السبت، 30 أكتوبر، 2010

مذكرات الحب والحرب

بغداد ربيع 2003

بدأت التقارير الأخبارية والصحفية تؤكد ان الغزو الانجلو امريكان وقوات التحالف سيبدأ مع الربيع ، خصوصا بعد خطاب بوش الأبن الأخير عن عزم الولايات المتحده الامريكيه على الاطاحه بالنظام البعثي العراقي بكل قياداته ،،،،،،
كانت منظمات الأغاثه التابعه للأمم المتحده وبرنامج النفط مقابل الغذاء والدواء قد انذروا رعاياهم والعاملين معهم على مغادرة العراق فوراً حفاظاً على سلامتهم ،،،
كان وهو وزوجته وولديهما عالقين  في بغداد بعد قطع كل الطرق البرية والجوية المؤديه للخروج من العراق ،،،،
شاب مصري تجاوز الثلاثين من عمره ويعمل في منظمات الأغاثه وبرامج الأمم المتحده وزوجته عراقيه تزوجها في بغداد منذ خمس سنوات ، انجب بنتاً هي الكبيرة وولد يصغرها بسنتين ،،،،،
انقطع اتصاله برؤسائه في العمل منذ ثلاثة أيام بعدما خرجوا من العراق عبر الطرق البرية ، سواء من الحدود الكردية في الشمال او السورية في الغرب ، حيث كانت الحدود الجنوبيه مع الكويت والسعوديه مغلقه ،،،،
لم تجدي استغاثته للمسؤلين بتوفير طريق أمن للخروج هو وأسرته ، فقرر ان يعتمد على نفسه وعلى اصدقائه من العراقيين ،،،،

ليلة 21 مارس 2003 \ بغداد \ حي المنصور

رغم الهدوء الحذر الذي يسبق العاصفه ورغم اصوات سيارات الجيش العراقي والحرس الجمهوري التي تتحرك في كل مكان من شوارع العاصمه ، الا ان الابنة الكبرى قد جهزت هدية عيد الأم كي تعطيها لأمها ، فرسمت لها لوحه صغيرة بها ورده وتحتها اهداء بخط طفله صغيرة ، كل عام وانتي بخير يا أمي ،،،،
مع المساء بدأت تدوي صفارات الانذار في كل ارجاء بغداد ، وغطت العاصمه في الظلام ، وبدأ دوي المدافع المضادة للطائرات وومضيها يملئان سماء بغداد ،،،،
بدأ قوات التحالف ضربته الجويه الاولى المكثفه الصدمه والرعب ،،،،،
قصف جوي مكثف ومتواصل ، وقنابل ضوئيه بشكل عشوائي في غالبية الاحياء والمناطق ،،،،،
كانت زوجته حامل في الشهر الثالث ، واصيبت بالتوتر والخوف والهلع واخذت طفليها في حضنها ، وطلب منها زوجها ان يتبعوه للمخبأ الخاص في الحي مع بعض العراقين ،،،،
كان الجميع يغلب عليهم الصمت والدهشه ولم يتكلم احد ، الا من بكاء الاطفال هو من كان يقطع هذا الصمت مع كل دوي انفجار ،،،،
ظلت الغارات المكثفه والضربات الجويه حتى الفجر ، وصوت المذياع عبر هيئة الاذاعه البريطانية يذيع الانباء والتقارير ،،،،
انتظر حتى الصباح ومع هدوء الغارات وتوقفها خرج من المخبأ هو وزوجته والأطفال ،،،،،
كان اول ما اصتدم به ورأه هو انهيار بعض العمارات وسيارات الاسعاف تتحرك بسرعه تنقل الجرحى والموتى ،،،،
صعدوا الى منزلهم واخذوا مايقدرون عليه من مؤن ونقود وملابس ، وقرر بعد مساعدة اصدقاء له انه يخرج بسيارته عبر الحدود السورية غرباً ، ثم العودة الى مصر بالطيران ،،،،،،

