 27 أبريل، 2012

قهوة المساء



ازاحت الستائر وفتحت شرفتها ، كانت الشمس تقترب من المغيب والشفق الأحمر  يحاوط الشمس يداعبها ويغازلها  ، نظرت الى أصص الورد ونبتة الصبار الصغيرة واللبلاب المتسلق ، ثم أمسكت كوب الماء النحاسي وسقتها جميعا ، كانت الشمس تنعكس على الكوب النحاسي فيلمع في عينيها ويتحول للبرونز ،،،
تجلس السيدة الأرملة العجوز في شرفتها القديمة تلف شالها الأسود حول صدرها تضع على الطاولة الصغيرة موقد صغير وعليه كنكة القهوة الصغيرة وصينية نحاسية عليها فنجان وحيد ، بجوارها قطتها الرومي باسطة ذراعيها بالوصيد في كسل ونوم عميق ....
أقتربت منها تلك الطائرة الورقية ، تتدلى منها خيوط على جميع الألوان ، الفتى الصغير الذي يطيرها في الشارع يسعى جاهدا كي يجعلها تحلق عالياً  اعلى من جميع البيوت ، تسقط منه ثم يعاود من جديد ، ترك بقية الصبية يلعبون الكرة وهو يطّير طيارته الورقية الملونة ....
وقفت تنظر من شرفتها تلبس فستانها الأسود تنتظر عودة زوجها في نفس الميعاد من كل يوم ، يخترق الصبية وهم يلعبون الكرة وربما تصتدم به الكرة فيركلها لهم ويضحك معهم ، ينظر بعين المراقب للطائرة الورقية التي تحلق عاليا ثم يبتسم تلك الابتسامة اليومية لزوجته التي تنتظر في الشرفة ....
يخطو بقدميه عتبة باب البيت فتكون هي أغلقت باب شرفتها واسدلت الستائر مرة أخرى ، فتذهب تنتظره على الباب ...
بعد الغداء يجلسان أمام التلفزيون يحتسيان سويا قهوة المساء ، تحنى رأسها على كتفه فيداعبها ويمرر أصبعه بين خصلات شعرها السوداء ...
تضع أسطوانة أهواك لعبد الحليم في الجرامافون الذي اشتراه لها من أحدى محلات التحف في وسط البلد ، تظبط ذراع الجرامافون على الأسطوانة ثم تنساب منها الموسيقى ...
تقف أمام المرآه ، تنظر الى فستانها الأسود ، تسأل نفسها في المرآه لما انا بهذا الفستان ؟؟
تذهب الى غرفتها وتفتح دولابها ثم تنظر في حيرة أي الملابس تختار ؟ تُخرج القميص الأبيض لا يعجبها ، اذا القميص السماوي ؟ لا لا أنه لا يحب هذا اللون ، ثم تثبت يدها على القميص الوردي ! انه يحب هذا القميص لقد أشتراه لي في عيد ميلادي الشهر الماضي .. هكذا كانت تُحدث نفسها ....
ارتدت القميص الوردي ووقفت أمام مرآة دولابها منتشية بجمالها ، تصفف شعرها وتضع العطر المفضل لدى زوجها ، ثم انزلت قليلاً القميص من عند كتفيها حتى تُظهر جمال صدرها ....
مازالت الأسطوانة تنساب منها أنغام عبد الحليم , خرجت الى زوجها وجدته ممدداً على الأريكة يقرأ في الجريدة ....
تجلس بجواره على الأريكة تمسك يده وتأخذ منه الجريدة وتلقها ، تسأله وهي تضم يده في يدها بقوة : الى أين سنخرج اليوم ، لقد وعدتني منذ أيام بأنك سوف تعزمني على العشاء في المطعم الذي نتعشى فيه دوماً ؟؟
لا يأتيها منه رد سوى أرتفاع صوت الجرامافون بأنغام أهواك لعبد الحليم ....
تضع يدها على صدره وتهمس له : لماذا لا ترد علي ، أتريد ان تستريح قليلاً ؟؟
يبتسم لها ويضم يدها بين يديه ....
يضع يدها جانباً من على صدره ثم يقف ويذهب في هدوء الى غرفة النوم ....
يرتمي على السرير الكبير المواجه للتسريحة ، فتجلس أمامها تساوي من شعرها ، وتضع أحمر الشفاه ، تنظر له في المرآة فتجده ينظر لها مبتسماً ....
