الأربعاء، 29 ديسمبر 2010

خواطر من العام الماضي

مابين قصة لم يعلم من أين يبدئها وكيف سيعيشها الى نهاية لا يصل اليها أو ربما لن يراها ولن يدونها في قصته الممتده منذ أدم الى نهاية الأنسان ،،،،،
متاهاته في شوارع مدينته المجهوله التي لم يستطع تمييز أهله فيها وأصدقائه ، لا تعرفه فيها الا ملاعب صباه ومسارح ذكرياته ،،،،
حديثه اللانهائي مع البحر ،،،
وملاذه الأخير !!
دائماً مايكون البحر هو الملاذ الأخير له من تفاهة الأخرين ،،،
يظل وحيداً وسط صخب وزحام الناس من حوله ، تختفي اصواتهم وضحكاتهم ،،،،
ويبقى صدى صوته هو المجيب على اسألته ، والغازه ، حتي انطباعاته واندهشاته من هذا العالم الغريب ،،،،
صدي يحمل نفس الأساله والانطباعات ،،،،
يلجأ الى البحر بعيداً عن تغريبته التى صنعها حوله الاخرين او ربما صنعها هو بنفسه ،،،،
ينحصر الموج ويندفع اليه مع كل سؤال وجواب ، فتطلاطم داخله المشاعر والأحاسيس ، حتى ضحكاته وايضاً بكائه ،،،
المدينه تقبع خلفه بأحزانها وأفراحها ، ضحكات الاطفال ، همسات المحبين ،،،
لا يدري أهي مدينته أم هو غريب ، أو ربما فقد ذكريات الأيام والسنين ،،،،
أحياناً يدرك داخله رائحة المدينه بشوارعها وبيوتها العتيقه واشجار الثرو والنخيل ، اصدقائه وذكرياته وطفولته ، وأحيانا يتمنى قارباً يبحر به بعيداً خلف تلك الشواطيء البعيده ويولد من جديد ،،،،،
ينظر للمدينه التي تقبع خلفه ،،،،تلك المدينة أمازلت مدينته أم لا ؟
أهلها  مازالوا  اهله أم لا ؟
كل شيء اصبح غريباً النظرات والطرقات والبيوت !!

لم يعد يطيق الزحام واضواء السيارات حتى اضواء عواميد الأنارة في ضباب ليالي الشتاء ،،،،
ينظر للمدينه التي تقبع خلفه ،،،
الأضواء الخافته خلف النوافذ ، ورائحة القهوة والشاي التي تفوح من البيوت ،،
كم لو تمنى ان يصفح هو عن مدينته او تغفر هي له ان كان ارتكب من أثام ،،،
ينظر الى البحر تارة وللمدينه التي تقبع خلفه تارة اخرى ،،،
فيبقي البحر هو الملاذ والصديق والحبيب ،،،
وتبقى المدينه هي صراع الحب والذكريات وحزنه العميق ,,,,,,

،،،،،،،،،،،،،،،،،

مناجاته في المرحلة الزرقاء ،،،

وسط الزحام واصوات البشر ممزوجة بأصوات السيارات واحياناً صوت الرياح والمطر ،،،،،
تتعدد النظرات والتساؤلات بين الناس كلٌ عما يدور داخله ومايعانيه من احزان او ما يختلجه من افراح ونشوات للسعادة ،،،
يظل يسير وحيداً باحثاً عن ذاته قد يكون ذاته في امل بعيد او ربما قريب ،،،،
عن يد صديق يشاركه لبعض الوقت جزء من الانين،،،،،،
عن حب مفقود ضائع كلما اقترب منه يبعد عنه من جديد كأنها الكوميديا الدنيويه تمازحه المزاح السخيف ،،،،،
تكون الضحكات ظاهريه ارضائاً لغيره او تظاهراً منه امام نفسه انه يضحك ،،،،
اما البكاء فيكون في عزلته فيقتنع تماما انها حقيقته ،،،،،
يلتقي بها يجد فيها ذلك الضوء البعيد الذي اقترب ، يضيء تدريجيا كوميض الفنار من بعيد مرشداً اياهُ في ظلمات البر والبحر فيهتدي  اليها مبحرا بمركبه الصغير مصارعاً امواج حياته مستبشرا انه وجد  شاطئه ،،،،
فأذا بها تطفيء انوارها في وجهه ليتوه من جديد ،،،،،
تحاوطه دائما غربة قلبه بين جدران الوطن الصغير والكبير فيصبح  وحيدا بين الاهل والاصدقاء ، أما الحب فهو زائف فليس له في حياته اي دليل ، سمع عنه في الروايات والادب القديم والجديد ، لكن ماهي الا تسلية للقلوب المجروحة بأن هناك حب وحبيب !!
وسط الزحام واصوات البشر واضواء السيارات يمشي فيرفع وجهه فيختفي الجميع ،،،،،
السائرون والضاحكون والهائمون ،،،،،
تنطفيء اضواء السيارات ويظل فقط اضواء عواميد الانارة ،،،،،،
يستمر فقط المطر والرياح تحرك قصاصات الورق الملقاه ،،،،
واوراق الاشجار فيظل يمشي هذا الطريق الا متناهى ،،،،
يظل ينادي بصوته وهل من مجيب ؟ لا يجيبه ألا الصدى مردداً بنفس  سؤاله !!!
أين السبيل للخروج ؟ فليس هناك سبيل،،،،
انها كالمرحلة الزرقاء في حياة بيكاسو ،،،،
مرحلة الوحدة والألم والبحث عن الأمل طالت بعض الشيء لكنه انتقل  للمرحلة الوردية ،،،،،
أما صديقي فهو مازال يتخبط وسط المرحلة الزرقاء والرمادية ،،،،،
منتظر ان يخرج من تلك المرحلة كأنه مثل بني اسرائيل حُكم عليهم ،،،،، بالتيه اربعين عام 
وهو تائه في مرحلته الزرقاء مائة عام ,,,,,,


وصولاً الى لوحه لا تنتهي ، دائماً ماتستعصي عليه ،،،،

ي
نظر الي اللوحه التي لم تكتمل بعد ، كانت كما هي منذ شهور ، وجه امراة لم يكتمل ، شعر طويل وعينان واسعتان تنظر له وكأنها تحاوره ويحاورها ......
ازاح اللوحه جانباً كالمعتاد عندما لا يستطيع ان يكملها ، وجاء بلوحه بيضاء فارغه كي يبدأ عليها بورتريه جديد ...
لكنه لا يعلم ماذا سيرسم  !!
داخله الكثير من الاسألة يريد ان يجاوب عليها في هذا البورتريه ، لكنه كثيراً مايُصاب بالعجز لا يطاوعه عقله ولا يداه ،،،،،
يحاوطه الماضي والذكريات ، يحاول ان يجعله شيء منظور في اشكال وصور قد لا يفهمها غيره لكن يفهمها هو وحده ،،،،
ينظر عبر عقله للمستقبل الذي مازال يختبيء حول الاستار ، او ضباب يغطي البحر الذي امامه ،،،،،،،،،
أم انه يحدث نفسه اولاً وبعد ذلك يجيب عما داخله في هذا البورتريه المستعصي عليه .....
الحب ، انا احبك اذاً انا المدين لك بكل شيء ،،،،
وان اهرب معك من تفاهة الاشخاص الاخرين ،،،،
البحر الملاذ الاخير من قبح هذا العالم ،،،،
انا لاشيء  !! ،،،،
الحياة كضفيرة الخيط المكونه من الابيض والاسود ،،،،
وقد تنطوي صفحة العمر ولم يؤذن للقلب العليل ان يعرف طعم الراحه وكأن الراحه ترف لا يعرفه البسطاء .....
مسك فرشاته وبدأ يرسم ما بداخله من اسألة واجوبه ،،،،
وجه امرأة صغيرا يأتي من بعيد بجوارها بعض السحب والضباب ....
طفل سعيد  يلعب امام البحر وخلفه امواج عاتيه لم تقترب منه بعد ،،،،
شمس تحاول ان تخترق السحب والضباب ،،،،،
وطيور تبحث عن اعشاشها .....
مزيج من الالوان الازرق والرمادي واشعة برتقاليه تتسلل عبر الالوان الرماديه ،،،
لون احمر دامي مازال يتدرج مع شفق المغيب ....
مازالت الشبابيك ترتطم ببعضها مسببه له الازعاج ذهب كي يحكم اغلاقها ،
وقف ينظر من الشباك مازال المطر مستمراً واغصان الشجر المقابله مباشرة للشباك تهتز بقوة ، نظر من خلال الاوراق والاغصان الي ضوء البرق ، والمطر يتساقط من خلالها ، ظل وقت من الزمن لم يبالي بالهواء البارد لكنه ظل سارحاً ..........
عاد الي لوحته الغير مكتمله ونظر اليها وأمسك فرشاته لكنه لم يستطع بعد
ازاحها جانباً وجاء بلوحه بيضاء كي يبدأ بورتريهاً جديداً ،،،،،،،،

ثم هاهم الهائمون يسير ويهيم بينهم

 الهائمون ؟؟
يزولون اسرع مما نتخيل ،،،،
من اجل من ؟ وفي حب من ؟
لكنهم يزولون ولا احد يتذكرهم !!
تتعقبهم وتعتصرهم ظلمات هذا العالم ,,,,
فيسقطون  فتتلقفهم الجوارح كي تكمل علي ماتبقي منهم ،،،،،
ويزولون ولا احد يتذكرهم !!
سقطات لا نهائية كسقطات المسيح السبع ولا وجود لمجدلية كي تخفف من الالام ،،،،
تائهون في الكون كأرض تيه امتدت  لمئات الاعوام وليس اربعين عاماً
يزولون ولا احد يتذكرهم !!
انهكهم السير واهلكتهم الرمضاء فيسقطون ويتابعون
في بلاد شوه الظلم والغدر  وجهها
وحاوطها الضباب فأصبح العمى في القلوب التي في الصدور
ولكنهم يزولون ولا احد يتذكرهم !!

كالطيف يترك بقايا ضوء فيخفت تدريجيا الي ان ينزوي فيصبح مجرد زكري يلتهمها النسيان ،،،،،
او نسمة باردة في ليلة حارة تمر سريعا وتصبح اثر ينتهي بعد حين ،،،،
وعندما تسقط قصاصات الورق الصغيرة والشرائط الملونه التي يلهون بها في الحفلات ،،،،
وتمرغت في التراب وخبت اضواء المسرح ونزل ستار العمر عندها 
يزولون ولا احد يتذكرهم !!
لو كان للانسان خيار الانسحاب من العالم لكانوا اول المنسحبين 
الي جنه لا يزولون فيها ولا يخفتون  ،،،،،
قُل لي من هم الهائمون ؟؟
أنحن الهائمون !!

توقه ورغبته للرحيل ،،،،

الي أين ؟
عالم جديد ، كوكب جديد ، أناس اخرين ، طرقات وشوارع وحواري مختلفه ....
تغيب يوم بعد يوم الابتسامة خلف شفق احمر باكي ....
الأنتظار ، ليس الا حاله من العبوديه ....
،،،،،،،،،،،،،،،
أنتظار ان تطلق السفينه شراعها في الهواء  للأبحار خلف شواطيء بعيده ، بعيدة جدا ...
الفنار يدور ويدور بعد انحصار الشفق الاحمر واختبائه تحت استار الليل السوداء ...
الفنار يطلق نوره وسط الظلام يضيء للسفينة ظلماتها في البحر اللجى ....
الفنار ليس ألا مجرد قلب يدور داخل الصدور يضيء في الظلمات ليبحث عن أمل !!
اذاً السفينة تبحر في الظلمات ، والفنار يضيء للسفن التائهه في بحرها الهائج ويبحث عن أمله البعيد ...


هل ستطاوعه فرشاته ،،،،
ويلين قلمه ،،،،،
وتهدأ امواج قلبه ،،،،
لكنه مازال سائراً طريقه اللا متناهي في مدينته التي لا يعرفها ,,,,,,


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة لسلفادور دالي

الاثنين، 27 ديسمبر 2010

متاهات

قد أعددت قهوتي الأن ، كنت أتوق لها بشدة ، في ليالي الشتاء الباردة تزداد رغبتي في الشاي والقهوة على عكس الصيف ،،،
 وحيداً في بيتي في تلك العمارة القديمه المطله على البحر ، اخذت القهوة وذهبت الى غرفتي وجلست بجوار مدفأتي ، أسفل المصباح الأصفر أتصفح جريدة قديمه ، تاريخها يعود الى اكثر من ثلاثين عاماً ، كانت أمي تحتفظ بالجرائد القديمه ، لعله نوعٌ من التوثيق التاريخي للاحداث ،،،،
 طرقاً على الباب، لم يكن لي رغبه ان أترك غرفتي ،  الطرق ازداد لكن بشكل هاديء ،،،،،
فتحت الباب فوجدت شبحاً في الظلام ، لم أتبين ملامحه لان عادة المصباح مايكون مطفأ خارج المنزل ، لا ادري ان كان عجوزاً أم شاباً ، بجواره على الأرض حقيبة واضح انه من ثقلها تركها جانباً ،،،
سألته ماذا تريد ، فرد انه من طرف صديقٌ لي وجاء عارضاً علي شراء بعض الكتب ،،،،
دعوته للدخول ، فحمل الحقيبه ودخل  فظهرت ملامحه رويدا كلما تقدم من النور الخافت الى داخل البيت ،،،
كان رجل عجوزاً ، يتمتع بصحة جيدة ، يلبس معطفاً من الصوف وقبعة ووشاحاً حول رقبته ،،،
نزع الوشاح عنه ووضعه جانباً ،،،
سكت لوهلة قبل أن يتكلم ، جئتك لأبيع اليك بعض الكتب ، في برود رددت عليه ومايدريك أنني أريد شراء كتب ، مكتبتي مليئة بالكتب ،،،،
بعد لحظات من الصمت ايضاً اشعرتني بالضيق قال لكن معى كتاب نادر ونسخة قديمة ، جائني به صديق من مكتبة في أحد القصور العتيقة لرجل ثري مات منذ زمن ،،،،
فتح حقيبته واخرج منها الكتاب ووضعه على الطاوله التي أمامه ، كتاباً ثقيلاً مغلفاً من القطيفه عليه أثر من الصوابع ، تفوح منه رأئحة الورق العتيق ،،،
تفحصته جيداً وأحسست بثقله في يدي ، محفوراً على الغلاف بحروف لاتينيه وانجليزيه  ولغه اخرى غريبه ولغة أشبه بالعبرية وفي الأخر مكتوباً بالعربية متاهات الأنسان اللانهائية ،،،،
لا يوجد أسم مؤلف على الكتاب ، ولا تاريخ ،،،
تصفحت الكتاب فوجدته غريباً ، صفحات جيدة جدا كأنها طُبعت بالأمس ، وصفحات باليه صفراء ومهترئة تكاد تنقطع لو لمستها ، احاول أن اتصفحه أجد صفحات كثيرة وكثيرة رقيقه ومن الصعب الوصول لصفحة واحده ، من الواضح انها مذكرات او مدونات لشخص عاش في القرن الماضي او الذي يسبقه ،،،
أحدد عنوان لصفحة واحاول أن اتتبع بقية الموضوع تظهر لي صفحات جديدة ،،،،
هذا الكتاب حرك الأثارة داخلي ،،،،
قلت  هذا الكتاب ربما يكون مسروق من احدى المتاحف ، قلتها حتى اثير الرجل كي يتكلم ويقول الحقيقه ، فرد في هدوء لا ،،،،
ثم اخفض من صوته وقال انه من تركة احد البشوات واراد احفاده التخلص من المكتبه كي يهدوا القصر وربما توجد كتب نادرة أخرى ، صدقني لقد دفعت فيه الكثير لأحساسي بقيمته ، عرضته على صديق لي فقال انه يوجد به طلاسم غريبه  ، اعتقدت داخلي انه يخص أعمال السحر وماشابه ، لكن المتأكد منه أن اصحابه لا يعرفون قيمته ،،،
صمت للحظات ثم قال انه كتاب كالمتاهه ولا أحد يعرف عدد صفحاته حاول أن تفتحه على الصفحة الأولي ،،،
أمسكت الغلاف وكلما أمسكت الصفحة التي تلي الغلاف أجد صفحات أخرى تحول بينها وبينه ،،،،
أبتسم في مكر وقال حاول أن تصل للصفحة الأخيرة ،،،
فعلت كما في المرة السابقة فحدث نفس الشيء ،،،
أصابني الفزع داخلي ربما هذا الكتاب فعلا مسحور لكني تماسكت أمامه حتى لا يغالي في ثمنه ،،،
وضعت الكتاب على الطاولة وقلت  كم تريد فيه ؟؟
فرد عليا بمبلغ كبيراً ، فقلت له هذا مُبالغ فيه ، بعد شد وجذب اتفقنا على مبلغاً معقولا ،،،
جئته بالنقود فأخذها في لهفة ولم يعدها ، ادركت أنه كان يريد المال وفقط ،،،،
حمل حقيبته واوصلته للباب فتلاشى في الظلام ،،،،
أمسكت الكتاب وعدت الى غرفتي وقهوتي فوجدتها قد بردت ،،،
جلست على مكتبي أسفل المصباح ألاصفر ، امسكت الكتاب وغصت في متاهته ،،،
مع كل نهاية فصل عن متاهة الأنسان اللانهائية يدون الكاتب المجهول :
أحساس بالتيه والضياع ، الأحلام تطاردني ,,,,
أصرخ كي أقاوم ،،،،،
في داخل الأحلام ومضة نور تضيء وتخفت ،،،،
فوضى من الماضي والمستقبل تمدد يقظتنا الى مالا نهاية ،،،
شبح من الذكريات والطفولة ،،،،
دائرة من العزلة لا تنتهي ،،،،
خلال الظلام أحاول أن اتحسس خطاي ،،،،
أنا الذي خُدعت أن الجنة هي الحب ،،،،