ثاني أيام الحرب 2003 \ الأنبار غرب العراق

اتجه غرباً بسيارته في اتجاه الأنبار  القريبة من الحدود السورية ، كانت حالة من الهدوء الحذر تسيطر على الشوارع ، وحركة دؤوبه لسيارات الجيش والحرس الجمهوري ، ونقاط تفتيش منتشره في كل مكان ، وتفتيش دقيق للسيارة ،،،،
وصلوا الأنبار قبل غروب الشمس وكان لابد ان يقضى الليله في احد البيوت في المدينه قبل استئناف الغارات والقصف الجوي ،،،
ذهب الى احد معارفه في المدينه وقضى عنده تلك الليله ،،،،
كانت الغارات في اول يومين من الحرب مركزة على بغداد وقصور الرئاسه ومقار بعض الوزارات ، لم تتجه الغارات بعد لقصف المدن الأخرى بكثافة الا قليلاً لقصف بعض معسكرات الجيش الخاويه او المقار الأمنية ومباني الادارات ،،،،
كانت العائلة العراقية التي تستضفيهم في اشد الكرم وقامت بتزويد السيارة بالوقود رغم ندرته في مثل تلك الاوقات العصيبه ، وزودوهم بالطعام والشراب لاستكمال رحلتهم ،،،،
خرجوا في الصباح الباكر بعد توقف القصف الجوي واتجهوا غربا للنقاط الحدوديه مع سوريا ،،،،،

ثالث أيام الحرب 2003 \ الطريق من الانبار للحدود السورية

كانت الرياح المثيرة للأتربة قد بدأت تشتد مع ارتفاع طفيف في درجات الحرارة ، وبدأ الطفلين في الأرهاق والتعب ، وبالتدريج بدأت تنفد جرعات الأنسولين التي يأخذها الطفل الصغير المُصاب بالسكري ، مما اثار قلق الأم ، فطمأنها الزوج بأنهم سيصلوا لسوريا قبل ان تنفد جرعات الأنسولين ،،،،
مروا على قرى النخيل والفلاحين في الرمادي وقضاء هيت وحديثه وقبل وصولهم الى القائم أحس الزوج بأنه دخل منطقة احراش ، وبدأت تقل سيارات دوريات الجيش العراقي والسيارات المدنيه ،،،،،
على الطريق وجدوا بعض الشباب الملثمين والمسلحين يوقفون السيارة ، ويطالبون الزوج بالخروج من السيارة وأظهار بطاقات الهوية ، تأكدوا ان الزوجه عراقيه والشاب مصري يعمل تبع الامم المتحده وبرنامج النفط مقابل الغذاء ،،،
كان بالنسبه لهم فريسه يمكن ان يتم المقايضه عليها ،،،،
حاول الزوج ان يفهم مايحدث ، فطالبه احدهم بالصمت وأن يجلس على الأرض واضعاً يده فوق رأسه ،،،،،
نظر احدهم الى الزوجه وهي جميلة الملامح ، عربية العينين ،فأشتهتها عيناه ، فتحدث سراً مع احد زملائه ، فضحكا سوياً وذهب اليها وطلب منها النزول في سكوت وهدوء ، فصرخت في وجهه بلهجه عراقيه فسبها وصفعها ، فقام الزوج بكل ما اوتي من عزم فضربه بقوة فأسقطه على الأرض ، فتجمع عليه اثنان منهم فضربوه على رأسه فسقط مغشياً عليه ، والاطفال يبكون والزوجه تصرخ وتستحلفهم بالله ان لا يمسوها بسوء امام اطفالها ، فتقدم احدهم فربط عين الطفلين ووضعهم في السيارة والاطفال يرتعدون خوفاً وهلعاً ، والزوجه تحمي نفسها وتحاول ان تجري فأمسكوها ، وبدأوا الاعتداء عليها وهي تبصق عليهم ، انهم تجار بشر ينشطون وقت الحروب كالضباع والكلاب التى تلهث خلف  ماتبقى من الصيد  ،،،،،،،
اثناء ذلك مر بعض الفلاحين القادمين من احد الضياع القريبه من الطريق وقد سمعوا صوت الصراخ من بعيد ، وكانوا مسلحين كعادة المزارعين في تلك المناطق فهجموا على الشبان الملثمين الى ان هربوا ولاذوا بالفرار ،،،،
كانت الزوجه في صدمه عصبية تهذي ، والزوج بدأ يستفيق وذهب في نوبة بكاء ، أما الطفل الصغير بدأ عليه الأعياء الشديد بسبب عدم حصوله على الدواء واخته تحتضنه بعد ان اصابها الصمت والذهول ،،،،،
استضافهم احد الفلاحين في بيته وكانت زوجته سيدة طيبه فأعتنت بالزوجه واعدت للاسرة الصغيرة بعض الطعام ،،،،
بدأ الزوج يتمالك نفسه ولم يتكلم ابدأ ولم ينظر لزوجته ، كان يحس بأنه قُتل وأُهين الاف المرات ، ففقد الأحساس بكل شيء حوله الا شيء واحد وهو كيف يعود بأسرته الى الوطن ،،،،،