تنظر خلفها كي تذهب اليه وترتمي في أحضانه ، فلا تجده !!!
السرير كما هو مُرتب ، تفزع من جديد ، تخرج لاهثة من غرفتها تصرخ وتنادي عليه ، تحادثه باكية : لا تتركني مرة أخرى أين انت ؟ لا تذهب عني ... لما تتركني كل مرة هكذا ؟؟
الجرامافون لم يتوقف مازالت اهواك تنساب منه ...
فنجان قهوته المسائية  كما هو لم ينقص منه رشفة ، الجريدة بتاريخها القديم الذي يعود الى شهر مضى ملقاة على الأريكة ، تنظر في الجريدة فتنساب دموعها عليها ، نعى وفاة زوجها كما هو من شهر مضى ....
تُطلق صرخة قوية ثم تغيب عن الوعي ....
تُفتح عينيها ببطء ، رأسها مثقل ، فتجد الطبيب وأختها بجوارها ، يخبراها لو تكرر ذلك الأمر سوف تذهبين للمستشفى او لا تجلسين وحيدة .....
بفستانها الأسود ازاحت الستائر عن باب شرفتها ، كانت الشمس قد قاربت على المغيب ، يومٌ أخر من ايام اكتوبر الحزينة ، سقت نبتة الصبار الصغيرة بالكوب النحاسي وأصص الورد واللبلاب المتسلق ، كانت بعض سحب اكتوبر تداري الشمس قليلاً فلم تنعكس على الكوب النحاسي ...
السيدة الأرملة العجوز في الشرفة المقابلة تداعب قطتها الرومي وتأكلها بعض الجبن تنتظر أن تفور قهوتها المسائية على الموقد الصغير ، نظرت اليها  ثم أبتسمت لها أبتسامة حانية ورقيقة....
الطائرة الورقية تحلق عالياً الى أن انفلتت من يد الصبي الصغير فأخذتها رياح أكتوبر بعيداً بعيداً خلف العمارات العالية ,,,,,,,,,
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة لبابلو بيكاسو

الأحد، 22 أبريل، 2012

ايزيس


نزع يدها عن صدره ببطء وهدوء ، فتحركت لكنها في نوم عميق ، كان شعرها يغطي عينيها ووجهها ، ارتدى ملابسه ثم وقف أمام النافذة ناظراً للبحر ، مسك زجاجة المياه الملقاه بجوار السرير وشرب منها القليل ، ثم غادر البيت .....
تّمشي على شاطيء البحر ، قميصه الأبيض كان يتطاير بسبب الرياح الخريفية الباردة ، والطيور المهاجرة تحلق فوق البحر وحول الصخور تراقب الأسماك الصغيرة واصواتها تمتزج مع صوت الامواج المتلاطمة فيسيطران على الدنيا ....
ظل يتمشى بمحاذاة الشاطيء ترتطم الأمواج بقدميه ، لا يدري أين يذهب ؟ يبحث عن ذلك الشيء القديم الذي يؤرق قلبه منذ خمسة عشر عاماً ، منذ أن كان فتى يدرس في الثانوية ....
توقف أمام ذلك البيت القديم المطل على الكورنيش ، تلك الشرفة المغلقة التي بهت لونها بفعل الزمن ورياح البحر المالحة التي لا تتوقف أبداً ....
ميس ايزيس تلك السيدة القادمة من الأساطير الفرعونية والأغريقية وكل الحضارات القديمة ، مُعلمة التاريخ القديم بالمدرسة الثانوية ....
كأنه يراها تقف في شرفتها صباح كل يوم تحتسي القهوة قبل ميعاد المدرسة بقميصها الفضفاض وشعرها الكستنائي الأحمر الذي يحتل بعنفوانه نصف الكون ، والنصف الأخر يسيطر عليه عطرها الدائم ....
نهديها الذي يكاد ينفجر فرحاً أو غضباً كبركان في كل من يقع عينيه عليه ، عينان تنافسان كبرياء الشروق وخجل الغروب ....
كل صباح كان يقف خلف المركب المتهالك على الشاطيء ينتظر ظهورها المتألق في شرفتها يراقبها في صمت وهي تتناول القهوة وتقرأ الجريدة ، ثم ينتظر خروجها ويتابع خطوتها متمشياً ورائها الى المدرسة .....