أغلقت الكتاب ووضعته في المكتبه ، لم أقربه بعدها ، خوفاً من المتاهات اللانهائية ,,,,,,,,,

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة لبيكاسو  

السبت، 25 ديسمبر 2010

مشهد عبثي : مقبرة الذكريات

كل حين يسمع أصوات لطيور الليل الحزينه ، تطير تبحث عن فرائسها ثم تعود لتسكن الشجرة أو البيت المهجور المطل على المقبرة ،،،،،
تتحرك بجانيه الفئران وابن اوى ، فقد اعتاد عليها وربما ألفها وربطته بينها أواصر الصداقة فهما يجمعهما الوحدة والشتاء والليل الذي لا ينتهى ،،،،
لا يدري لماذا اختار ان يعيش وسط المقابر ، ولا يتذكر منذ متى وهو في هذا المكان ، وهن وضعف ذاكرته يجعلانه لا يعلم سر وجوده هنا ،،،،
غير أنه في ليلهُ الذي  لا ينتهي وشتائه السرمدي  لا ينفك عن الحديث مع شواهد تلك القبور ،،،،،،،
كث الشعر ، كأنه عاش اكثر من مأئة عام ، ملابسه مهترئة بالكاد تغطي جسمه النحيل رغم قسوة الشتاء القارس ، لكنه جلده المشدود قد اعتاد قسوة الشتاء وبرودته ،،،،،
يستند بظهره على الحائط بالقرب منه الصبار يغوص في الأرض منذ عشرات السنين ، يكافح بشوكه تقلبات الزمان ،،،،
القمر بدراً ، يسقط شعاعه الفضي على شواهد القبور فيصنع شواهد اخرى ممتده بظلها على الأرض ،،،،
رفرف الطائر بجناحيه ثم حلق بعيدا في رحلة بحث أخرى ،،،،
كلما نظر للشاهد الذي أمامه تتحرك الذكريات الكامنة داخله ، كأنه يبحث  عن شيء مدفون يدفن معها ذكرياته ، ولا تخرج اليه ابداً ،،،،
لكنها تُبعث مرة أخرى وتعود اليه من جديد ،،،،
تعود ذكرياته رويداً رويداً وتبدأ تطل من مخيلته ، ويستعد كأنه يحمل مجرفته ليدفنها لعلها تهدأ وتذهب في ثُبات عميق ،،،،
شاب ثري تظهر عليه امارات الغنى والقوة والنفوذ ، اول مابدأ حياته كان في وظيفه هامة كمسؤل ، تم تعينه عن طريق علاقات والده ، لم يكن جديراً بها لكنه لا يدرك ذلك ، كان متأكداً أنه يستحقها عن جدارة ،،،،
يتحرك القمر فتتحرك ظلال شواهد القبور على الأرض وتطول ، كأنها تستقبل الصور الباهته والاحداث التي تحملها تلك الذكريات ،،،،
صورٌ باهته لأُناس يتذكر بعضهم ولا يتذكر الأخرين ، احدهم ملقى في السجن  والأخر قتيل مازال دمه ينزف ، واخرى تمسك بيديها طفلين يبكيان ،،،،
 حفل زفاف وصخب كبير وأناس مهمون يهنئون العريس والعروس ،،،،،
قصر كبير به كثير من الخدم والتابعين ، وأموال طائلة لايدري كيف ضاعت لكنه يعرف من أين أتت ،،،،،
يتحرك القمر ناحية الشرق فتتحرك ظلال شواهد القبور على الأرض ويميل ظلها بأتجاه الغرب ، وهو جالساً على التراب يؤنسه بجواره الصبار العتيق ،،،،،
أولاد يكبرون أمامه ، ينعمون في أمواله ونفوذه ، كلما كبروا تبهت صورهم في ذاكرته وتبعد فلا يدري أين ذهبوا ولماذا تركوه وحيداً ،،،،
مكان غريب ، تتجلى صورته فجأة ، الكثير من العجزة ، يدورون حوله ، فتاة تأتي بالطعام وتتركه وتذهب ، ماهذا المكان ؟؟
ميدان مزدحم وصخب كبير ، ها قد خرج أخيراً ، ملابس رثه ، وجوع وعطش شديدين ، يطرق أبواب أناس كان يعرفهم ، يغلقون أبوابهم في وجهه هاهاهاهاهاها ،،،،
لا يدري أين يذهب ،،،،
ها قد عاد الى شواهد القبور ،،،،
يعود القمر الى وسط السماء ، وتتحرك ظلال شواهد القبور وترجع الي حيث كانت ،،،،
الصبار بجواره ضاربٌ في الارض منذ عشرات السنين ،،،،،
يرفرف الطائر الليلي بجناحيه ويعود لمسكنه يشاهد ويراقب من جديد
,,,,,,,,,,,,,,,

الخميس، 23 ديسمبر 2010

شروق وغروب

تصرخ بشدة من الام الطلق ، العرق يتصبب من جبينها ، تشد بيديها ملائة السرير وتتوسل الى أمها وزوجة أخيها أن يسرعوا بأخراج ذلك الكائن الذى يتحرك في احشائها بقوة ويريد أن ينطلق الى الحياة ويفتح عينيه الصغيرتين الى نور الدنيا المبهر بعد ان ظل في ظلمات رحم أمه لتسعة أشهر ،،،،

،،،،،،،،،

جالساً القرفصاء على سجادة الصلاة في غرفته التي تبعد قليلاً عن الغرفة التي يولدون فيها أبنته ،،،
ممسكاً بالمسبحة الطويلة ، وأمامه مباشرة المقرأة الخشبية التي تحمل المصحف الشريف ،،،،
يتلو القرأن بصوت عالى ، متادخلاً مع صوته ، جلبة النسوة في الصالة والأطفال يلعبون وينتظرون الزائر الصغير ،،،،
كل حين يفتح عليه الباب احد أحفاده ثم يهرول بعيداً

،،،،،،،،،،،

تخرج مسرعة زوجة الأخ مُغلقة باب الغرفه ، وتذهب الى المطبخ ، تعلى نار الوابور حتى تُسرع من غليان الماء ،،،،،
يأتيها أبنها متسائلاً هل خرج الطفل الذي ينتظرونه ؟؟؟
في الغرفه كان اسفل بطن الأم شديد الصلابة ، قد حرك الطفل رأسه للاسفل منتظراً من يفتح له باب الولوج الى الحياة ، قد مل الأنتظار ، أو ربما قد يكون خارجاً رغم ارادته بعد ان سمع عن ماينتظره في الخارج !!!

،،،،،،،،،،،،

ينادي على احد احفاده ، لم يرد عليه أحد ، كرر النداء حتى سمعته أحدى حفيداته ، ابتسم اليها ودلعها كما اعتاد ، ثم طلب منها ان تقول لاحدى خالتها ان جدي يريد كوباً من الشاي ،،،
تجري الفتاة مسرعه لتبلغ أول من يقابلها من النسوة الاتي يجلسن في الصالة ،،،،
ثم استكمل قراءة القران ، واستمرت أنامله في مداعبة حبات المسبحة واحده تلو الأخرى ،،،،،

،،،،،،،،،،،،

ارتفع الدخان الكثيف من حلة المياه النحاسية ، أمسكتها زوجة الأخ جيداً بالقماش وذهبت مسرعة الى غرفة الولادة ، دفعت الباب بقدميها واغلقته مرة أخرى ، والاطفال جرين ورائها فُصدموا بأغلاق الباب في وجوههم ،،،
رفعت زوجة الأخ الملائة التي تغطي النصف الأسفل للأم الحبلى ، وقبل أن تبدأ في مهام عملها لأخراج الضيف المنتظر في الداخل ، طلبت من الأم أن تساعدها وتطبق جيداً بأسنانها على القماشة ، وان تقول يارب ،،،،
تصرخ الأم وتقول يارب ،،،
تقف أحدى النسوة بجوارها وتطلب منها بالدعاء لأبنها بالشفاء ولزوجها بسعة الرزق ،،،،،

،،،،،،،،،،،،

بدأت أنامله تتثاقل وهو يُحرك حبات المسبحة ، وأنفاسه في التقطع ، كان يحس أنه يغرق في عرقه ، حاول أن يستنشق الهواء مرة أخرى ،،،
مازال الشاي لم يأتي بعد ،،،،

،،،،،،،،،،،،

هاهي قد وصلت الى رأسه ، أمسكته جيداً ،،،،
تزداد الألام على الأم ، تطالبها زوجة أخيها بأن تدفع بكل ما أوتيت من قوة ،،،
تصرخ بشدة ،،،،
الضيف القادم قد أخرج رأسه ، وبقية جسمه في طريقه الى الخروج ،،،،

،،،،،،،،،،،،

ينادي بوهن وبصوت خافت ، هل من مجيب ، لا أحد يسمعه ،،،،
يحاول أن يتنفس جيداً ، لا يستطيع ،،،،
مال بجسمه الي ظهر السرير المجاور له ،،،،
وسقطت المسبحة بعد أن توقفت أنامله عن مداعبة حباتها ،،،
والمصحف مفتوح على المقرئة ،،،،

،،،،،،،،،،،،

بكى الضيف الجديد ، بعد أن خرج الى العالم ،،،،
وهدأت الأم اخيراً بعد ان شاهدت طفلها وهم ينظفوه أمامها ،،،
فتطلق احدى النسوة زغرودة عاليه ،،،
وتصرخ أخرى بعد ان دخلت على الجد فوجدته ملقى الى ظهر السرير
,,,,,,,,,,,

الاثنين، 20 ديسمبر 2010

مجرد حكاية 4

مستوحاه عن قصة حقيقيه ,,,,,,

أجلس منزوية وحيدة أبكي ، لقد عاد مخموراً مثل كل ليلة ، وبدأ في ضرب وشتيمة أمي ،،،
أمي تصرخ وتستحلفه بالله بأن يتوقف ، لكنه يأبى أن يتوقف ،،،،
تحاول أمي الأنفلات من يديه وتخرج الى خارج البيت لكي تحتمي بالجيران ،،،
واخي الصغير صامت لا يحرك ساكناً كأنه لا يدري بما يحدث حوله ، واخي الأكبر نائم ،،،،،،
هكذا تعودت ان اقضي ليلتي  وانا طفله ، ثم اصحو في الصباح ناسيه كل شيء كما حال الأطفال دائما ، الا من بعض كوابيس اثناء نومي ،،،،
بيتٌ صغير في بدروم بأحد الاحياء الشعبية الفقيرة ، تكاد لا تدخله الشمس ولا يمر فيه الهواء ، فكنا نعاني من الرطوبة دائماً ،،،
أبي يعمل موظفاً بسيطاً في السكك الحديديه ، دائم شرب الخمر ولعب القُمار ، يضيع نقوده ويرجع في الليل فاقداً لعقله ،،،،
لكنه في احد اليالي انتظرناه كثيراً ، فلم يعود !!
انتظرنا يومين وأمي تسأل عنه اصدقائه بدون فائدة ،،،،
وخرجت أمي لتبدأ رحلة البحث عن أبي في اقسام الشرطه والمستشفيات ، ولم تصل الى شيء ،،،
واستسلمت أمي بعد أن انهكها البحث عن أبي ، ثم بدأت رحلة بحث أخرى ، وهي البحث عن العمل ، حتى استطاعت أن تعمل خادمه في شقق المغتربين والأجانب بالأحياء الراقيه ،،،،
أستمرت أمي في العمل سنوات حتى كبرت أنا واخوتي ، كنا في المرحلة الأبتدائية ، كان أخي الأكبر شديد العدوانية معنا وكثير الهرب من المدرسة ، أما اخي الاصغر فهو هادئاً وديعاً نكاد أن لا نحس بوجوده ، منطوي دائما وشارد الذهن لا يحب التحدث مع أحد ،،،
وفي يوم عاد أخي الاكبر من المدرسة وحيداً بدون شقيقه ، أعتقدنا أنه يلعب مع أبناء الجيران أو أنه غاضب من احداً منا ، لكنه لم يعود !!
لم أراه بعدها أبداً ، ولا نعلم ماذا حدث له ، او ماذا صنعت به الدنيا .....
وكما خرجت أمي ذات يوم تبحث عن أبي ، خرجت مرة أخرى للبحث عن شقيقي الأصغر ، ووزعت صور له في المساجد والميادين العامة ، لكن بدون فائدة ،،،،،
مرضت أمي فترة من الزمن حزناً على شقيقي ، وكنت أنا اقوم مكانها بمتطلبات بيتنا الصغير ، حتى استطاعت أمي المقاومة من أجل سد جوعنا أنا وشقيقي الأكبر ،،،،
مرت بضعة سنوات ، نسينا خلالها شقيقي الأصغر كما تلاشت من ذاكرتنا ذكري وملامح أبي ،،،،
وذات مساء أنتظرنا أمي كي تعود من عملها فلم تعد !!
لكن جائنا أحد جيراننا وأخبرنا أن أمي لن تعود هذة الليلة ، لقد قُبض عليها بعد أن قامت قوات شرطة الأداب بمهاجمة الشقة التي تعمل بها كخادمه فأخذتها هي واصحاب الشقة ، وتم الحكم على أمي بالحبس عامان رغم انها مظلومة ....
اصبحت انا وشقيقي وحيدين في الحياة ، يساعدنا جيراننا ببعض الطعام والنقود ،،،،
ترك أخي المدرسة والتحق بأحد الورش الحرفية بالحي ، كان مثل أبيه عدواني لا يعود الي الا متاخراً ، ترافق مع صبية السوء ، أحياناً يعود الي بالنقود وأحياناً لا ....
ثم اودعته الشرطه احدى دور الأحداث ، وبقيت انا بمفردي لدى جارة لنا كانت صديقة لأمي ، عشت فترة قصيرة مع أولادها ، ثم أخذني زوجها الطيب واودعني احدى دور الرعاية الخاصه بالفتيات ،،،،
واصلت تعليمي في الدار حتى حصلت على الأعدادية ، ثم توقفت عن الدراسة وبدأت أساعد في أعمال الطهي والتدبير المنزلي بالدار ، حتى وصلت لسن العشرين من عمري ،،،،
لماذا لم تبحث عني أمي بعد أن خرجت من سجنها ؟؟
لا أدري ،،،
لماذا لم يسأل عني أخي ؟؟
لا أدري ،،،
لم أبالي كثيراً بتلك الأسالة أو أحاول ابحث لها عن أجوبة ، فقد تعلمت أن اتقبل اقداري بالحياة في هدوء وسلام وعدم تمرد عليها ،،،،،
أصبح لي الأن اخوات وأمهات تعرفت عليهم طيلة سنواتي في الدار ، عوضوني عن ما أخذته الحياة مني من الاخوة والأهل ،،،،
كان دائماً ما يأتي الى الدار من هم راغبون في الزواج ، خاصة من الفتيات الاتي تعودن الكفاح ومصاعب الحياة مثلي ،،،،
فتقدم لي رجلٌ أرمل يكبرني بخمسة وعشرين عاماً ، الحق أنه رجلٌ طيب وشهم ، له أبن وحيد ،،،
تعهدني بالحب والرعاية وتقبلني أبنهُ كأخت له ،،،،
استكملت تعليمي وذاكرت ثانوية عامة من جديد ، حتى حصلت على مجموع عالي كان مفاجاة لي ولزوجي ، فقررت أن التحق بكلية الطب ،،،
ساعدني زوجي ووفر لي كل ما احتاجه للدراسة والنجاح ،،،،
لكنه رحل عن دنيتي في هدوء ، لقد توفي فجاة ،،،،
ترك لي ميراثي الشرعي وبيتٌ صغير اعيش فيه ، وتزوج أبنه الوحيد واصبحت انا وزوجته صديقتين الى الان ،،،،
مر بي الزمن وتخرجت طبيبة ناجحه وتم تعيني في احدى المستشفيات الجامعية ، واجتهدت حتى أثبت اقدامي واحضر للماجستير والدكتوراه ،،،
عاد من بعثته ، كان وسيماً ، يظهر عليه علامات الطيبه والهدوء ، تهافتت عليه زميلاتي الطبيبات ، حتى انهم كانوا يعاكسونه ،،،
لكني فوجئت بأنه يطلب مني الزواج ، فأندهشت وانعقد لساني ، لكني تماسكت وحكيت له كل ظروفي وحياتي ،،،
فزاد تمسكاً بي ، فتزوجنا وبدأت حياتي من جديد ،،،،

معذرة ,,,,,

لقد استيقظ طفلي من نومه وأسمعه يبكي ، لابد أن اذهب له وبعدها أحضر الغداء لزوجي ،،،،،
قبل أن اطوي حكايتي هذه  ،،،،
ربما يأتي يوماً عندما يكبر أبني ويجد تلك الورقة بين مذكراتي ، فيعرف كم عانت أمه وكافحت ,,,,,,  


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة لسلفادور دالي

السبت، 18 ديسمبر 2010

ابتسامة الغروب

عادت اليوم من عند الطبيب مجهدة ، كانت جلسة العلاج الكيميائي صعبة وثقيلة للغاية ، لم تعد تطيق تلك الجلسات اللعينة ، تظل بعدها نائمة اكثر من عشر ساعات من قوة العلاج ،،،،
جلست على مكتبها وأمامها شرائط وعلب الأدوية المختلفه ، نظرت لها والى انواعها العديدة ، كانت تلك الألوان تزغلل عينيها وتصيبها بالدوار ، الوحدة والألم تتخايل أمام عينيها ، تنظر الى الورقة المثبتة على دفتر المواعيد ومدون عليها مواعيد الأدوية ، بدأت تبكي ثم دفعت بيدها كل الأدوية والأوراق من على المكتب واندفعت في البكاء ،،،،،،
اكتشفت اصابتها بالسرطان منذ ستة أشهر ، لم تكن تتوقع أن يهاجمها بدون سابق انذار وهي ماذهبت للطبيب الا كي تشتكي من الام بسيطة في ظهرها ، صغيرة في السن لم تتجاوز الأربعين من عمرها ، لكنها في الستة اشهر الأخيرة أحست أنها في خريف حياتها ،،،،،
جميلة ، وجهها اقرب منه للبراءة والطفولة منه الى الشباب ، شعرها الأسود الطويل بدأ في الضعف والسقوط ، فاستعاضت عنه بالشعر المستعار الذي لم تكون لتهتم به وتغطيه بالحجاب ،،،،
لها أخ وحيد يعيش في بلد أخرى ، وهي تعيش في بيت أبيها وامها بعد أن رحلا عن الحياة ،،،،
هذا الصيف قرر أخوها ان يكون بجوارها ، ومعه أبنه وبنته ،،،،
الأبن هو الأكبر لا يتعدى الخامسة عشرة عاماً واخته تصغره بثلاث سنوات ، لا يعرفون عمتهم كثيراً ، رأها فقط في المناسبات لكنهما سمعا عنها كثيراً من أبيهما ،،،،،
وصل الأخ وولديه ، وكانت في انتظارهم وأعدت لهم البيت وغرف نومهم ، وجهزت لهم الغداء ،،،،
ظلا الولد والبنت مكسوفان من عمتهما ، لما يعتادا عليها ، والعمه احبتهم منذ أن رأتهم ، كانا جميلين الملامح وحسنا الخُلق ، رغم شقاوتهم وضحكهم الدائم ،،،
أخبرتهم عن غرفة نومهما ، وابتسمت وقالت : هذا بيت جدتكما وعمتكما فأفعلا فيه ما شئتما ،،،،،
الأخ والأخت ظلا يتحدثان سوياً قبل النوم عن عمتهما وهل ستعيش أم لا ، هل ستنجو من العملية الجراحية الخطيرة التي ستجريها ، قالت الفتاة : انها طيبة ورقيقه ليتنا عرفناها من زمان ، لكن أبي لا يأتي بنا كثيرا الى هنا ، أود لأن يمد الله في عمرها حتى نصبح أصدقاء ،،،،،
توطدت أواصر الصداقة بين العمة واولاد اخيها ، الفتى يذهب معها الى الطبيب والى جلسات العلاج الكيميائي ، والفتاة كثيراً ماتظل تحكي لها عن مدرستها واصدقائها واحلامها وامنياتها ، وعمتها تعلمها فنون المطبخ والطعام ،،،
جلست الفتاة في غرفة عمتها تنتظرها ، كانت عمتها تستحم وتركت شعرها المستعار في غرفتها ، وجدته الفتاة على السرير فمسكته وظلت تمشطه حتى جعلته أجمل من شكله الحالي ،،،
دخلت عمتها عليها فوجدتها تمسك بالشعر المستعار ، فانحرجت منها ودمعت عيناها ، كان شعرها الطبيعي قد سقط الا من بعض خصلات وشعريات قليلة ، نظرت الى الفتاة وقالت : اعذريني ياحبيبتي كنت لا اود ان تريني هكذا ، لحظة وسأغطى شعري ....
جريت عليها الفتاة وقالت : لا ياعمتي تعالي لكي ترى كيف صففت الباروكه لكي قولي لي ما رأيك ، هي أجلسي أمام المراة حتى اظبطها لكِ ،،،،
لم ترد عليها عمتها لكنها تركت نفسها للفتاة تفعل بها ماشائت ،،،،
جلست أمام المرأة والفتاة خلفها تُكمل تصفيف الباروكه ، وتضعها على رأس عمتها وتظبطها ، بعدها نظرت عمتها الى شعرها فوجدته شديد الجمال ، فأبتسمت وعيناها أغرورقت بالدموع ،،،
ثم أخذتها الفتاة من رقبتها وظهرها في حضنها وقالت لها : أنتي شديدة الجمال ياعمتي ،،،،،
تجلس هي واولاد أخوها يلعبون ويشاهدون التلفاز ، وكان ميعاد الدواء ، طلبت من الفتى انه يحضره لها ، وجائت تتناوله ثم رن جرس الهاتف ، فذهبت كي ترد عليه ، فاذا بالطبيب يخبرها عن ميعاد العملية بعد أسبوع وطلب منها تعهد مكتوب منها بالموافقه لان العملية غير مضمونة ، فأبتسمت ووافقت ، ثم سقط منها الدواء على الأرض ، جريا عليها الفتى والفتاة ، فاحتضنتهما وقالت : لقد حددوا ميعاد العملية الجراحية بعد أسبوع ،،،،،

قبل دخولها المستشفي بيوم ,,,,,

لم يبدو عليها الخوف والفزع ، لقد تركت نفسها للقدر يفعل بها مايشاء ، فهي متقبلاه مهما يكن سواء نجحت الجراحة أم لا  ، بدا عليها فقط القلق وقليل من التوتر ، لكنها اصرت ان تكون دائمة الأبتسام في وجه الفتى والفتاة ،،،،
طلبا منها الفتى والفتاة ان تخرج معهم هذا اليوم الى البحر ، كان الجو جميلاً والبحر هادئاً ، فقالا لها : أرجوكي ياعمتي نذهب الى البحر قبل ان نذهب غدا الى المستشفي ، الشاطيء رائع هذا اليوم والبحر هاديء ، لنذهب ياعمتي قبل الغروب ودخول الليل ،،،،،،
البحر امواجه هادئه تداعب الرمال بحنو ورقة ، والشمس خفت حرارتها وبدأ الشفق القرمزي ينسج خيوطه ببطيء حولها ،،،
كانوا يتمشون على الرمال ، نسمات البحر تتسلل الى حجابها الحريري الذي يغطي شعرها ، تضع الفتى والفتاة اسفل ذراعيها ،،،،،
فجاة سحبها الفتى والفتاة الى الموج ،،،،
ظلا يرشان عليها الماء ويضحكون معها ،،،،
تلعب معهم وتجري وترشهما بالماء ،،،،
تلمع في عينيها قطرات الماء الذي يتخلله شعاع الشمس ،،،،
تمسك بأيدي الفتى والفتاة وتدور بهما اسفل شمس المغيب ، والموج يأتي ويذهب مداً وجزراً خلف اقدامهم ،،،،،

الخميس، 16 ديسمبر 2010

خيال

جلست الأم على ماكينة الخياطة ، وكل خمس دقائق تنادي للفتاتين لكي تظبط الفساتين عليهما ،،،،
لانهما توأم فكان هذا يسهل للأم حياكة الملابس والفساتين لهما ،،،
يشبهان بعضهما في كل شيء ، العيون الخضراء والشعر الذهبي الطويل المنسدل حتى خصريهما ، والمنسدل ايضاً على عيناهما ، لكن لاحداهما شامة صغيرة تحت الأنف ، وعن طريقها يتم التفرقة بينهما ،،،
لهما غرفة متوسطه بها سريران ، ودولاب منقسم لنصفين لكل بنت جزء ، ومعلق على الحائط في كل اركان الغرفة صور لفراشات وجنيات صغيرة مجنحة بأجنحه رقيقه ، اللوحات والصور من رسم الفتاتين ،،،،
كان محظور عليهما دخول الغرفة الاخرى !!
منذ وفاة الاخ الاكبر لهما في العام الماضي بداء الحمى الشوكية ، حرمت الأم دخول الغرفة وعدم العبث بها ، كل اسبوع تقوم الأم بتنظيفها ووضع الملابس النظيفه للفتى في مكانها ، وتقوم بترتيب لعبهُ وكتبه ،،،،
كان أكبر من الفتاتين بعامين فقط ، كان يحبهم حباً شديداً ، ويعلمهما كل شيء ،،،
الرسم وبناء البيوت من الكرتون والمكعبات ويقرأ لهما القصص المصورة ،،،،
كانت الفتاتان تختلسان الفرصة لدخول غرفة اخيهما الراحل ، يضيئان نور الغرفة ،،،
ويجلسان بجانب مكتبه ، يستكملان بناء البيت الذى بدأئه قبل أن يموت ،،،
يأتيان بالكرتون ويصنعا منه الغرف والكراسي والشرفات ، وبجانهما القط الصغير الذي كان يملكه انذاك ،،،،
تقول احداهما للاخرى : هل سيعود مرة اخرى ، انا ادرك انه مات وقالوا لنا في المدرسة ان من يموت لا يعود ، وسألت امي عن ذلك بكت ونهرتني وقالت لي لا تتكلمي في هذا الموضوع ......
ترد عليها اختها وهي ترفع شعرها المنسدل على عينيها : سأقول لكِ سراً ، بالأمس شاهدته وهو جالس على مكتبه يرسم ، كان الوقت ليلاً والكل نائمون ، ذهبت كي أشرب ، فوجدت باب الغرفة مفتوحاً ، قد نسيته أمي بعد أن نظفتها ، رأيته من ظهره وهو جالس يرسم والقط كان جالس فوق المكتب ، دخلت عليه وانا خائفه ، وبعدها نظر لي وابتسم ووجدت الهواء يحرك الستائر ثم اختفى عندما اقتربت منه ،،،،،
قالت اختها وهي منزعجه : انتي كاذبه انكِ فقط كنتِ تحلمين ، لا احد يرى الموتى ابداً .....
ردت عليها وقالت في صوتٌ خافت : صدقيني لقد رأيته ، حتى أخذت الورقة التي كان يرسم فيها ولم يستكملها ، انظري أنها صورة لنا نحن الثلاثة هاهو وانا وانتي لكن لم يستكمل الاشجار والنهر ،،،
نظرت لها بأندهاش وقالت : ربما تكون ورقة قديمه ، لا تخيفيني اكثر من خوفي هذا ،،،،،
وهما يستكملان بناء البيت ، تحركت الستائر في الغرفة وبدأت تتطاير صفحات الكتب  الصغيرة ، وفجأة انطلق القط الصغير وجاء الى الغرفة ،،،،
الفتاتان بدا عليهما الخوف ومسكا ببعضهما ، فجأة حلق فوقهما الجنيات الطائرات ، مثلها تماما كالتي رسمها الاخ الاكبر وتعلما رسمها منه ومعلقه على الحائط ،،،
جنيات ملونه ، احمر واصفر واخضر ، مجنحه بأجنحه بيضاء لامعه يشع منها ضوء صغير كالفراشات الليلة التي تسكن الحدائق والغابات ،،،
كان الأخ يجلس بين الجنيات على الكرسي بجوارهما ، وابتسم وظل يرسم ،،،
وكلما رسم لوحة قامت الجنيات الصغيرات برفعها والقائها عليهما ، ظلا الفتاتان يضحكان ويلعبان مع الجنيات ، والاخ مازال يبتسم ، والقط يطارد احدى الجنيات وهي تطير حوله وتنثر عليه بعض التبر الذهبي ،،،
وفجأة تحركت الستائر وانصرف الأخ من الغرفة ، وبدأت الجنيات الصغيرات في المغادرة  ، لقد استيقظت الأم ، خافا التوأم وجريا اسفل السرير واختبئا ،،،،
كل فتاة كانت معها لوحتها التي رسمها لها اخوها ،،،،
ذهبتا الى الأم باللوحات المرسوم عليها الجنيات واخوهما وصور لهما ،،
قالتا للأم : لقد رأينا اخونا اكثر من مرة وكان يلعب معنا ومعه جنيات جميلات وصغيرات ، واهدانا تلك اللوحات ، اتسمحين لنا ان نجلس في غرفته كل يوم لبضع الوقت ؟؟؟
اخذت الأم اللوحات ونظرت لهما وبدأت الدموع تنزل من عينيها وقالت : اتعرفان أن الكذب حرام ويُدخل صاحبه النار ؟؟ ، لماذا لا تقولان انكما انتما من رسما تلك اللوحات ، اخيكما بين يدى الله والموتى لا يراهم أحد ، لا أريد أن اسمع منكما هذا الكلام مرة أخرى وهيا اذهبا لغرفتكما الان ....
قالت ذات الشامة السوداء : أسمعتي !! ، لن يصدقنا أحد ، ولهذا لن نقول لأحد ابداً ،،،،،
استمرت لقائات الفتاتان مع اخوهما ومع الجنيات الصغيرات ، وظلا يحتفظان بهذا السر ، خوفاً من عقاب أمهما لهما ،،،
جاء الشتاء وبدأت صحة الأم تدهور ، كانت مُصابه بمرض في صدرها يتأثر بالبرد وتزداد حالتها سوءاً مع الشتاء ،،،
كانت نائمة على سريرها بجانبها كومدينو صغير عليه ادوية كثيرة ، تسعل بشدة ، كانت تذبل ووجها يزداد شحوباً،،،
نادت على الفتاتان وطلبتا منهما ان يساعدها على النهوض والذهاب الى غرفة الاخ الاكبر ،،،
قالت احداهما : لابد أن نطلب الطبيب يا أمي ، سأذهب الى جارتنا وأطلب منها تستدعى الطبيب الان ،،،
قالت الأخت الأخرى : اسمعى كلام أمي ، ندخلها اولاً غرفة اخونا ، ثم سأذهب أنا لجارتنا ونطلب الطبيب ،،،
اتكأت الأم على الفتاتان وذهبا الى غرفة الأخ الراحل ،،،
 نامت الأم على السرير ، ونظرتا الفتاتان الى بعضهما ، وهمست احداهما للاخرى وقالت : تعالى ندعوا الله أن يرسل اخونا والجنيات كي يساعدوا أمنا على الشفاء ،،،،
وقفتا الفتاتان بجوار الشرفة وظلتا تبتهلان الى الله وهما مغمضتا العينين ،،،
بدأت تتحرك الستائر بشدة ، دخل الأخ وأبتسما لأختيه ، ثم وقف أمام أمه وظل ينظر اليها ،،،
خلفه الجنيات الصغيرات بأجنحتهم المشعه والمضيئة يرفرون ، وبدئوا يحلقون حول الأم ،،،
ضحكت الفتاتان وذهبتا بجوار أمهما ، التي بدأت تستيقظ وتفتح عيناها ،،،
عندما فتحت عيناها وجدت أبنها يبتسم لها وحوله الجنيات ،،،
أبتسم اليها ،،،،
ثم اقتربت الجنيات أكثر من الأم ، من وجهها وصدرها ،،،
بدأ وجه الأم يستعيد أحمراره ولونه الوردي ، وبدأت تستنشق الهواء بحرية ويسر ،،،،
والفتاتان مازلتا تضحكان بمرح وسعادة وتحتضنان أمهما ، والأبن يبتسم ، والجنيات تحلق فوقهم جميعاً ،،،
الستائر بدأت تتطاير وتتحرك  والجنيات المضيئة أخذت في الانصراف ، وبدئوا في الصعود الى السماء ، كلما صعدوا تتضائل أشكال البيوت والانوار الصغيرة خلف النوافذ والشرفات ،،،
شرفة واحدة مفتوحة ، يظهر منها الأم وهي تبتسم وبناتها في حضنها ،،
والجنيات والفتى الصغير يقتربون اكثر واكثر من النجوم المتلألأه في السماء ،،،،