توفى زوجها الطبيب بأزمة قلبية اثناء عمله في المستشفى الأميري ، بعد ترملها عادت لتلك الشقة القديمة لتعيش مع أمها والخادمة ، أمها أيضا ترملت صغيرة لكنها وهبت حياتها لتربية طفلتها ......
عندما تطأ قدميها أرض المدرسة تتابعها تلك العيون الشهوانية من صبية ومدرسين ، أما المُدرسات فكن يغرن منها ويضمرن لها الحسد والكراهية الا صديقة لها او اثنتين ، كثيراً ما يتشاجرن معها ويوقعنها في المشاكل ....
يمسك قلمه الرصاص ويرسمها فهو ينفصل عن الكون عندما يكون أمامها في الفصل الدراسي ، تعلم الرسم وفن البورتريه من أجلها ، يعود الى البيت ويرسمها مرة أخرى ، رسم لها صورة زيتية عارية بالألوان يتجلى فيها جمال ذلك الجسد المسحور ، فبعد أن رسمها واستخدم كل الحيل كي يخفيها عن أهله ، غطاها بالقماش ووضعها خلف الدولاب ومازال يحتفظ بها في المرسم الخاص .....
في ذلك اليوم الشتوي الممطر مر من أمام بيتها وجد سيارة أجرة تحمل حقائب وأمتعة فجلس خلف المركب المتهالك يراقب ، فإذا هي تركب السيارة وأمها والخادمة يودعانها بالبكاء ، علم بعد ذلك أنها سافرت بعثة سنتين الى نابولي في ايطاليا لعمل الماجستير في التاريخ ...
ظل أسبوع محموماً لا يتكلم محدقاً بعينيه في سقف غرفته حتى ظنت أمه انه لا نجاة له .....
تخرج من مدرسته الثانوية والتحق بكلية الفنون الجميلة ، طوال سنوات دراسته لم يكن ليرسم امراة غيرها  او ينحت تماثيلاً  ألا وفيها جزء منها ، كان كالناسك المتصوف في محراب أسطورته ايزيس ....
يجلس أمام البحر على نفس المركب المتهالك يمسك فرشاته وأمامه لوحته وحامل الرسم ، يجد الشرفة القديمة مفتوحة مُسدل عليها الستائر البيضاء ، يخفق قلبه بشدة قد تكون عادت او ينظفون غرفتها استعداداً لعودتها لا يدري لكنه سينتظر !!!
لم تخرج قط الى شرفتها كما اعتادت في الصباح ، كل يوم يقف ينتظرها منذ شروق الشمس  ، ذهب الى بواب العمارة فوجد طفلته الصغيرة فاشترى لها بعض الحلوى وسألها عن ميس ايزيس أعادت من السفر أم لا ؟؟
فأخبرته الطفلة أنها عادت منذ أيام لكنها مريضة جدا والطبيب يزورها بأستمرار !!
حاول يسأل الطفلة عن مرضها فلم تجبه ....
كل يوم يقف ينتظرها في الصباح مازالت شرفتها خاوية على عروشها ، الستائر المسدولة تحركها الريح بقوة وهو مازال ينتظر ....
توقفت فجأة سيارة أسعاف أمام البيت ، فأنتفض واهتز قلبه بشده ، ثم نعق ذلك الغراب على شجرة الثرو البعيدة ...
لم يراها بوضوح ادخلتها أمها سيارة الأسعاف وجلس بجوارها الطبيب وانطلقت مسرعة ...
أوقف تاكسي وانطلق خلف سيارة الأسعاف الى المستشفى ....
عندما وصل اتجه مسرعاً الى مكتب الأستقبال ليستعلم عنها فأخبروه أنها في قسم الطواريء في الدور الثاني ....
وصل الى غرفتها فوجد أمها فأخبرها انه زميل لها كان يدرس معها في نابولي ، أخبرته أنها تعاني من سرطان الدم ، وراثه من أبيها !!
سأل الطبيب عن حالتها أخبره أن حالتها متأخرة وتحتاج الى نقل دم في الحال !!
طلب من الطبيب أن يطابق فصيلة دمه بدمها فوجدوا أن فصيلة دمها نادرة ...
قال في نفسه وهو يبكي هكذا هي نادرة ومتفردة في كل شيء .....