الثلاثاء، 14 ديسمبر 2010

الرجل الزجاجي

عاد هو وصديقته تواً من الدرس ، وقفا سوياً في مدخل العمارة الزرقاء ، كان يوصلها دائماً بعد انتهاء الدرس المسائي ويقفا سوياً بعض الوقت يتكلمان ، ثم يودعا بعضهما وينصرفا ،،،،
سمعا صوت الرجل الزجاجي العجوز في جهاز الهاتف الذي ينادي به البواب دائماً ، كان الرجل يزعق بشدة ويطلب من البواب أن يأتيه بالدواء من الصيدلية والخبز والحليب ، كان البواب غير متواجد ،،،
سمعا الفتى والفتاة صوت الرجل وحاولا ان يكلماه لكنه قد اغلق الخط ،،،
قررا ان يذهبا الى البقال ليشتريا الخبز والحليب ويصعدا الى شقة الرجل ،،،،
العجوز وحيداً ،
بعد وفاة زوجته وهجرة ابنه الوحيد للخارج ،،،
 مُصاب بالوسواس القهري ومُصاب بمرض هشاشة العظام منذ زمن بعيد ، قالت الفتاه لحبيبها في مرة ان عظامه مثل الزجاج ، لذلك رأي بنظارته المقربة وهو يراقب من شرفته في البارحه  ان العجوز قام بأحاطة كل اساس منزله وكل حواف الحوائط بالأسفنج خوفاً ليصتدم بها وتتفتت عظامه ،،،،
 لم يخرج منذ سنين ، كان يخشى من العالم الخارجي ويخشى حتى درجات السلم ليقع عليها ،،،،
دقا جرس الباب ، فأذا بالعجوز يتمتم من الداخل بعصبية  ، وعندما فتح الباب وجد الفتى والفتاة ، نظرا اليهما بأستغراب وهو خلف الباب وقال : ماذا تريدان ؟؟
قالت الفتاة : انا جارتك يا جدي وقد سمعناك تنادي على البواب وتطلب منه الخبز والحليب ، والبواب غير موجود منذ الصباح ، فذهبت انا وصديقي نشترى لك ماطلبته وجئنا به اليك .....
وقف مستنداً على عكازه ومغلقاً الباب قليلاً وقال : لكني لم أطلب منكما شيئاً ، اذهبا الان وعندما يأتي البواب سيشتري لي ما أحتاجه ...
نظرا الفتى والفتاة الى بعضهما ثم دفعا الباب برفق ، فرجع العجوز الى الخلف خوفاً ليسقط ، ودخلا الى البيت ،،،،
اندهش العجوز وقال : الى اين واخلعا الأحذية ، لم اسمح لكما بعد بالدخول ،،،،
خلعا الفتى والفتاة حذائهما ، وقال الفتى : يا جدي لا تخف سنضع الأشياء في المطبخ ونرحل ، البواب غير موجود وربما انت جائع الان ،،،،
كان المنزل مليء بالساعات في كل ركن من اركانه ، وكل حواف الحوائط والأساس مبطن بالأسفنج ،،،
صورة قديمة على الحائط لسيدة جميلة ، واخرى بجوارها لرجل في زيه العسكري ، وصور كثيرة لطفل صغير ، وهو يركب دراجته ، وصورة اخرى له بين اصدقائه في المدرسة ، وأخرى وهو بين السيدة الجميلة والرجل الذي بالزي العسكري في الصورة الأخرى ،،،
قالت الفتاة للعجوز : من هؤلاء ياجدي ، اعتقد الظابط هو انت ، لكن من تكون السيدة الجميلة وهذا الفتى الوسيم ؟
جلس العجوز على الأريكه وأحس بالاستسلام وقال : هذة زوجتى رحمها الله ، وهذا أبنى عندما كان صغيراً في مثل عمركما  ، وهو الان في كندا ،،،
ذهبت الفتاة الى المطبخ كي تضع الحليب في الثلاجة ثم اعداد العشاء ،،،
وجلس الفتى بجوار العجوز وقال : لماذا ياجدي تضع الأسفنج في كل مكان في البيت ؟
فجأة حدث ازعاج رهيب لقد اعلنت الساعات التى تمليء البيت تمام الساعة الثامنة ، فوضع الفتى والفتاة اصابعهما في اذانهما من شدة صوت دقات الساعات ،،،
قال العجوز : انا مُصاب يا ولدي بهشاشة العظام ، فأخاف أن اصتدم بأي شيء صلب ،،،،
جائت الفتاة بطعام العشاء وقالت : هيا ياجدي لقد اعددت لك العشاء ، لابد أن تأكل قبل أن تنام ،،،
قال الفتى : تفضل ياجدي الطعام ، ياجدي لا تخف من الأشياء هكذا ، يمكنك ان تكون حريصاً ، لكن لا تعتزل العالم حتى لا تصبح اكثر هشاشه وخوفاً ،،،
من تلك الليلة اصبح العجوز صديقاً للفتى والفتاة ، رغم انه رجل عنيد ، ولم يكن ليتنازل عن عزلته التي فرضها على نفسه بسهولة ، لكن رضخ أخيرا لرغبة الصغيرين ،،،،،
نظرا الفتى والفتاة لبعضهما وقالت الفتاة للرجل العجوز : نريد أن نطلب منك شيء ياجدي ونأمل ان تحققه لنا ؟؟
نظر اليهما بأرتياب وحيرة وقال : ماذا تريدان ، أن كنت استطيع أن افعله سأفعله على الفور .....
قال الفتى : نريد أن تذهب معنا الى السينما ...
ضحك العجوز وقال : انا اذهب الى السينما وأخرج ، أنني لو اصتدمت بأي شيء ولو صغير في الشارع او أي مكان سوف أنكسر على الفور ....
قالا في نفس الوقت : لا لا تخف سنكون حذرين جدا ، أرجوك أخرج معنا ياجدي أرجوك ....
قال العجوز بكل حزم : لا لا يمكن ....
أمسك العجوز عكازه وتدرج درجات السلم وهو خائف ، كانت انفاسه تتسارع وينظر أسفل قدميه خوفا من أن ينزلق ويقع ، والصغيرين يمسكان بيديه ويقولا له لا تخف نحن معك ....
نظر الى الشارع والناس والسيارات ، واستنشق هواءً جديداً ، لم يستنشقه منذ سنين عديدة ،،،،،
في المركز التجاري ،،،
وقف الرجل الزجاجي وكأن العالم كله يتحرك حوله ، السلالم الكهربائية في كل اتجاه صعوداً وهبوطاً ، حركات الناس السريعة ، الأضواء المبهرة ، الاطفال والشباب يلعبون ويتزلجون على الجليد الصناعي ، الصخب حوله في كل مكان ، حقاً أنه عالم صاخب وغريب لم يراه وكان لم يكن ليراه لولا هاذين الصغيرين ،،،
أحس بالمتعه والسعادة ،،،،
لم يبالي بعظامه الضعيفه الهشه ،،،
حتى لو لم يتبقى للرجل الزجاجي أيام وسنون أخرى ، فيكفيه أحساسه بالسعادة للحظات ، وخروجه أخيراً للعالم الصاخب ،،،،،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة لبول سيزان

السبت، 11 ديسمبر 2010

العمارة الزرقاء

قام بتوصيل حبيبته وصديقته الى بوابة العمارة التي تسكن فيها ، كان يُطلق عليها العمارة الزرقاء نظراً للون واجهتها الزرقاء المميزة ،،،،
يعودان سوياً من المدرسة ويقوم بتوصيلها ثم يعود الى بيته بالقرب من العمارة الزرقاء ،،،
كانا في المرحلة الثانوية ، يجمعهما الحب والصداقة منذ الصغر ،،،
بعد الغداء يشرب الشاي مع أبيه وأمهُ ويظل يتحدث معهم في أمور كثيرة تخص الجيران وشئونه في المدرسة ، ثم يذهب للأستذكار في غرفته ،،،،
غرفته متوسطه بها سريره ومكتب صغير يذاكر عليه ، ومكتبة صغيرة عليها كتبه وبعض  اسطوانات الموسيقى والكمبيوتر ، وشباك مطل  على الشارع الرئيسي والشوارع الجانبيه ، كان يسكن في اخر دور ويكشف كل العمارات القريبه بما فيها عمارة حبيبته ، العمارة الزرقاء ،،،،
بعد أن ينتهى من استذكار دروسه ، يأتي بالنظارة المقربة ويقف في شرفته ينتظر حبيبته ان تخرج الى شرفتها كي يراها ، ويتصل بها تليفونياً فيراها ويسمعها ،،،،
يبحث بنظارته عنها  ،،،
ينظر الى العمارة ، تحاوطها بعض الأشجار ، ويحدث نفسه وهو يبحث بنظارته المقربة ،،،
اسفل شُرفة حبيبته ، شقة ذلك العجوز الذي يسكن وحيداً بعد وفاة زوجته وهجرة ابنه الوحيد للخارج ،،،
الرجل مُصاب بالوسواس القهري ومُصاب بمرض هشاشة العظام منذ زمن بعيد ، قالت له حبيبته في مرة ان عظامه مثل الزجاج ، لذلك رأي بنظارته ان العجوز قام بأحاطة كل اساس منزله وكل حواف الحوائط بالأسفنج خوفاً ليصتدم بها وتتفتت عظامه ، لم يخرج منذ سنين ، كان يخاف العالم الخارجي ويخاف حتى درجات السلم ليقع عليها ،،،،
هاهو الرجل العجوز يتمشى في شقته مستنداً على عكازه ، يجلس على الأريكة يشاهد التلفاز ويأكل ، ربما أرز بلبن او مهلبيه ، أنه شيء أبيض غير واضح ، ترك الطبق من يديه ونام في مكانه ،،،،
يحرك نظارته المقربة للأعلى قليلاً ،،،،
انه الرجل الوسيم الذي يشغل منصباً هاماً ، زوجته دائمة السفر للعمل في الخارج ، فهو وزوجته يعملان في احدى الشركات الأجنبية ،،،
يجلس دائماً بالسروال القصير ونصفه الأعلى عارِ، ذهب ولبس الروب ، ثم يذهب الى باب شقته ربما ينتظر ضيفاً ، اوووووه انها فتاة جميلة ، هذا الرجل يخون زوجته ، انه يقبلها ويأخذها بين ذراعيه ، أحضر مشروباً غريبا ربما خمراً فهي ليست زجاجة مياة غازيه ، اخذ الفتاة من يديها وهما يضحكان سوياً واختفيا ،،،
مسكينه زوجته فهي سيدة محترمه ، دائماً ماتعاملنا بلطف انا وحبيبتي ،،،
من هذة ؟؟
اه انها السيدة الهادئة والجميله ، زوجها مات في حادث منذ سنتين ، وذهب أبي الى جنازته فأبي كان يعرفه ،،،
لها أبنة واحدة في نفس عمرنا انا وحبيبتي ،،
تقف وحيدة أمام منضدة ، تمسك بيدها سكيناً وتقطع بعض الفاكهة ،،،
قطعت أصبعها بالسكين وسال الدم منها ، واتكأت على المنضدة تبكي ، الدم مازال ينزف منها وهي منحنية على المنضدة أمام صورة زوجها المعلقه على الحائط ، هاهي بنتها جائت ، أمسكت يديها ووضعت المنديل على أصبعها ثم احتضنا بعضهما  ،،،،
نظر الى الأعلى قليلاً ،،،
يومياً يتشاجرا وأحياناً يضربا بعضهما ، حبيبتي قالت لي مرة انهم ظلا يضربا بعضهما بأواني المطبخ حتى ظن الجيران انهم قتلوا بعضهما ، أبنهما سيء السمعة في الحي فهو يشرب المخدرات وسرق في مرة سيارة أبيه !!!
ها هي حبيبتي خرجت الى شرفتها ، أنها تسقي الزرع كالمعتاد ، سأذهب لأكلمها على التليفون ،،،،
يأتي الصباح ويذهب الي حبيبته بدراجته كي يذهبا سوياً الى المدرسة ،،،
يقف معها أمام باب عمارتها الزرقاء ،،،
يقفان وينظران للسكان ، كلٌ منطلق الى حياته ،،،،
هذا يركب سيارته ،،،
وهذه وابنتها يتمشيان سوياً ،،،
والرجل العجوز يجلس وحيداً في شقته  مازال خائفاً من العالم الخارجي ،،،،،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة لسلفادور دالي

الخميس، 9 ديسمبر 2010

السجين

انتهى لتوه من رسم لوحة جديدة ، مع بداية المساء يفضل أما الرسم أو القراءة ،،،
هذا ماتعود عليه طول فترة عقوبته في السجن ،،،،
السجن مدى الحياة كانت هي عقوبته ، هل من المهم ذكر لماذا سُجن ؟؟
قال لنفسه ، ربما ليس لأني قاتل ، ربما لأني أكلت من الشجرة المحرمة التي أكل منها ادم ،،،،
لوحاته مرتبه في دفتر كبير ، امراة جميلة تنظر لرجلُ مصلوب ،،،
شاب نحيل رث الثياب يلف ذراعيه حول جسمه أمام رياح وبرد الشتاء ،،،
قط ينقض على عصفور بريء ويلتهمه ،،،
لوحه لم تكتمل لشاب وفتاة يمتطيان فرساً على شاطيء البحر ،،،،
قال : هل حبي هو الشجرة المحرمة التي أكلت منها فبسببها دخلت سجني مدى الحياة ؟؟
بدأنا حياتنا سوياً ، كأننا قد ولدنا في لحظة واحدة من رحم واحد ، حبونا معاً على رمال شاطيء الحياة ، نقاوم ثقل الرمال وحرارتها ، ونواجه امواج مد البحر ، ونتماسك سوياً في وجه موجات الجذر ،،،
لم نكن لننفصل الا مع الموت ، كروح وجسد ، حتى مع الموت لكنا روحين اتحدتا في روحٌ واحدة ،،،
أواجه قسوة الشتاء القارس من أجلها ، أظل أرسم في الميادين العامة ، من أجل بعض النقود ليس لي ولكن لها ،،،
أتنقل على ألارصفه ، أبيع لوحاتي ، وأعمل كل شيء وأي شيء ، وكنت سعيداً ،،،
نتمشى سوياً بعد أن هدأت خطوات البشر في الطرقات ، تعاكسنا أضواء السيارات المسرعة ، وأضواء اللوحات الأعلانية ، ننظر لعيوننا داخل فاترينات الدكاكين المغلقة ، نتهامس تحت عواميد الأنارة،،،،
أوشكت على الأنتهاء من الاستديو الخاص بنا ، نتزوج فيه ، ونحقق أحلامنا التى رسمناها سوياً على لوحات أيامنا ،،،،
تزوجت ذلك التاجر الثري الذي يشتري لوحاتي ويبخس ثمنها ، أختفت وعِلمت أنها تزوجته !!
كنت مجرد لوحة زيتيه سرقتها  ثم باعتها ،،،
قتلته ولم استطع أن اقتلها ،،،،
لا أدري ان كان سجني بسبب أني قتلت ، أو لاني أكلت من تلك الشجرة التى تسمى الحب ،،،
اللوحة الأخيرة ،،،،
سجينٌ مشنوق ، مسلط عليه ضوء القمر من شباك الزنزانة الصغير ، وظله على الحائط المقابل يتداخل مع ظل شجرة جرداء ,,,,,,,,

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة لسلفادور دالي

الاثنين، 6 ديسمبر 2010

أنتظار المسيح

الفصل الأول

وحيداً في خلوته الخاصة في الكهف المطل على البلدة من قمة الجبل ، مع كل فجر يوم جديد يسمع صوت الكروان  مغرداً او ربما باكياً ،،،
خرج من الكهف يتنفس يناسيم الصباح ، اقترب منه كلبه القوي يتمسح فيه ويتبختر حوله ،،،،
كان يرعى بعض الاغنام  على السهل الممتد أسفل الجبل ، ويزرع قليلاً من الخضروات والقمح على مياه الأمطار الموسمية ، فكان لا ينزل أبداً الى البلدة منذ أن هجرها من سنين ، ولو أحتاج الى شيء منها فكان يوصى احد المارة من التجار أو المسافرين ان يأتوه بما يريده اثناء عودتهم ،،،،
في كهفه مصطبة من الحجارة مفروشه بفراء الغنم وبعض الأواني النحاسيه موضوعه جانباً ،،،،
مجلدات وكتب عتيقه موضوعه في صناديق خشبية يحيطها جلود الماعز كي تحفظها ،،،
يجلس خارج الكهف ناظراً ومطلاً على البلده ، يصنع سيفاً و درعاً خشبياً ،،،
أحياناً يرى النيران تندلع في احد البيوت في البلدة ويسمع صرخات اصاحبها ،،،
عسكر الحاكم الأشداء يضربون رجلاً من الأهالي لم يسدد الضريبة المفروضه ،،،،
لا يبالي كثيراً بما يراه ، فهذا يحدث كثيراً منذ زمن بعيد ،،،،
يسمع حكايات كثيرة من المارة بما يحدث في الأسفل ، الحاكم كل شهر يتزوج فتاة ، رغم انه بلغ من العمر عتياً ، قائد العسكر  يستولى على أراضي جديدة بأوامر والده الحاكم بحجة تأمين البلده وحفظ النظام ،،،،
وحكايات كثيرة يسمعها من التجار ، احدهم كان يمر بحماره وكان الراعي يسرح بأغنامه في السهل الاخضر للجبل ، فجلس يستريح بجواره ، وبدأ حديثه معه وكان الراعي قليل الكلام يستمع اكثر مما يتحدث ،،
فحدثه وقال له : كنت أصلي في المسجد وكان يؤمنا شيخ البلده وأمامها وعندما فرغنا من الصلاة دخل علينا رجل عجوز يلهث وظاهر عليه الأعياء الشديد وقال للشيخ اغثني يا مولانا ، فرد عليه الشيخ ماذا بك ، فقال له الرجل : ان العسكر يطاردونني ، فرد عليه الشيخ وقال : ماذا فعلت كي يطاردوك ، قال الرجل وهو يلتقط أنفاسه : لقد جائوا على ارضي وطلبوا مني ان أسلم نصف الغلة المخزنه في الجرن الخاص بي وأسلمهم نصف البهائم ، فقلت لهم هذا تعبي طوال العام ورزق أولادي ، قالوا لي : هذا ليس شأننا انه من أجل مولانا الحاكم ومن اجل الدعم العسكري والأمني للبلده ، وعندما رفضت ضربوني وقبضوا على أبني وطاردوني ، قل لي ماذا أفعل يا حضرة الشيخ ...
فرد عليه الشيخ وقال : يا ولدي طاعة الحاكم من طاعة الله والرسول والله لعن كل متمرد مارق ، ومادام مولانا الحاكم ترك لك نصف الغلة فهذا يكفي ، لكن لابد لنا من طاعة ولي الأمر ، واذهب والتزم بأوامر النظام هداك الله للطريق المستقيم ....
عندما انتهى التاجر من الحكاية نظر له الراعي وابتسم وقاد رعيته من الاغنام وصعد الى كهفه ،،،،
جلس كالمعتاد يصنع سيفاً ودرعاً خشبياً وكلبه باسط ذراعيه بالوصيد ، رأي فتىً صغيراً يصعد الجبل ويترنح ويقترب منه ، استيقظ الكلب ونفض نفسه ورفع اذنيه استعداداً لملاقاة الغريب ، وعندما اقترب الفتى نبح الكلب ، وفجأة سقط الفتى بالقرب من الكهف ،،،،
ذهب له الراعي وحاول أن يفيقه لكن الفتى لم يفيق ، فحمله على كتفيه وأدخله الى كهفه ووضعه على فرشته ، كان الفتى في أعياء وحمى شديده وبه اثار من جروح ، ظل يطببه ببعض الأعشاب والأدوية والفتى يفيق للفترة يشرب الماء وحساء الضأن وينام مرة أخرى ،،،
ظل على ذلك ثلاثة ليالي حتى بدأ يستعيد صحته تدريجياً ،،،،
قال له الراعي : حمد لله على سلامتك يا ولدي ، لقد كُتب لك عمراً جديداً ، فقد كنت على شفا الموت  ، لكن وفقني الله لانقاذك ...
حاول الفتى ان يقوم ، فنهره الراعي برفق وقال له : لا تتحرك أستريح كما كنت ..
قال له الراعي وهو يبتسم : ماهي حكايتك يا ولدي وماذا ألم بك وجعلك هكذا ؟؟
قال الفتى في وهن : أنا من البلدة التي في الأسفل ، والدي مات وأنا طفل صغير ، وكنت أعيش مع أمي في بيتنا وحقلنا الصغير ، نحن فقراء جداً لا نملك الا هذا الحقل الصغير وبقرة واحده نعيش على لبنها ، وكان علينا ضرائب مستحقه للحاكم ، لكننا لا نقدر عليها ، جائنا عسكر الحاكم أكثر من مرة كي يطلبوا مننا الضريبة ، واخر مرة جائوا الينا طلبوا مننا تسليم البقرة التي نملكها فرفضت أمي فضربها قائد احد العسكر فعندما رأيته يضرب أمي فأندعفت بكل قوة وانا امسك حجراً كبيرا ووجهته على رأسه ، فسقط صريعاً في الحال ، فتجمعوا حولي وضربوني أنا وامي وقتلوا البقرة بسيوفهم عقاباً لنا ، رأت أمي  البقرة في دمائها تموت ، فماتت أمي كمداً وحزناً وطلبت مني الهرب حتى لو يزجوا بي في السجن ، فهربت وتركت أمي ميته وصعدت الى هنا ،،،
ابتسم الراعي للفتى وقال له : لا تفكر في شيء ، استرح فقط ولا تخف ،،،،
بعد مرور عدة أيام ، كان الفتى يساعد الراعي في الزراعه ويتعلم منه اشياء كثيرة ،،،
مع الشروق والكروان يغرد كعادته ، وجد الراعي يجمع الكتب ويعطيها للفتى وقال له احتفظ بها ، واخذ سيفه ودرعه الخشبي وامتطى حماره وقال له اتبعني سنهبط الى البلدة ،،،،،

الفصل الثاني

تبعه الفتى على الحمار الثاني وخلفهما الكلب القوي ،،،
كانت الشمس قد اشرقت على البلدة ، كلما اقترب منها ازدادت وحشه وكأبه ، وكهفه والسهل الأخضر يبتعد أكثر وأكثر ،،،
دخلا الى البلده وهو ممسكاً بسيفه ودرعه الخشبيين ، والفتى يتبعه خائفاً ،،،
كان سوق البلدة في مدخلها وقد بدأ يعج بالزبائن الفقراء ، والدكاكين تكاد تكون خاوية من البضائع ، ووجوه الناس كالحه مكفهرة ، والعسكر يتجولون في كل مكان ، هذا يضحك وهذا ممسكاً ببرتقاله يأكلها بقشرها ،،،
عندما وقعت عيناهم على هذا الراعي العجوز ممسكاً بسيفه ودرعه الخشبيين  ظلوا يتهامسون ثم بدئوا في الضحك والسخرية منه ، والعسكر يقتربون منه وهم يستهزئون به ويطلبون منه المبارزة ،،،
لم يبالي بكل هذا بل استمر راكباً حماره متجهاً الى الساحة الكبيرة في البلدة ،
كان يتبعه بعض الفتية والأطفال من القرية وقليل من الرجال ، عندما وصل الى الساحه جلس على صخرة كبيرة مرتفعه واضعاً سيفه ودرعه الى جواره ،،،
عندما تجمع الكثير من الأهالي ، وقف على الصخرة متكئاً على سيفه وبدأ فيهم خطبتهم ،،،،
قال : أيها الضعفاء أسمعوا وعوا ... لقد هبطت من خلوتي لأني رأيت الظلم قد بلغ  مداه ، أحاول لمرة أخيرة ان أستثير فيكم رغباتكم في العدل واعتراضكم على القهر والظلم ، احرك فيكم غرائز التوق للحرية والحياة الكريمه ، محاولة لقتل شيطان الخنوع والذل الذي يسيطر عليكم ، أفيقوا قبل أن تُقتل فيكم أخر مايتصل بالأنسانية من كرامة ،،،،
بعضهم يستمع له وهو خائف يرتجف ، ومنهم من يشفق عليه ويقول لرجلٌ يقف بجانبه ، مسكين انه مجنون كان يعيش في كهفه وحيداً ويقال انه تلبسه الجن ، وكثيراً منهم يضحك ويقولون : أنه رجل خرف هبط من الجبل كي يحارب العسكر والحاكم بسيفه الخشبي  ، أنه ابله فيه حد يترك حقله وحياته في كهفه ويأتي الى هذة البلدة الملعونة هاهاهاهاها
أستكمل الراعي خطابه : انا رجلٌ ضعيف أملك سيفاً ودرعاً خشبيين ، لكني أحاول أن أقاوم بهما لاني لا املك غيرهما ، أما انتم فتستطيعون ان تصنعوا سيوفا ودروعاً حقيقيه ، اذهبوا واصنعوا سيوفكم ودروعكم وقاوموا ودافعوا عن عرضكم واولادكم وارضكم ،،،،
بعد أن ضحك العسكر قال كبيرهم ، كفى هذا يجب أن نقتاده الى قصر الحاكم كي يرى مايجب في أمره ،،،
صعد العسكر الى الصخرة ومسكوا به ، وهو يزعق في الناس ويردد :
اذهبوا واصنعوا سيوفكم ودروعكم وقاوموا ودافعوا عن عرضكم واولادكم وارضكم ،،،،
كان ينظر له الفتى وبجواره الكلب ، كان حزيناً ينظر له بأسى ، فأبتسم له الراعي ،،،
أقتادوه الى قصر الحاكم ،،،،
الحاكم كان يجلس متكئاً نصف نائماً على أريكه واسعه ، قد تجاوز السبعين من عمره ، كرشه مستدير ، ووجه ممتليء بالدهن والشحوم ، صدغه وردي اللون ، أصلع الرأس ، ويتصبب عرقاً بأستمرار بسبب ضيق الملابس الحريريه ،،،
دخل عليه العسكر بعد أن اذن لهم الحراس ، والراعي مسربل في قيوده الحديديه ،،،،
قال وهو يحس بالنعاس : من هذا وماذا فعل ؟؟
فرد عليه الحراس وحكوا له ما حدث ، فاستدار في جلسته وضحك بصوت مجلجل وقال : سيفاً ودرعاً خشبيين ، وثورة ضعفاء وجياع ،
وماذا ايضاً ؟؟
فقال احد العسكر : تبعه بعض العامة الى هنا وكانوا حزينين عليه ...
فقال الحاكم : اممممم طيب ، أعلنوا للناس اننا سوف نحاكمه علنية أمام الناس غداً في الساحة الكبيرة في حضور شيخ القرية وكبارئها ،،،
اقتادوه الى الساحه الكبيرة وقد احتشد الناس جميعاً كي يشهدوا المحاكمه ،،
ربطوه في جذع شجرة كستناء ، وجلس الحاكم وبجواره أبنه قائد العسكر وأمام القرية وقاضيها ، واثنين من كبار تجار القرية ،،،
قال الأمام والقاضي الى الراعي : ماذا تقول فيما منسوب اليك من تهييج الناس على الحاكم واثارة الفتنة والبلبله ؟؟
صمت الراعي ولم يتكلم ،،،
فردد القاضي السؤال وقال : الا تدافع عن نفسك ؟؟
فلم يرد الراعي ،،،
قال الحاكم بعد ان تجشأ : اذن ماحكمكم يا كبراء القرية ؟؟
فرد احدهم : نرى ان يتم حبسه بتهمة الجنون ، واقر الاخر بالموافقه ...
قال الحاكم : وانت أيها القاضي ؟؟
فقال القاضي في هدوء : انه مجنون وهبط من الجبل بعد أن فقد عقله في خلوته ، فيذهب الى السجن ...
قال الحاكم : أنه ليس بمجنون ، أنه مارق يريد أن يعيث في البلده فساداً ، فما جزاء ذلك أيها القاضي ؟؟
قال القاضي : اذن جزائه أن يُصلب ، جزاء من سعى في الارض فساداً أن يقتل او يُصلب ....
قال الحاكم : فليُصلب ....

بدأت الهمهمة بين الناس ، لم يحركوا ساكناً ، بعضهم لم يبالي ، والبعض الأخر كان يضحك وينتظر أن يرى ذلك المشهد من الصلب ، وقليلاً منهم أحس بالشفقة والحزن على ذلك الرجل الطيب ،،،،
أبتسم الراعي وبدئوا في صلبه ودق رجليه ويديه في جذوع شجرة الكستناء وتركه حتى الموت ،،،
شروق اليوم الجديد ، الكروان يغرد من بعيد ،،،،
والغربان استيقظت مبكراً تراقب المصلوب من على اغصان الاشجار القريبه ،،،
ملقى بجواره سيفه ودرعه الخشبيين ، جفت دمائه المتساقطة عليهم ،،،
اقترب منه الفتى والكلب ، بعد أن ابتعد الحراس وتركوه حتي الصباح كي يدفنوه ،،،
اقترب الفتى ليأخذ السيف والدرع ،،،
فقال الراعي في ضعف ووهن يكاد صوته لا يُسمع : لا ياولدي لا تاخذ السيف والدرع ، انت محتاج سيفاً ودرعاً حقيقين ، أعلم انني لست المسيح المصلوب ، المسيح المنتظر لهذه البلده سيأتي لكن لن يأتي من نفسه ، يجب ان تساعدوه كي يأتي ويخلصكم ، اصنع سيفك ودرعك كي يأتي المسيح ،،،
صمت الراعي ومات ومع شروق الصباح وتغريد الكروان الذي مازال يأتي من بعيد ,,,,, 

وانصرف الفتى ، وظل الكلب ربطاً بجوار صاحبه ,,,,,,

الخميس، 2 ديسمبر 2010

شموع اطفأتها العاصفة

مذكرات الحرب والحرب  ،، شموع اطفأتها العاصفة ،، 
 
شتاء 2010 \ الكويت
 

على كرسيها المتحرك كانت في متحف شهداء القرين ،،،

ذرفت دمعة  رقيقة على وجنتيها وهي تقرأ اسماء الشهداء والمفقودين في الحرب من ذويها وأهلها ،،،

كان أسم أبوها محفوراً ضمن أسامي العشرات من الشهداء والأسرى ،،،

عادت بذكرياتها للوراء الى اكثر من تسعة عشرة عاماً ، كان لا زالت طفلة
ابنة الثماني سنوات  ، لكنها تتذكر وتعي كل ماحدث حولها في ذلك الصيف الدموي ،،،،

صيف 1990 \ الكويت


الصيف هذا العام شديد الحرارة كالمعتاد ، لكن مايخفف من هجير تلك الصحراء وحرارة هذا الصيف هو مياه الخليج الصافية ،،،

كانت معتاده تخرج الى البحر هي وأبيها وأمها ، في كل اجازة يحصل عليها
أبوها من وظيفته في الجيش ، يأخذها الى البحر فتسبح وتلعب مع الطيور التي ترفرف على مياه الخليج ،،،،،
كان أقترب عيد ميلادها السابع ، ووعد أبوها بأجازة في الخارج ، لكنه لم يستطيع ،،،

فقد تم منع الأجازات في الجيش بس التوتر الحالي على الحدود العراقيه بسبب
نزاع على تسديد فواتير خاصه بالحرب العراقية الأيرانية  وعلى ابار حدوديه محل خلاف مشترك بين البلدين وخلافات اخرى خاصه بقيمة اسعار النفط  ،،،