طلب من الطبيب أن يراها فقال له لا يمكن الان الا من بعيد فقط ، فوقف يتأملها خلف زجاج الغرفة وهي محاطه بالمحاليل واجهزة الانعاش ، شعرها الكستنائي مازال محتفظ بعنفوانه رغم المرض ، ينزل على عينيها المغمضتين ، بشرتها البيضاء الساحرة أصابها الشحوب ،،،
قال : يا الهي أيمكن لمرض لعين أن يجتاح ذلك الملاك ، مالم يقدر عليه بشر يفعله ذلك المرض ، أيمكن أن يحرم الكون منها ، ايكون هذا عدل ، أنها مازالت صغيرة لم تتعدى الثانية والثلاثون عاماً ، ثم جلس على الأرض فأخذته سِنةٌ من النوم .....
أخذها بين ذراعيه ووضعها رأسها على صدره أحس بعطرها يأخذه لأعماق الجنان ، يلمس شعرها ويمر بأصبعه بين خصلات الشعر الكستنائي الساحر فيقترب من شفتيها منبع العشق السرمدي اللامتناهي فيقبلها ويهمس اليها لا تخافي !!!
فجأة يصحو من نومه وهو يردد لا تخافي ، صوت نحيب الأم وبكائها تصرخ بقوة وهي تقول للخادمة ماتت ايزيس ....
احتضن الأم وخرج من المستشفى مسرعاً كالمجنون ، انتابته تلك الفكرة التي كانت تنتاب فنانين عصر النهضة عندما يصابهم الجنون حينما يموت عزيزٌ عليهم ، كان يريد أن يصنع لها قناع الموت كي يخلدها ويصنع لها تمثال على أخر هيئة لها قبل أن تموت !!!
ظل رهين مرسمه الخاص لأيام امتدت لأسابيع لا يخرج ولا يتكلم مع أحد ، يرسم بورتريهات وينحت تماثيل لأسطورته التي عشقها ولم تراه أو يكلمها يوماً ,,,,
أحس بقشعريرة تنتاب صدره لقد تسللت اليه رياح البحر الخريفية الباردة ، والطيور المهاجرة تحلق فوق الصخور والأمواج تنتظر أن تنقض على الأسماك الصغيرة , نظر مرة أخرى للشرفة القديمة  المغلقة التي بهت لونها بفعل الزمن ورياح البحر المالحة التي لا تتوقف أبداً ....
عاد الى غرفته الصغيرة ، كانت عشيقته مازالت نائمة في سريرها يغطي نصف جسدها ذلك الغطاء الوردي ، جلس بجوارها ، فأستيقظت ....
لفت ذراعيها حول خصره ثم قبلته على صدره وقالت : أتحبني ؟؟
ظل صامتاً ......
نفس السؤال يتردد عليه مع كل فتاة تحبه وتعشقه فيظل صامتاً ، ينتظر أن يجيب على هذا السؤال من أمراة أحبها ولم ولن تسأله هذا السؤال ابداً,,,,,,,,,
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة لسلفادور دالي 

الأحد، 15 أبريل، 2012

حكايات البيوت القديمة



تجلس بجوار حافة الشباك المطل على الشارع مباشرة ، بيت قديم ككل بيوت الشارع المصتفة على الجانبين متهالكة ومتمايلة ملتصقة ببعضها ، كل بيت يهمس للأخر بحكاياته وأسراره ...
صدّع الزمن جدرانها والقطارات التي تمر على شريط السكة الحديد الموازي للشارع ،،،
نظرت للبيت المنكس المتهاوي ، تساقط جانبه الأيسر ومازلت شرفه خشبية قائمة في الدور الثالث كانت دائمة النظر اليها منذ طفولتها ....
رأته يمر أمامها ، لا تدري كم من الزمن أختفى منذ أخر مرة التقته ، بعض الشعيرات البيضاء بدأت تغزوا شعره ، نظرات حاده طردت تلك النظرة الطفولية البريئة ، مشيه سريعة كأنه يبحث عن شيء ....
أكثر من سبعة عشر عاماً مضت ، كانت تجلس على حافة نفس الشباك تذاكر دروسها في مدرسة التجارة ، صدى صوت جدتها العمياء يتردد في اذنيها ، الدولاب القديم عليه حقائب قديمة لتخزين الملابس وملصقات قرانية تدعوا للصبر والاحتساب على الحائط ، وفي منتصفها صورة زفاف قديمة لأم وأب فُقدوا في حادث أليم ...