2
أغسطس 1990 \ الكويت


تسارعت دقات طبول الحرب العراقية وجاء الاجتياح مزلزل للبلد الصغير ،،

لم تستطع الأحتفال بيوم مولدها ، عندما أوشكت ان تضيء شمعاتها السبع ،  فاذا بعاصفة الحرب تطفأها ،،،،

الأجتياح البري بالمشاه والدبابات من كل الحدود الشمالية ، هجرة اغلب
المقيمين وهروبهم من جحيم الحرب عبر الحدود السعودية ، قصف صاروخي لبعض المناطق ، الأستيلاء على مقر وزارة الأعلام وأعلان الكويت المحافظة العراقية التاسعة  عشرة ،،،،،،،
عمليات سلب ونهب واسعة من قبل القوات العراقية شملت جميع المرافق  ، حتى الأسواق والمستشفيات ،،،
أعتقال المئات من المدنين والمقيمين والأجانب ،،،
 حاول الأب الاتصال بأسرته الصغيرة وطمأنتهم ، فقد تم أسر وقتل اغلب زملائه ،،
قرر ان يُخرجهما من الكويت بمساعدة أهلها ويبقي هو لتأدية واجبه ، لكنه فشل فقد تم محاصرة الحي ،،،
كانت الأم تجهز أبنتها للهرب ، اخذت السيارة وحاولت كسر الحصار ،،،
القذف المدفعي كان يقترب من الأحياء التي على اطراف الكويت العاصمة ،،،،
أصابت السيارة احدى القاذفات ،،،،
سقطت الأم والطفلة وتم نقلهم لاحد البيوت وتهريبهم الى داخل السعودية ،،،،
في المستشفي ماتت الأم وتركت أبنتها مُصابة بالشلل في رجليها ،،،،

شتاء 1991 \ معارك حرب الخليج الثانية \ الكويت

قصف جوي من قبل قوات اربعة وثلاثون دولة سُميت بعد ذلك بقوات التحالف ، كانت قد بدأت حرب الخليج الثانية لتحرير الكويت ،،،،
مع القصف الجوي الشامل والقصف الصاروخي من قبل حاملات الطائرات السابحة في الخليج ومن قبل القواعد العسكرية في السعودية وقطر والأمارات ، كانت تجرى حرب مقاومة من قبل بعض الشباب وظباط الجيش ،،،،
كان الأب هو وبعض الشباب مُحاصرين في منطقة القرين من قبل العشرات من القوات العراقية ،،،،
اعتصموا داخل أحد الأبنية السكنية يدافعون عن أنفسهم بالأسلحة الخفيفه ، أسقطوا من قبل الغزاة الكثير ، وبدأت التعزيزات العراقية ،،،،
اقتحمت القوات الغازية المبنى واسرت الكثير من الشبان وقتلت الباقي منهم ،،،
أبى أن يتم أسره فظل يقاوم بسلاحه الخفيف حتى قُتل وهو يدافع عن وطنه الصغير ،،،،،
تم تحرير الكويت ، لكنه لم يشفى الجرح الغائر الذي انغرس في قلب هذا الوطن الكبير ،،،
تلوثت مياه الخليج الصافية بعد تسرب النفط من المصافي المدمرة ، وماتت طيور الخليج مختنقه بعاصفة الحرب ،،،،
لم يعد الخليج صافياً الى الان فقد تم تلويثه بالكراهية ومخلفات حاملات الطائرات الغربية ،،،،
ظلت الفتاة في غيبوبه طويلة في المستشفى لا تعلم بما أصاف أبوها وأمها ، لعلها تحلم في غيبوبتها بغداً افضل لا يقتل الأخ أخيه وتعود مياه الخليج صافيه كما كانت ، وترفرف عليها طيور الأكاسيا والبط المهاجر ،،،،،

بعد مرور ثمانية عشرة عاماً \ الكويت

في بيت جدها وفي غرفتها وعلى الحائط معلقة صورتي أبوها وأمها ، وبجانب الصورتان  الوسام الأميري لتكريم أبوها ،،،،
الفتاة تطوعت في منظمة خيرية لرعاية الأطفال من ضحايا الحرب في العراق وفلسطين ،،،
أدركت بقلبها وعقلها انه لا سبيل للكراهية والأنتقام ، فالكل ضحية مصالح وحكومات فاسدة ، أدركت انه ليس هناك سبيل للأنتقام من العراق ،،،
فالعراق دمر نفسه وعاقبها بالفعل ،،،،،،


الأحد، 28 نوفمبر 2010

سَفر الأحلام

أحكم ربط الكوفيه الصوف حول عنقه لتدفئه جيداً ، كان الجو هذا الصباح بارد والضباب والشبورة المائية بعد الفجر يملئان الدنيا ،،،
الندى وبخار الماء يغطيان سيارته الكبيرة ، فأخرج فوطته الصفراء ولمع السيارة جيداً ، وقام بتشغيل الراديو على اذاعة القاهرة ، برامج الصباح الأخبارية والمنوعه والأغنية المعتادة صباحاً : يا صباح الخير يالي معانا .. الكروان غنى وصحانا ،،،،
أشعل سيجارة وانطلق بسيارته بأتجاه موقف سيارات الأجرة واتخذ دوره بين السيارات الأخرى ،،،
بدأ الزحام من الموظفين وطلبة الجامعات ،،،
وذهب ليشتري سندوتشات الأفطار مع كوب الشاي وجلس على طاوله يراقب سيارته والزبائن ،،،،
بدأت السيارة تمتلىء بالزبائن ،،،،
سيدة عجوز وزوجها ذاهبان لزيارة بنتهما المتزوجه في بلد اخر بعيد عنهما ، يمسكان حقيبة وسلة صغيرة بها بعض الهدايا للابنة ،،،،
ثلاثة عساكر يخدمون في الجيش احتلوا المقاعد الخلفية ، قد انتهت اجازتهم وراجعون الان للمعسكر الذي يخدمون فيه ،،،
سيدة صغيرة في السن تحمل ابنتها الرضيعة التي تبكي ، معها حقيبة ملابس صغيرة ، الدموع تغطي وجه السيدة ، من الواضح انها غضبى من زوجها وفي طريقها الى بيت اهلها ،،،
طالب جامعي لحيته كثيفه ، اول ماركب السيارة لبس نظارته الطبية واخرج مصحف صغير وبدأ في قراءة القرأن سراً ،،،
ظل مكاناً شاغراً في السيارة ....
وقف ينتظر كثيراً حتى تكتمل السيارة وينطلق ، الركاب اخذوا يتململون ،،،،
جائت من بعيد تنظر  حولها كأنها تبحث عن شيء ،،،،
نظر اليها وقال : الاسكندرية ؟؟؟
التفتت اليه كأنه نبهها الى المكان الذي يجب ان تذهب اليه فقالت : اه نعم نعم الأسكندرية .....
ركبت السيارة بجواره ، والسيدة الغضبى بجوار الباب ،،،
أحكم اغلاق أبواب سيارته وقام بمسح الزجاج ثم ركب سيارته : وطالب الركاب بقراءة فاتحة الكتاب وقال توكلنا على الله ،،،،
كان العساكر الثلاثه يتكلمون ويهزرون بصوت عالي ، والرضيعة الصغيرة تبكي تارة وتنام ، والسيدة العجوز هي وزوجها لا ينفكان عن الكلام والذم في زوج ابنتهما ،،،
قام بتحريك مرأة الرؤية الخلفية فوقع عينه على عيناها ، كانت عيناها شديدة الجمال ، سوادهما يخفي كثيراً من اسرار صحبته ، مع الطريق كان الحزن يخنق تلك العيون السوداء ،،،
طلب من الركاب تجميع الأجرة ،،،
ثم بدأ حديثه معها : أي مكان تحبين أن  تذهبي في الأسكندرية ؟؟
قالت وهي تنظر الى الطريق الممتد والسيارات المسرعه : لا أدري ....
نظر الى عيناها في المرأة فوجدها غير منتبهه له وقال : اذاٍ لماذا ركبتي معنا ؟؟
تساقطت دمعة صغيرة من عيناها وقالت : وجدتك تقول الأسكندرية فأحسست ان جائني جواب سؤالي الى اين اذهب ....
بلد أبي ومسقط رأسه لكننا هجرناها منذ زمن ، والان اعيش مع أمي وزوجها بعد وفاة أبي ....
كانت الرضيعة قد نامت ، وأمها وضعت رأسها على زجاج الباب المجاور لها ونامت مع طفلتها ،،،،
قال لها : مازلتي صغيرة على كل هذا الحزن ...
أبتسمت أبتسامه صغيرة بين دمعتها وقالت : الحزن ليس بعمر الواحد منا وأنما بما يعانيه فقط ، يوجد ما يعاني في سنة أكبر ما يعانيه غيره في خمسه وستة سنوات ،،،،،،
قام برفع زجاج الباب ، كان الهواء بارد فخاف على الطفلة الرضيعة ان يصيبها الهواء بالبرد ،،،،
قال : لا يوجد في هذه الدنيا ما يستاهل ان نحزن من أجله ، الطريق والسفر علموني أن الحياة ماهي الا طريق نبدأه ولابد له من نهاية وكل منا له محطته التي يصلها وتنتهي عندها رحلته ،،،،
وصل الى المدينة وبدأ الركاب كل واحد فيهم ينزل في محطته التي جاء من أجلها ،،،،
كانت الشمس ساطعة وغيوم الشتاء وقت الظهيرة قد تبددت ، وقف بسيارته بجوار الكورنيش وقال لها : تعالى نجلس أمام البحر ....
بدأت تكفكف دموعها ،،،،
كان صبي على الرمال يلعب بطائرته الورقيه ، يستمتع بدفء الشمس وهواء البحر يحمل الطائرة الورقية ويمرجحها يمنة ويساراً ،،،
أنطلق الى الشاطيء ، وبدأ يلعب مع الصبي ، ينثر عليه الماء والطائرة تطير وهما يجريان خلفها ،،،
كانت هي تراقب من بعيد وتضحك ،،،
انفلتت الطائرة من الصبي وظلا يطاردنها ،،،
ذهبت اليهما واخذت تجري معهما تطارد الطائرة ،،،
كانت الطائرة تلمع تحت اشعة الشمس ، والهواء يأخذها بعيداً ،،،
وهم يطاردونها كأنهم يطاردون سعادتهم واحلامهم الى أن يمسكوا بها في يوماً من الأيام ويصلوا اليها  ,,,,,,,,

الأربعاء، 24 نوفمبر 2010

الدائرة المغلقه

ازدادت ضربات قلبه بشدة وتسارعت انفاسه ، واستيقظ فجأة من نومه وهو غارقاً في عرقهِ ، وسادته كان يبللها العرق بشكل كبير ،،،،
أنه نفس الكابوس الذي يطارده بأستمرار ،،،،
حاول ان يتنفس بهدوء ويأخذ نفسٌ عميق ، ظل جالساً على سريره واضعاً رأسه بين كفيه ، بحث عن زجاجة المياه بجوار السرير فشرب منها قليلاً ثم أفرغها على رأسه ،،،
وقف والماء يبلل شعره ويتساقط منه ، ثم نظر الى الصور المعلقه على الحائط والموضوعه في براويز صغيرة على مكتبه ، كانت جميعاً له هو وزوجته الجميله ،،،
واحده على البحر واخرى لها وهي في مدينة الملاهي واخرى على سفح الجبل ،،،
ذهب الى الحمام وفتح صنبور الماء الساخن وظل تحته كثيراً يغسل افكاره وقبلها يحاول ان يغسل احزانه ،،،،
خرج من الحمام وصنع لنفسه كوب القهوة وارتدى ملابسه الثقيلة وخرج من بيته ،،،
كان الجو بارد والمطر لم يتوقف منذ الليلة السابقة ، فأحس بثقل قطرات المطر على رأسه ،،،،
ميعاد التجمع في مركز التأهيل النفسي مابعد الأدمان !!!
تردد ان يذهب هذا اليوم ، فقد مل الذهاب وسماع قصص المرضى ، لكنه ذهب ليتحاشى اتصالهم المستمر ،،،
تجمعوا في القاعه الكبيرة وجلس المعالج النفسي في أولها ، وجلس هو في اخر الجانب الايمن من القاعه وظل يستمع لاعترافات المرضى واحزانهم وخوفهم من الانتكاسه والعودة للأدمان ،،،،
جاء الدور عليها لكي تتحدث ، فتاة جميلة في الثلاثين من عمرها ، يظهر عليها بعض الهزال والتعب مازال في عينيها لمسة من الوهن والضعف  ،،،
أبتسمت ابتسامة رقيقة وتحدثت ، القت السلام ثم عرفت بنفسها وسنها وقالت : اقلعت عن الادمان منذ عامين بعد معاناة شديدة وتجربة مريرة عشتها لكي ابرأ منه ، فقدت أمي وانا في العاشرة من عمري ولي أخ واحد يكبرني بخمس سنوات ، كان أبي يعمل في الخارج وبعد وفاة امي تزوج واصطحب زوجته الى البلد التي يعمل بها وتركني انا واخي في رعاية خالتي التي لم تتزوج ، واغدق علينا الكثير من المال ، وكانت خالتي تسيء استغلال هذا المال ، كانت خالتي شديدة الاستهتار ولا تجيد التعامل معنا ولا الحزم  في هذة السن الخطرة ، لم يكن لي غير أخي يوجهني ويعلمني الصواب من الخطأ ، الي ان فقدته في حادث سيارة رحمه الله وهو في سن الثانية والعشرين وكنت أنا في السابعة عشرة ، لم يكترث أبي لما حدث ولم يقرر حتى ان يعود الي او يأخذني معه ، بل تركني لخالتي ، واحسست وقتها بالمجهول والوحدة ، الي ان تصاحبت على اصدقاء السوء وبدأت بالتدخين ثم السهر كثيراً والأدمان ، كنت أريد ان اموت وارحل عن هذا العالم ، ادخلني أبي اكبر مشفى للعلاج من الأدمان وبدأت رحلة العلاج المضنية والصعبه ، اكثر من ساعدني وأدين له بالفضل بعد الله هو المُعالج النفسي ، كنت كلما اعاني من النوبات والتشنجات يأتيني بعدها ويسمعني القرأن على شرائط الكاسيت ويذكرني بأخي ، وفي يوم وجدته في المشفى .......
كانت وهي تتحدث تنظر له بين الحين والأخر وهو واضعاً خده على يده يستمع اليها ، ناظراً الى عينيها ،،،
ثم استكملت : وفي يوم وجدته في المشفى ومعه طفلة صغيرة وجميله ، قال لي انها طفله يتيمة أسمها على أسمك ، وهي مسؤلة منك منذ الان ، لو تركتيها قد تصبح هي الأخرى مدمنه مثلك ، لقد فتح لي افاق جديدة للحياة وهدف اعيش من أجله ، أصبحت طفلتي هذه هي حياتي ، كلما تنتابني الرغبة في المخدر وادخل في النوبات الشديدة اجدها أمامي تنظر الى وتستحلفني أن اقاوم من أجلها ولا اتركها وحيدة ويتيمه كما عشت انا  ،،،،،،
بدأت الدموع تنزل من عينيها ، فمسحتها وابتسمت ،،،،
جاء الدور عليه كي يتكلم لكنه اعتذر في هدوء وقال ليس عندي رغبة في الكلام ، وهم بالأنصراف ،،،
عندما خرج من القاعة ، خرجت خلفه واستوقفته وقالت له : لماذا لم تتحدث ؟ كنت أريد أن اسمعك ...
احكم اغلاق معطفه بسبب البرد وقال : ليس عندي ما أقوله ...
ابتسمت له وقالت : لا يوجد أحد ليس عنده كلام ، حتى في اكثر لحظات صمتنا يوجد داخلنا ما يمكن ان نتحدث عنه ....
تمشا سوياً وخرجوا الى الشارع ، كان المطر قد توقف لكن الجو مشبعاً بالضباب ، والشوارع مازال بها اثار المطر ،،،
كانا قد تعرفا على بعضهما في مركز التأهيل النفسي ونشبت بينهما الصداقه ،،،
كانت من داخلها تحبه ، وهو لا يدري أيحبها فعلا أم انه يطارد فيها شبح زوجته التي فقدها واتجه بعدها للأدمان والعلاج منه ،،،،