البيت المقابل قائماً لم يتسع الشرخ الذي ضربه ، فكان دائماً يجلس في شرفته بجوار ست الُحسن التي زرعها منذ سنتين فتدلت وانتشرت فغطت الشرفة كلها .....
هنا كانت تنقى الأرز في الصينية البيضاء الصغيرة وتتابعه وهو يلعب الكرة مع ابناء الشارع ، كل دقيقه يلتفت اليها ويبتسم ، ثم يذهب اليها لتعطيه كوب من الماء ،،،،
في ظهيرة أحد أيام شهر مارس مر عليها في مدرسة التجارة بنات وأمسكها من يديها ، ظلت تسأله الى أين سنذهب ، فلا يجيبها ، وصلا عند الكوبري القريب من مزلقان السكة الحديد ، كوخ صغير أسفل الكوبري هو بيت أبله نوال مدّرسة اللغة الانجليزية التى جُنت في عقلها بعد أن دهس القطار أبنها وطلقها زوجها وتخلى عنها أقاربها بعد أن أُصيبت في عقلها ،،
في ليلة ممطرة شديدة من ليالي الشتاء والبرق والرعد يتنازعان سطوتهما على السماء ، كانت أبله نوال تجري على الكوبري تصرخ وتبكي باحثة عن أبنها ، فلما سمعتها بكت بشدة وهي تجلس في الشباك ، فحكيت له عن بكائها ليلة المطر والسيل ، فوعدها أنه سيأخذها لأبلة نوال .....
أخرجت من حقيبتها بعض البسكويت وسندوتش واعطته لأبله نوال ، فأبتسمت السيدة وأكلت السندوتش في هدوء وسكينة ، ثم وضعت السندوتش بجوار زير الماء الصغير ، وقامت واخرجت حقيبة صغيرة من أسفل السرير ، فتحتها وقلبت فيها بعض الأوراق واخرجت بعض الصور وشهادات مدرسية ، قالت وهي تمسك الصور والشهادات : حسين أبني ، شايفين حلو أزاي ، الصورة دي وهو عنده اربع سنين ، بصي دي بقى لما دخل المدرسة ، شاطر وبيجيب الدرجات النهائية كل المدرسين بيحبوه بعد شوية هنروح نجيبه من المدرسة وهخليه يلعب معاكي ، هو بيحب يلعب مع البنات ويعاكسهم ، ثم التفتت الى البسكويت وقالت : هقوله انك انتي اشتريتيله البسكويت ده .....
ظلت تمر على أبلة نوال في الكوخ الصفيح أسفل الكوبري الى أن في مرة ذهبت اليها فوجدت سيارة أسعاف وشرطة وبعض ٍ من الناس يحاوطون الكوخ ، حاولت تخترقهم فوجدت أبله نوال تمسك طفلاً في يديها وتصرخ وتبكي وتخبرهم أن هذا حسين أبنها ، تتشبث به والطفل يرتجف من الخوف وهي تحاول تهدئته وتحضنه ، والواقفون يتفرجون يضحكون او يستهزئون ، نظرات سخرية وشفقة ودهشة ، اول لما رأتها صرخت وقالت : اهيي دي صحبته بيلعب معاها وبتزوره في مدرسته ، قوليلهم ان ده حسين ماتخلهمش يخدوووه مني ....
تقدم احد أمناء الشرطة بأمر من ضابط صغير في السن ، وشد منها الطفل بقوة ثم تقدم أثنين من العساكر وجروها على سيارة الشرطة والسيدة تصرخ وتبكي وتتساقط على الأرض ،،،
منذ ذلك اليوم لم ترى أبله نوال ولم تسمع عنها أي شيء ....
يوم الخميس بعد المدرسة يمر عليها بدراجته ، تركب خلفه ويذهب بها الى الحديقة القريبة من النيل ، قبل بداية الأمتحانات في اخر العام كان يوم الخميس الاول من شهر مايو بعد شم النسيم ، بجوار الشجرة التي يجلسان بجوارها ، أحساس ذلك اليوم لم يفارقها الى الان ، أغمضت عينيها ، ثم مسك يديها وضمهما بقوة ، واقترب من شفتيها التي شققتها حرارة الشمس ورياح الخماسين ، فأمتزجت أنفاسه اللاهثه المضطربة مع أنفاسها الحارة ، فقبلها في خجل ثم انتفض واقفاً ، وهي لم تفتح عينيها ، تمشيا سوياً ولم ينطقا بكلمة ، ظل وجهها مورداً كأنها اصابتها ضربة الشمس والحمى وهو لم ينم ليومين ......