بعد مرور عام ,,,,,,

كان يصرخ صرخات شديدة وهيستيريه ، ومعه الطبيب ، والمساعد يحكم قبضته عليه ، كان يبكي ويقول : انها دائرة مغلقه وأنا اجري داخلها ، اعود لنفس النقطة التي بدأت منها ولا استطيع الخروج أبداً ،،،،
يهدأ قليلاً ويذهب في نومُ عميق ، ويتصبب عرقاً اثناء نومه ويصحو من نفس الكابوس مرة اخرى ،،،
كان قد انتكس علاجه من الأدمان وعاد له مرة اخرى ، فقد تركته فجأة واحس بالوحده بعدها ، لقد استدعاها أبوها الى الخارج كي يزوجها ،،،،
أحس انه فقدها وفقد طريقه للخروج من دائرته المغلقه التي كانت  تزداد احكاماً عليه ،،،،
لم يستطع أبوها ان يرغمها على الزواج والبقاء في الخارج ، فعادت من جديد لطفلتها اليتيمة التي تكفلتها ، وعادت اليه لكي تنتشله مما هو فيه ،،،
ظلت بجواره هي والطفلة يساعداه على الشفاء ،،،،
تعبت معه كثيراً ، ولا تتركه ابداً ، تأتيه بالطعام وتتابع علاجه وتذهب به الى الطبيب ، الى أن بدأ في التماثل للشفاء واسترداد صحته تدريجياً ،،،
وبعد مرور عدة أشهر كانت أول جلسة له في مركز التأهيل النفسي ،،،،
ذهبا سوياً ومعهما الطفلة وجلسا في القاعة ، في المنتصف ،،،
وبدأ بالحديث : القى السلام اولاً وقام بتعريف نفسه وقال : لم أتكلم كثيراً ولكن سأحكي عن الكابوس الذي ظل يطاردني الى ان انتصرت عليه مؤخراً ، كنت أجد نفسي في مكان متسع على هيئة دائرة مغلقه ، جدرانها مرتفعه كأنها عبارة عن جبل دائري وانا في وسطه تماماً ، والظلام يغطي المكان ، وانا اجري داخل الدائرة وأبكي ، احاول ان اتسلق الجدران فأجد رجلي ثقيلة لا تساعداني ولكني احاول ، وكلما اتسلقها اجد زوجتي رحمها الله بجواري تتشبث بي ثم تسقط وتختفي ، وفجأة أجد الجدران اصبحت ملساء واهوي مرة اخرى على الارض ، وكلما أهوي اجد الدائرة تضيق ،،،
ظل هذا الكابوس يطاردني الى ان وجدت الأنسانة التي اخرجتني من تلك الدائرة ، وفتحت لي باباً داخلها ، فلا أعود الى دائرتي مرة اخرى ،،،،،
خرجوا سوياً هو وهي والفتاة ،،،
كان الجو ربيعاً والسماء صافية والنجوم تتلألأ فيها ،،،
أمسكا بيدي الطفلة وانطلقوا سوياً ،،،،،


السبت، 20 نوفمبر 2010

قبل الغروب

لا تزال طيور ابو القردان نائمة ومختبئة في اغصان اشجار الكافور المزروعة على جانبي النيل ،،،،
لم يكن الشروق قد أتى بعد ، مازال شفق الشروق الأحمر يغازل النور ، منتظراً الصباح ،،،،
مع انتفاض الطيور من مهاجعها وهبوط اول شعاع للنور على سطح النهر ،،،،،
يأخذ زوجته وأبنه ويخرج بمركبه ذو الشراع الأبيض كي يبدأ رحلته اليومية ،،،
بيته الصغير عبارة عن دار من الطوب اللبن على سفح النهر ، تحاوطه قطعة أرض صغيرة ، يزرعها احياناً بالبرسيم لترعى فيه جاموسته الوحيدة ، او يزرعها بالجرجير ،،،،
معلق على الحائط ادوات الصيد ، شبك بمقاسات مختلفة ، خطاطيف لصيد الأسماك الكبيرة وبعض المشنات لحفظ الأسماك ،،،
يبدأ برمي شباكه على طول سير المركب ، يمسك دفته ويوجهها ، يكافح التيار ويعانده تارة ، ويسايره تارة اخرى ،،،
يحرك شراعه حسب اتجاه الريح ،،،
تظل زوجته بجواره تخيط الشبك المقطوع وتصنع له الأفطار ، ويساعدها الأبن الى ان يصل المركب  الى البر كي يلحق بمدرسته ،،،،
يظل متجهاً معانداً لتيار النيل نحو الجنوب ، يسابق حركة الشمس كي يرمي كل شباكه في الأعماق ، ويغني تراتيل صبره مستجدياً الوهاب الرزاق ان يجعل النيل كريماً معه هذا اليوم ،،،،،،
مايجمعه من أسماك البلطي والبياض والمشط تأخذه زوجته وتبيعه على الطريق ،،،
يظل السمك يقاوم خروجه للحياة الأرضية ويتلوى ناقماً على من اخرجه من دنيته الخاصه ،،،
يقفز ويتلوى في الشبكه ثم المشنة ، فتضع عليه الزوجه بعض النباتات والأوراق النيليه الخضراء ، فتضعف مقاومته ويظل يتنفس ببطء ، فيكون ذلك هو علامة الجودة أمام المشترين والزبائن ،،،،
يفرد الزوج شراع مركبه ويحرك دفته ويذهب الى البر الأخر كي ينتظر أبنه العائد من مدرسته ،،،
يقفز الفتى في المركب ويعود مع أبيه كي ينتظر أمه ،،،
قبل الغروب تكون مشنة السمك قد فَرِغت تماماً ، لقد من الله عليهم بأنه تم شراء كل السمك ،،،،
مع سقوط الشمس خلف الشفق الأحمر في الغروب ، تبدأ طيور ابو القردان العودة الى أعشاشها في اشجار الكافور ،،،
ها هم الطيور والصياد قد خرجوا خِماصاً في الشروق وعادوا بِِطاناً في الغروب ،،،،
تتزين الأشجار بالطيور ،،،
ويلملم الرجل شباكه ويُنزل شِراعه ، ويعود هو وزوجته وابنه الى بيته الصغير على سفح النيل ،،،،

الأربعاء، 17 نوفمبر 2010

مذكرات الحب والحرب ( رُقية )

قرية زيرنوفودسكا .. بالقرب من العاصمة الشيشانية جروزني \ ربيع 2002

وقفت تدفيء نفسها بالشمس  بالقرب من باب بيتها ، بجوارها طفلها يلعب بدراجته الصغيرة ، كانت تنظر الى حقلها الصغير المزروع بالقمح ، أوان حصاده لم يأتي بعد لابد ان تنتظر لبداية الصيف  ، حيث طال الشتاء وتساقطت الثلوج كثيراً هذا العام ،،،،
تزوجت وهي في سن الثامنة عشرة من ابن عمها عمر كريموف ، كانت من اجمل نساء القرية وتقدم لها خُطاب كثر ألا انها اختارت ابن عمها حيث كانت تجمعهما قصة حب منذ الصغر ، وانجبت طفلها الوحيد منذ ثلاثة سنوات واسمته على أسم أبيها علي ،،،،،

كان أسمها رُقية علي رحمانوف ،،،،
 هذا اليوم تجمع بالقرب من بيتها بضع من نساء وفتيات القرية يتحدثون عن التوتر القائم منذ فترة ، وخروج بعض  رجالهم لتلبية نداء قائدهم موسى باراييف للجهاد ضد الروس بعد مقتل عمه القائد الاكبر عربي باراييف ،،،
قاموا ببعض العمليات ضد دوريات للقوات الروسية على الحدود مع انجوشيا وداغستان ،،،
ألا ان جائت اكبر العمليات منذ أيام وقُتل فيها اكثر من عشرين روسياً ، وكان متورط في العملية بضع من رجال القرية ،،،،
زوجها لم يخرج مع الرجال حيث فضل ان يبقى مع زوجته وطفلهما ، وللعناية بالحقل الصغير ، لا يوجد مايعتني بهما في غيابه ، ففضل أن يبقى بجوارهما ،،،،

بعد مرور ثلاثة أيام ,,,,,

نزل المطر هذا الصباح زخات ، فأسرعت رقية بجمع ملابسها المغسولة خارج بيتها ، وقام الزوج بأدخال بعض المستلزمات الى داخل البيت ،،،
ألا انهما سمعا صوت مكبرات الصوت الخاصة بالمسجد تحذر اهل القرية من الخروج وتطالبهم بألتزام الديار ، القوات الروسية المدججه بالسلاح والدبابات والمصفحات شرعت في اقتحام القرية ، بعدها بقليل بدأ دوي أطلاق النيران الخفيفة والثقيلة ، اخر ما نطقه المنادي من ماذنة المسجد الله اكبر ثم صمت ،،،،،
أخرج عمر بندقيته الكلاشينكوف وطالب زوجته ان تغلق عليها باب الدار وتظل هي والطفل ولا تخرج مهما حدث ،،،،
بدأ القتال في القرية بين بضع من الرجال المسلحين بألاسلحة الخفيفة والبيضاء وبين القوات الروسية المدعمة بالمدرعات والدبابات ،،،،
لم يصمد الرجال كثيراً فسقط منهم الكثير وتم اعتقال الباقين منهم ،،،،،
ظلت القوات الروسية تجوب القرية بحثاً من المطلوبين من المجاهدين ، واعتقلت النساء والأطفال والعجزة واحتجزتهم في سيارات الأعتقال الكبيرة ،،،
كان عمر يحاول التسلل الى منزله للوصول الى زوجته وطفله والهرب بهم الى احدى التلات القريبة من القرية ، وعندما وصل وحاول الفرار هو وزوجته وطفله كانوا الروس قد حاصروا المنزل واقتادوهم للأعتقال ،،،،
أعلن مكبر الصوت من أحدى المصفحات الروسية موجهاً حديثه الى أهل القرية باللغة الشيشانية الناخ : بأن من يدلى بأي معلومات عن المجاهدين سيتم الأفراج عنه وتأمين سلامته ،،،،،،
لم يصلوا لأي معلومات ،،،،

صباح اليوم التالي ,,,,,

تم ربط وثاق رقية واقتيادها مع بقية زملائها من النسوة والفتيات الى احدى الساحات في القرية ،،،
كان الفتيات يصرخن ويبكين والنسوة أيضاً ، وكانت رقية تهدأ من روعهم وتطالبهم بالصبر وتقول لهن : لا تحزنوا أن الله معنا ،،،
كانت قلقة وفزعة على طفلها لا تدري ماذا فعلوا به ،،،،
لقد أخذوه منها وقت الأعتقال عندما ضربوا زوجها ففقد الوعي وهو يقاوم الروس ، لا تدري ماذا حل بهما ، كان الطفل في المسجد مع بقية الأطفال مع النسوة الكبيرات بالسن الذين لم يعتقلن ،،،،
كان الروس اشبه بالذئاب القطبية البيضاء او الدببه ، ضخام الجثه ، الصرامه والبرود يملئان وجوههم ،،،
أتوا بالرجال مقيدين وصفوهم بالطول في أول الساحه ، وتم اقتياد الفتيات والنسوة الى منتصفها وصرخاتهم تصل الى عنان السماء ،،،
وبدأت عمليات الاغتصاب الوحشية على مرمى من عيون رجالهم ،،،

كانت احدى الفتيات بجوار رقية تقاوم الاعتداء عليها ، فسقطت قتيلة بجوارها وهي تنطق الشهادة  ،،،،
وصل  جندي روسي الى رقية ، كان اصلع الرأس واحمر الوجه ويضحك وينظر لها بشهوانية ، فقام بنزع حجابها وفك العصابة من على عينيها ، وبدأ بنزع ملابسها ، فبصقت عليه وصفعته على وجهه ، فاهتز صدغه كالخنزير الوردي ، فصفعها بدوره على وجهها فهوت على الارض وسقط الدم على شفيتها وجهها الابيض النقي ،،،
اندفع عمر وصرخ ، فدفع احد الجنود بقبضتا يديه المقيدتين بالشريط ، فقام على اثره باقي الرجال واندفعوا الى الجنود ،،،،
أمر النقيب قائد المجموعة بربط الرجال في المصفحات والاعتداء عليهم جنسياً أمام النساء وزوجاتهم وبعدها أمر بقتلهم بدمٍ بارد ،،،،
لم تدمع ولم تصرخ لكنها ظلت تردد مع نفسها : صبراً جميل والله المستعان على ماتصفون وحسبي الله ونعم الوكيل ،،،،،
سقطت بعض الفتيات والنسوة قتيلات من اثر التعذيب والباقين تم اطلاق سراحهم بعد المجزرة وأحراق البيوت ،،،،،

احدى معسكرات التدريب بالقرب من جورجيا \ صيف 2002

أصبحت الان ضمن صفوف المجاهدين الشيشان ، كانت تابعة للمجموعات الخاصه بموسى باراييف ومظفر باراييف ،،
بعد المذبحة التي وقعت في قريتها أنطلقت رقية هي وطفلها بمساعدة بعض المجاهدين ومعها بعض من أرامل الرجال الذين قُتلوا على أيد الروس الى مغادرة القرية ، كانت مجموعات المجاهدين يوفرون الدعم المادي والاعتناء بأرامل ويتامى القتلى منهم ،،،
ألا ان بعض الأرامل قررن الانضمام الى صفوف المجاهدين وهو ماوافقت عليه القيادة لاستخدامهم في بعض العمليات الخاصة التي تحتاج للعنصر النسائي ،،،
بدأت رقية التدريب في احدى المعسكرات المدعومة مادياً  من بعض المجاهدين العرب والمخابرات الجورجية المعادية للحكومة في موسكو ،،،
كانت تتدرب على حمل السلاح والتمريض ، وبعض من أفانين القتال ،،،
في نفس التوقيت كانت فرقة المجاهدين يعدون لعملية كبيرة في موسكو وينون تنفيذها في مطلع الخريف القادم ،،،

الأعداد لعملية نورد أوست ,,,,,

بدأ التخطيط الفعلي للعملية ، وهي احتجاز رهائن في أحد المسارح الكبيرة بموسكو ، الغرض من العملية هو مقايضة الحكومة الروسية بالأفراج عن الرهائن مقابل وقف الحرب في الشيشان والانسحاب منها ،،،،
العملية تحتاج الى حوالي اربعون من اكفأ المجاهدين ولا مناص من اشتراك النساء المجاهدات التي ستُبنى عليهن الخطة ،،،،
تم أختيار اربعة من النساء في المعسكر من بينهن رقية ، كانت سعيدة وأحست بالفخر بأنه وقع عليها الأختيار ،،،،
بدأ نقل المتفجرات الى موسكو في الشمال عبر الطرق البرية بمساعدة المخابرات الجورجية ،،،،
وانتقال المجاهدين والمجاهدات المنفذين للعملية من اكثر من جهة ، من جورجيا وانجوشيا وداغستان ، بلغ عدد المشتركين في العملية أربعون رجل بينهم ثمانية عشرة امراة تحت قيادة مظفر باراييف ،،،،،

موسكو \ قبل العملية بيومين 20 أكتوبر 2002

وصل المنفذون الى موسكو منذ اربعة أيام أي قبل العملية بستة أيام ،،،،
كانت رقية حزينة على فراق طفلها التي تركته مع صديقتها في الشيشان ، بكيت كثيراً وهي توعده لا تدري أن كانت ستراه مرة اخرى أم لا ، لكن من داخلها قاومت حتى أحساسها بالأمومه من اجل هدف أسمى هو حريتها وحرية شعبها ، من اجل ان يصبح طفلها حراً يعيش بكرامته في وطنه الذي ليس له بديلاً او وطناً أخر ،،،،
تم الأتفاق على كيفية دخول المتفجرات والسلاح الى المسرح ، وتوزيع الأدوار على افراد المجموعة وكيفية تنفذيها بدقة ،،،
جهزوا ملابس السهرة ، البدِل السوداء للرجال والفساتين الروسية للنساء ،،،،