تمر القطارات على شريط السكة الحديد الموازي للشارع ، فيزيد الشرخ في البيت القديم رويداً رويداً ،،،
تخرجت من مدرسة التجارة ، وهو مازال يدرس في كلية الحقوق ، كل خميس يتقابلا عند المزلقان ويذهبا الى الحديقة المطلة على النيل ،،،،
تمر القطارات دائما دون كلل او ملل ويزيد الشرخ في البيت القديم ، وفي أحدى ليالي يناير يتساقط الجزء الأيسر من البيت ، فيتم أخلاء السكان ....
بعد نهاية العام الدراسي سيعود مع اهله الى بلدتهم الصغيرة في الشرقية ، أبيه يمتلك بيت صغير هناك سيعيشون فيه ، أخبرها أنه سيجيء دائماً ليسأل عنها ويراها ويتزوجها ,,,,,

لم يلتفت اليها وهو يمشي سريعاً ، نظرة الى شرفة منزله القديم للحظات واستكمل سيره ووقف يسأل البقال عن شيء ما ....
أغلقت الشباك في هدوء بعد أن سمعت طفلتها الصغيرة تبكي وتناديها  ,,,,,,,
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة لمونيه 

الثلاثاء، 20 مارس، 2012

الغرباء



أغلقت باب غرفتها حتى تخفف من الضوضاء التي يصدرها الغرباء في الخارج ، صوت التلفاز ومناقشات بصوتٍ عال واحدهم يتشاجر مع الصبي لأنه تأخر في عمل الشاي أو لم يأتي بالسجائر ...
أحست بالتوتر ، لم تجد زجاجة المطهر بجوارها ، بدأ يتسلل القلق الى داخلها ، أخذت تبحث عنها في كل ركن في الغرفة حتى وجدتها بجوار السرير ، تنفست بعمق ثم دهنت يدها بالمطهر جيداً ...
أخرجت رزمة الأوراق والقلم الرصاص  من درج مكتبها الصغير وبدأت تدون يوميتها كالمعتاد ، اليوم هو الأربعاء الثامن عشر من أكتوبر ، يوم خريفي بارد ، أول أسراب الطيور المهاجرة عادت هذا الصباح الى بلدتنا الساحلية الصغيرة سمعت اصواتها قادمة من الشاطيء والميناء الصغير ، جاء غريب أخر ليسكن عندنا بضعة ليالي ، لم أرتاح له ، نظراته حادة ، له شارب كبير يبدو انه يعتز بهِ ويعتني به جيداً ، دائماً ما أكره اصحاب الشوارب الكثيفة ، قوي البنية له كرش مستدير ، نظرت في دفتر الزوار الذي تسجل فيه أمي بيانات النزلاء فوجدت انه ضابط جيش متقاعد ...
الى متى سنظل نؤجر غُرف بيتنا للغرباء ، منذ سنوات بعد وفاة والدي وأمي تستغل الغرف الكثيرة في الشقتين الكبيرتين كبنسيون لمبيت الغرباء ، قالت انها ستدر علينا رزق وفير كي تربينا انا واخي وتعالجني في بلد متقدمة بعد أن فقدت النطق والكلام بعد وفاة أبي في حادث السيارة ، جائتني حمى قوية وبعدها فقدت القدرة على الكلام ....
اليوم شاهدت السيدة المهذبة حزينة ربما لم توفق في أنهاء اجرائات نقلها لبلدتها الأصلية ، جائت منذ يومين بعد أن تم نقلها الى المدرسة الثانوية في بلدتنا ، سمعتها تقول لأمي انها لابد أن تنفذ النقل حتى تستطيع أن تأتي بتوقيع وكيل الوزارة لأعادتها لبلدتها مرة أخرى أو تأخذ اجازة بدون مرتب ، يبدو أنها لم تستطع أخذ الاجازة ، أحببت هذة السيدة وطفلتها الجميلة ...
أما الرجل غريب الأطوار الذي ينزل في الغرفة رقم ثلاثة لم يظهر اليوم ، لا يتحدث كثيراً مع أحد ويحب الأنطواء يخرج طوال اليوم ويعود في المساء ، سألته أمى عن سبب الأقامة ، قال انه من العاصمة وفي زيارة لحل بعض المشاكل بين اقاربه المقيمين في بلدتنا ،،،
وضعت القلم الرصاص بجوار الورق وأخذت زجاجة المطهر ووقفت تنظر من الشباك المُطل على البحر ، ظلت تبحث عن الطيور التي سمعت صوتها في الصباح لكن يبدو أنها أختفت ، كان نباح الكلب الذي يحرس البيت لا يتوقف ، أحست بأحساس غريب الكلب لم يتوقف منذ أن جاء  هذا الرجل الغريب في الصباح ، قالت لنفسها : قد يكون اخوها الصغير نسي ان يقدم له الطعام ؟؟
النظام في البنسيون حسب تعليمات الأم ان يتم تقديم الأفطار والعشاء فقط للنزلاء حتى لا يسبب الغداء عبئاً عليها ، فكان هناك نزلاء يكتفون فقط بوجبتي الافطار والعشاء وفيه من يخرج للغداء في الخارج في المطعم المجاور للبنسيون ...
الساعة قاربت على الخامسة عصراً ، خرجت تساعد أمها وترى الكلب لماذا ينبح منذ الصباح ، وجدت الكلب بجواره بعض الطعام ، يتحرك بتوتر جيئة وذهاباً ، ما أن رأها حتى سكت عن النباح واخذ يتمسح في قدميها ثم هدأ قليلاً ....
عادت الى الصالة الكبيرة ، كان بها طاولة للطعام كبيرة حولها عشرة كراسي ، تلفاز قديم ، ساعة قديمة الطراز من الخشب الأبنوس القائم قد اشتراها الأب من احد المزادات الايطالية ، صالون بلجيكي قد صنعت له الأم قماشاً أبيض يحميه من الأتربة واستعمال النزلاء ،،،
جلست السيدة المهذبة وطفلتها بجوار التلفاز ، كانت الطفلة تلعب بدميتها الصغيرة والأم تشاهد المسلسل ،،،
فجأة خرج الرجل الذي جاء في الصباح وبصوت جهوري غليظ أخذ يزعق : هذا المكان كله فوضى الغرفة لا تطل على البحر كما طلبت ، والغداء أتأخر ، والصبي الذي ارسلته كي يأتيني بالسجائر تأخر أكثر من ربع ساعة ، انا دفعت مبلغ مقدم ولابد أن القى خدمة مقابل هذا المبلغ .....
فزعت الطفلة الصغيرة واختبأت في حضن أمها ، خرجت الأم صاحبة البنسيون من المطبخ ونظرت للرجل بأشمئزاز وقالت : لماذا تزعق هكذا ؟؟ نحن لا نقدم وجبة غذاء في البنسيون ولقد قلت لك هذا في الصباح ، أما الغرفة المطلة على البحر فلا يوجد في البنسيون سوى غرفتين تطلان على البحر والاثنتين غير متوفرتان الان  ....
صاح مرة اخرى : وهذا الكلب لا ينفك عن النباح لا استطيع النوم بسببه ولابد أن أرتاح لاني عندي مشاغل في المساء ، لو كنت أمتلك هذا الكلب لكنت قتلته .....
خرج الرجل الهاديء المنطوي من غرفته ونظر الى الرجل الذي يزعق ثم جلس على الطاولة لا يبالي به ....
لم يعد أحد يهتم الان ...
جاء الصبي بالسجائر فأعطاها للضابط المتقاعد وطلب منه اكرامية فرفض الضابط وكان سيضربه ...
رفع صوت التلفاز فأصبح يحدث حشرجة قوية لما ارتفع صوته للدرجة القصوى ، نظر الى السيدة المهذبة وحرك شاربه بشكل شهواني وابتسم لها  ثم جلس على الطاولة بجوار الرجل الهاديء ....
أحست بالضيق من الرجل واخرجت زجاجة المطهر من جيبها واخذت تدعك يدها بهِ ثم دخلت الى غرفتها .....
أخذ يدخن ثم عزم على الرجل الهاديء بسيجاراً فرفض الرجل ، قال : انت من أي بلد احب أن اتعرف بك ...
رد الرجل وهو يمسك في يده جريدة الصباح : أنا من العاصمة ...