مسرح نورد أوست .. موسكو \ 23 أكتوبر 2002

كان الضباب يكتنف شوارع موسكو وهطل الثقيع بعد الغروب وازدادت برودة الجو ،،،،
بدأ الجمهور يتوافد على المسرح بأعداد غفيرة  ، كان العرض الكبير ووصل العدد الى اكثر من الف ،،،
توضأت رقية وصليت ركعتين واحتفظت بمصحفها الصغير معها وصورة طفلها وزوجها ، وقالت لنفسها أني مهاجرة الى الله فياربي ان عدت عدني منتصره او تقبلني عندك مع الصديقين والشهداء ،،،،،
دخل المنفذون الى المسرح من أبوابه المتفرقه بعضهم كأنهم زوج وزوجته ، واخرين على هيئة عمال كهرباء ونضافة ،،،
انتشر افراد المجموعة في جنبات المسرح العديدة بشكل يجعلهم مسيطرين عليه تماماً ، وانتقل الباقيين الى الأبواب ومنافذ الطواريء  ،،،
بدأ العرض المسرحي ، رجال يغنون على خشبة المسرح ، كانت مسرحية غنائية شعبية من الكلاسيكيات الروسية ،،،
بعد فترة الأستراحه  بدأ المجاهدون والمجاهدات في التلثم وأخراج المتفجرات ، وقام المجاهدات بربط الاحزمة الناسفة حول بطنهن ، ووضع القنبلة الكبيرة وتركيبها في وسط المسرح بين الرهائن ، وبالتالي السيطرة على المسرح بالكامل ،،،،
صرخ النساء والأطفال وبدأ الجمهور يحاول الهرب ،،،،،
قام احد المجاهدين بمخاطبتهم : بعدم الفزع حتى لا يتأذى أحد ، نحن لا نريد دماء ولا نسعى لقتل أحد وسنوفر لكم كل العناية ، نحن هنا من أجل مطالب مشروعه وان تساعدونا بأن تطلبوا من حكومتكم بالأنسحاب من أرضنا وتركنا نعيش في سلام ، فلا تخافوا ، أي منكم يحاول ان يقوم بعمل غبي سيعرض نفسه للقتل ،،،،،
بدأت قوات الشرطه الروسية والقوات الخاصه بمحاصرة المسرح ومحاولة اقتحامه ،،،
لكنهم توقفوا بعد ان جائتهم التحذيرات بأن أي محاولة للأقتحام ستعرض اكثر من ألف رهينة للقتل ،،،،
وأحس الروس بأن الاقتحام التقليدي لن يجدي نفعاً في ظل كمية المتفجرات والاحزمة الناسفة ،،،
كانت رقية تقف بجوار مجموعة من النساء والأطفال ، تلف الحزام الناسف حول بطنها ، والأطفال يبكون اليها بأن تطلق سراحهم ، فطمأنتهم بأن لا يخافوا وسيخرجوا من المسرح سالمين ،،،
بدأت المفاوضات بين المجاهدين والحكومة الروسية ، كان أربعة يمثلون المجاهدين في التفاوض وأبدوا حسن نواياهم للحكومة الروسية بأنهم سيدخلوا معهم الأغذية والأدوية للرهائن وسيسمحون لهم بأجراء الاتصالات عبر الهواتف الجوالة ، واعلن قائد المجموعة عن الأفراج عن جميع الأطفال وعددهم مائة وستون طفلاً بالأضافة الى بعض المرضى ،،،
على الجانب الأخر كانت القوات الخاصة الروسية تخطط لاقتحام المسرح بأبشع الطرق دون مراعاة حتى للرهائن ، بدأت اولاً بأطلاق النار عبر القناصة كنوع من التمويه ، فرد بعض المجاهدين بأطلاق النار على قوات الشرطة فسقط من الشرطة والقوات الخاصة بعض القتلى ،،،
 مع فجر اليوم الثالث من الحصار  بدأت القوات الخاصة الروسية في ضخ غاز كيميائي سام عبر أنابيب التهوية ،،،،
عندما شعر المجاهدون بتحرك القوات الروسية بدئوا في الاشتباك معها قبل ان ينتشر الغاز السام بشكل تام ، فسقط من المجاهدين بعض القتلى ، وسقط من القوات الروسية اكثر من اربعين قتيل ،،،،
كانت رقية تشارك في تبادل النيران ،،،
الى أن اصأبها طلق ناري في صدرها لكنها لم تمت فظلت تقاوم الي ان ابتعدت من مرمى نيران القناصة ،،
كان الغاز بدأ ينتشر في المسرح ، سام جدا يصيب الأعصاب بالشلل المؤقت ،،،
لم يستطع المجاهدون المقاومة والصمود أمام قوة الغاز الكيميائي ، فتساقطوا واحداً تلو الأخر ،،،
أقتحمت القوات الخاصة الروسية المسرح بعد حوالي ساعة من ضخ الغاز ، وقامت بأطلاق النار على المجاهدة التي تسيطر على القنبلة الكبيرة في وسط المسرح ، فأردوها قتيلة في الحال ،،،

في الدور العلوي وصلوا الى قائد المجموعة مظفر باراييف ، واجهزوا عليه فقتلوه ،،،
سقطت رقية من أثر الغاز السام ،،،
الدماء تسيل منها ، لم تستطع تمييز من حاول ان يوقف نزيفها وفجأة أختفى ، بدأت الوجوه والأصوات تتلاشى حولها ، لم ترى سوى زوجها وهو يحصد بمنجله القمح الذهبي في حقلهما الصغير ، وعلي يلعب بينهما ، أحست أنها أمام نهر ، وكروم عنب واشجار رمان وطيور كثيرة ، وملائكة مجنحين ثنائي ورباعي الاجنحة ، يحملنها في هدوء وسكينة ، وقد توقف ألمها وحلقت بعيداً وبعيداً ،،،،،

تعقيب ,,,,

قُتل جميع افراد المجاهدين المشاركين في العملية بما فيهم قائدهم مظفر باراييف ...

قُتل أكثر من مائة وستون  من الرهائن بفعل الغاز الكيميائي السام الذي استخدمته القوات الروسية ، غير الكثير الذين ظلوا في العناية المركزة يُعالجون من اثار الغاز السام بعدما حاولت الحكومة الروسية تضليل الرأي العام وايهامه بأن القتلى سقطوا على ايدي المحتجزين ، لكن اظهرت الصحف والقنوات الأخبارية العالمية الحقيقة وبشاعة ماقامت به القوات الروسية  ...

مازال الشيشانيون يجاهدون من اجل حريتهم واستقلالهم الكامل ،،،،



اهداء الى شهداء المذابح الروسية المنسيين  في الشيشان ، والضحايا من الرهائن الذين سقطوا على أيدي الحكومة الروسية ،،،،،


جميع الحقوق محفوظة .....

الأحد، 14 نوفمبر 2010

رياح البحر

مازال صدى دقات البيانو يتردد في جنبات عقلها ، وصوت المُعلمة وهي تعنفها بشدة لعدم حفظها للنوتة والمقطوعات التي تدربت عليها ،،،،،،
لا تدري لماذا يطل عليها الماضي دائماً وهي تمارس رياضة المشي في الصباح على كورنيش سان ستيفانو وستانلي ،،،،،
مع كل خطوة تخطيها ، تصدح في داخلها أصوات مختلفة من الماضي ، سواء القريب منه أو البعيد ،،،،،
أكملت عامها السابع والثلاثين منذ بضعة أيام ، لم يبالي احد أن كانت أتمت السابعة والثلاثين أو الثامنة والثلاثين ، هي نفسها أصبحت لا تُبالي ، فكلها بالنسبة أليها أوراق يطيرها الخريف من شجرة عمرها ،،،،
زوجها أهداها الهدية الروتينية وعزومة العشاء المعتاده في أحدى المطاعم الشهيرة ، نبع المشاعر قد جف مائه قبل أن يبدأ في الجريان بينهما ،،،،،
دقات قلبها بدأت تتسارع مع خطواتها ،،،،،
صوت البيانو عاد من جديد ،،،،
كانت لا تحب درس البيانو ولا المُعلمة ، كانت تُحب الكمان والجيتار ، لكن أمها فرضت عليها تعلم البيانو ، لأنه عادة قديمه في العائلة ، خطأ فادح أن تكسر تلك العادة ،،،،
دقات قلبها لم تهدأ بعد رغم جلوسها على احدي المصاطب الأسمنتية المتناثرة على طول الكورنيش ،،،،،
نظرت الى البحر واستقبلت النسمات الباردة التي بدأت تشتد تدريجياً ، أحكمت ربط المنديل الأحمر حول عنقها ،،،،
عادت صورته من جديد الى مخيلتها ، حبها الأول  ، ذلك الشاب الذي أحبته في صباها واثناء دراستها في الجامعة ، جمعتهما قصة حب ، انتهت عندما رفضته أمها لأنها لم تقتنع به ، وسافر هو خارج مصر ،،،،،،
ابتسمت ابتسامة حزينة ، لا تدري ان كان عتاب أم استسلام ،،،،
هدأت دقات قلبها ، فأستكملت  سيرها وهي تنظر للسيارات المسرعة ، والخطوات المتسارعة حولها ،،،،،
عاد اليها ذلك اليوم ، وجوه مختلفة من أسرتها وأسرة الشاب الذي أصبح زوجها ، جالس بجوارها ، يبتسم لها وهي تحاول أن تبتسم ، لا تدري ماذا تقول وهو لا يتكلم ، أحست أن الصمت قد ساد حياتها من اللحظة التي كان يجب أن يبدأ فيها الكلام ،،،،،
نظرت للعمارات بجانبها ، كانت رياح البحر المحملة بالرطوبة والملح قد أضعفت منها وشوهت منظرها ، كلما اقتربت البيوت من البحر كلما قل عمرها ،،،،
أحست انها مثل هذه العمارات والبيوت ، رياح الزمن ومِلحهُ في عناد معها وهي لا تدري أن كانت ستصمد وتستمر مقاومتها وتحتمي منها أم ستُسلم وتخضع لها ،،،،
بدأ يزداد الزحام وصخب الناس والسيارات ،،،،،
وبدأت تتلاشي دقات البيانو داخلها ،،،،،
عادت من  جديد الى طريق بيتها وأصبح البحر على يسارها والشارع والعمارات على اليمين ،،،،
وربطت المنديل مرة أخرى حول عنقها كي يحميها من هواء البحر البارد ،،،،،،

الجمعة، 12 نوفمبر 2010

عالم خاص


وقف على حافة السطوح واستقبل بوجههُ شروق الشمس التي ارسلت جزء من نورها قبل ان تبدأ في الصعود رويداً رويداً من خلف الأفق الشرقي البعيد ،،،
أمسك بالورقة الصغيرة وضمها جيداً بقبضة يديه ،،،،
نظر للاسفل فكان الشارع نظيفاً وسيارة التنظيف قد انتهت من رش الماء ،،،،
وبائع الجرائد جالس على الرصيف متدثر بردائه الصوف يستمع الى الراديو الصغير ،،،،
فرد جانحيه ورفع بوجهه الى السماء وقرر ان يخرج من هذا العالم الصاخب ، بعد ان تركته وحيدا ،،،،،،
طار في الفراغ لعله يجدها ويعود لعالمهما الخاص ،،،،،،

كان وحيداً بدون اصدقاء منطوي على ذاته وحالم دائما في تأملاته العجيبه ، يجد في الصمت والقراءة متعته الوحيدة ، يسكن مع أبيه في احد غرف سطوح تلك العمارة العاليه ،،،
الى ان ظهرت في حياته فجأة  تلك الفتاة الجميلة الخرساء ،،،،
جائت للسكن بجواره مع أمها وأخيها الصغير ، فتاة جميلة لم يُعرف سبب فقدها للنطق منذ بضع سنوات لكنها تسمع وتستجيب لمن حولها وتعبر دائما بالرد عن طريق قلمها ومفكرتها الصغيرة ، تقول الكثير عبر عيناها الحالمة والبريئة ،،،،
أول ما رائها وجدها تجلس بجوار قطه صغيرة وتداعبها ، فظل يراقبها عن بعد ، اندهش في أول الأمر وهي تداعب القطه في صمت ،،،،
اقترب منها ونظر أليها ،،،
فأمسكت القطه بين يديها ورجعت للوراء ،،،
رغم هدوئه ألا انه مندفع في تصرفاته ، أبتسم لها وقال : لا تخافي ،،،،
نظرت له وأخذت القطه وهمت بالانصراف ،،،،
فتبعها ووقف في طريقها وابتسم مرة أخرى وقال : لا تخافي أنا جارك ،،،،
نظرت له نفس النظرة الهادئة وأشارت الى فمها بسبابتها بأنها لا تتكلم ، وانصرفت ،،،،،
،،،،،،،،،،،،،،،،،
بدأت صداقتهما وعالمهما الخاص
كانا يجلسان سوياً فوق السطوح بينهما القطه الصغيرة أو أخوها الصغير بجوارهما يلعب بطيارته الورقية ،،،،
يضحك معها ويقرأ لها قصصه العجيبة ويثرثر بكلامه الغريب عن الجيران والعالم والنجوم والشمس والقمر ،،،،
يفهم ما تُريد أن تقوله من تعبيرات وجهها وابتسامتها الدائمة التي لا تفارقها ، وتكتب له ما تحب أن تقوله وتريده عبر مفكرتها الصغيرة ،،،،
يأتي لها بالحلوى ، ويأخذها معه لصيد السمك ، يرقص لها ومعها تحت المطر فوق السطوح ، يرسم لها أشكال عجيبة وغريبة ويستهزأ بالرسم من الجيران الذين يمتلكون الشقق الفاخرة في العمارة ،،،،
عاكسها ذلك الرجل البدين الذي يسكن في الطابق الرابع وحاول التحرش بها ، فرسم له صور مضحكه وفاضحه وعلقها على أبواب المصعد وعلى باب بيته ،،،،،

بدأت صحة الخرساء الجميلة في الذبول ، لم يكن احد يعلم ماذا ألم بها ، لكنه كان ذبول شديد ، ظلت محتفظة بابتسامتها ،،،،،
ذهبت مع أمها للمستوصف القريب من العمارة ، طلب منها الأطباء بعض التحاليل ، منها ماهو في المستوصف ومنها ماهو مُكلف في مراكز التحاليل الخاصة ،،،
أثبتت التحاليل أصابتها بالسرطان وتحتاج للتدخل الجراحي والعلاج الكيميائي ،،،،
عندما علم بمرضها ظل يبكي وحيداً في غرفته ويقطع بعض أوراقه وكتبه ،،،،
لكنه ظل دائماً أمامها يضحك ويلهو كما اعتاد ،،،
جاء الخريف وقد بدأت صحتها في التدهور وشعرها الأسود الجميل يتساقط بسبب العلاج الكيميائي ، فكانت تلبس الكوفيه الشتويه والطاقية الصوف ،،،،
فرسمها وهي تداعب قطتها وخلفها العمارات الكثيرة وسحب الخريف المتناثرة في السماء ،،،،
اصطحبها للسرك هي وأخوها الصغير وعندما عادوا ظل يرقص لها ويقلد جيرانهم في العمارة ،،،،

جاء الشتاء قاسياً هذا العام ، المطر لا يتوقف ألا قليلاً ،،،
الخرساء الجميلة تذبل وتموت بسبب تأخر التدخل الجراحي ، وتنتظر ، وتنتظر ،،،،
ذهب الى المستشفي ومعه بعض الشيكولاته والحلوى ، فوجد سريرها فارغاً !!!!
أمها وأخوها الصغير يبكيان ،،،،
تركت له مفكرتها الصغيرة بها بعض الرسومات لقلوب صغيرة وحروف من اسمه وأسمها وكيوبيد يحمل قوسه ومسدداً سهمه في قلبها ، بعض احاديثها معه ومع أمها عبر قلمها ومفكرتها ،،،،
في أخر ورقه في المفكرة كتبت له : أشكرك على كل ما منحتني من السعادة ، سنلتقي قريباً ونعود الى عالمنا الخاص ، احبك ...........

ظل وحيداً في غرفته لعدة أيام لا يتحدث مع أحد ولا يأكل ،،،،
الى ان جاء صباحاً شتوياً هادئاً ،،،،
نزع أخر ورقة من المفكرة واتجه الى حافة السطوح ،،،،
وقف على حافة السطوح واستقبل بوجههُ شروق الشمس التي ارسلت جزء من نورها قبل ان تبدأ في الصعود رويداً رويداً من خلف الأفق الشرقي البعيد ،،،
أمسك بالورقة الصغيرة وضمها جيداً بقبضة يديه ،،،،
نظر للاسفل فكان الشارع نظيفاً وسيارة التنظيف قد انتهت من رش الماء ،،،،
وبائع الجرائد جالس على الرصيف متدثر بردائه الصوف يستمع الى الراديو الصغير ،،،،
فرد جانحيه ورفع بوجهه الى السماء وقرر ان يخرج من هذا العالم الصاخب ، بعد ان تركته وحيدا ،،،،،،
طار في الفراغ لعله يجدها ويعود لعالمهما الخاص ،،،،،،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة لسلفادور دالي