قال وهو ينفخ الدخان في وجهه: هااا من العاصمة , أنا ايضاً من العاصمة , جئت الى هنا لمدة يومين او ثلاثة حتى أنتهى من اجرائات بيع أرض أمتلكها هنا ، كنت اشتريتها منذ زمان وانا في الخدمة ، للعلم أنا عميد سابق في الجيش ، اشتريت هذا الأرض بالتقسيط المريح ، وحان الوقت الأن كي استفيد بها ، جائني مبلغ كبير فيها  لأبيعها فقلت أنها فرصة كي اتخلص منها سريعاً ,,,,
الكلب يزيد من نباحه فيصيبه هذا بالضجر ...
ينظر بعصبية حوله ثم يقول : أتدري كان هناك كلب في وحدتي العسكرية وكان ملعون مثل هذا الكلب ، قد أصابه مرض فظل ينبح مرة طوال الليل ، فخرجت من مكتبي وقتلته ، وامرت الجنود فألقوه في الصحراء ، لماذا صاحبة هذا البنسيون الغبية لا تتخلص منه ؟؟
فقال الرجل في هدوء وهو لا ينظر له : هذا الكلب يملكه أبنها الصغير وهو يحرس البيت أيضاً ....
فضحك وقال : ليس عذراً لعدم قتله !!
اعلنت الساعة القديمة القائمة في الصالة عن الساعة التاسعة ، كانت الأم والصبي يضعان العشاء على الطاولة الكبيرة ، فجلست السيدة المهذبة وطفلتها اخر الطاولة ، والرجل الهاديء في المنتصف وبجوار الضابط المتقاعد ،،،
نظر الى الأكل ثم قال بأستهزاء : ما هذا ؟؟ أنحن في مستشفى ؟ مربى وزبادي وبيضتين وقطعة من الزبد !! أين اللحم والمكرونة والفطائر ؟؟ ثم ضحك وهو ينظر للسيدة المهذبة ، متظاهراً أنه يلاعب الفتاة الصغيرة ودميتها ,,,,
بدأت الأم تخفف اضائة البنسيون ودخلت الى غرفتها ونامت مع ابنها الصغير ....
كان الكلب قد هدأ قليلاً لكنه ينبح كل حين ...
الضابط المتقاعد قد خرج بعد العشاء ولم يأتي الى الان ، والسيدة المهذبة دخلت غرفتها هي وطفلتها الصغيرة ثم اخذتها في حضنها ونامت ، أما الرجل الهاديء فكان يقرأ في غرفته ثم غلبه النعاس ,,,,
وصل الضابط المتقاعد على الساعة الواحدة صباحاً ففتح له الصبي وهو يتثائب ويدعك عينيه من النوم ، فقال له الرجل ضاحكاً : هاهاهاهاها أنتم من القوم الذين ينامون مبكرا هااااا ....
وقف قليلاً في الصالة بعد أن دخل الصبي غرفة المطبخ كي يستكمل نومه ...
أخذ يتلفت حوله ، ثم جلس يدخن سيجاراً ,,,
ثم خرجت الفتاة لقد نفدت منها زجاجة المطهر وذهبت تبحث عن أخرى في دولاب الأدوية بالقرب من المطبخ ، فوجدت الضابط المتقاعد يدخن السجائر ....
نظر لها ثم دخل الى المطبخ خلفها ، كانت الفتاة قد وجدت المطهر ووضعت في جيبها ، التفتت للوراء فوجدته أمامها ففزعت وخافت بشدة لا تستطيع أن تصرخ أو تستغيث ....
أمسكها من خصرها ويديها واقترب منها كي يقبلها ، فقاومته بشدة فوجدت السكين بجوارها ,,,,
كان الكلب اكثر توتراً ونباحاً عن ذي قبل ،،،،
الغريب منهمكاً في تقبيلها برائحته النتنه فهمت بطعنه بالسكين فقفز الكلب من شرفة المطبخ المطلة على ساحة المنزل الخلفية ، ونهش الغريب من قدمه وظهره ، فسقط على الأرض يصرخ ويتألم ،،،،
والكلب قابض على الغريب ، والغريب  يقاومه بشده ،،،
الفتاة تبكي ،،،
أستيقظت الأم والجميع والغريب يسيل منه الدم وذهب في غيبوبة طويلة ,,,,
ضمت الأم الفتاة في حضنها ومسحت على شعرها والفتاة تصب من زجاجة المطهر وتطهر يدها ووجهها ,,,,
في الصباح تقف في شباك غرفتها المطل على البحر تنتظر  اسراب الطيور المهاجرة على الشاطيء والميناء الصغير ,,,,,,,
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة لمونيه