رابع أيام الحرب \ قرية الحوري على الحدود العراقية السورية

طوال الطريق لم ينظر ولم يتكلم مع زوجته ، وهي تبكي وتحتضن ابنها المريض بعد ان نفدت كل جرعات الانسولين ، بدأ الطفل يدخل في غيبوبه ارتفاع سكر وبدأ دمه يتسمم ، وقبل ان يصل على الشريط الحدودي مع سوريا كان الطفل قد مات ،،،،،
اخذه الأب وجرى به على نقاط التفتيش لعله يجد بعض الاسعافات ويحاول ان ينقذه ، لكن الطبيب الخاص بالنقطه الحدوديه اخبره أنه مات ، وممنوع ان يمر به على الجانب الاخر من الحدود الا بتصاريح معينه وغير ممكنه الان ، بالتالي لابد ان يُدفن في الجانب العراقي ،،،،
قام بدفن الطفل في مقابر القرية بعد ان استخرج تصريح للدفن  ، والاب والأم قررا ان يكتما البكاء والأنهيار حفاظاً على الطفله الصغيرة والجنين الذي في احشاء الأم ،،،،،
وصلوا الى الجانب السوري واستكملا الطريق الى العاصمه دمشق التي تبعد حوالي عشر ساعات من الحدود ، وبعد ان وصلوا ، قام بحجز غرفة في احدى فنادق العاصمة للمبيت فيها حتى يحصل على حجز خاص بالطيران  ،،،،،

بعد مرور ستة اشهر من بداية الحرب 2003 \ القاهرة

اثناء الستة اشهر وبعد الوصول للقاهرة ، لم يستطع الزوج ان يتحدث مع احد فيما حدث له ولأسرته ، ولم يستطيع ان ينظر في وجه زوجته كأنه يعاقبها ويعاقب نفسه على ذنباً لم يقترفاه ،،،،،
حاولت الزوجه الانتحار وقام بأنقاذها في اخر لحظه ،،،
الى ان بدأ الجنين الذي في بطنها ان يتحرك ويستأذن هذا العالم للخروج ، كانت الولادة قبل ميعادها بثلاثة اسابيع فخرج الطفل ضعيفاً جدا وهزيلاً ،،،
لم يكن الزوج معها بل كانت أمه هي من ترعاها ،،،،
وكان على وشك أن يطلقها حتى يُريحها ويستريح ،،،،
الى أنه علم بولادة زوجته لطفل صغير عوضاً عن طفلهما الذي فقداه ، فذهب مسرعاً الى المستشفي ،،،،،
كان الطفل في الحضانه الزجاجيه ضعيفاً يفتح عينيه للدنيا ببطء كأنه يتلمس شعاع النور الأول بين والديه ، وينتظر ان تسمع اذناه اول نبرة صوت منهما ،،،،
وقفا الأب والأم حول الحضانه وكل واحد منهما ادخل أصبعه داخلها ووضعه في يد المولود ، الذي ان احس بلمسات امه وابيه اطبق كفيه الصغيرين على كل اصبع ، كأنه يحتمي بأمه وأبيه من صراعات هذا العالم الرهيب ،،،
يأمل ان يعيش في عالم افضل بدون حروب وقتل ودمار ،،،،،،

اهداء الى كل ضحايا وشهداء الحرب الأمريكيه على العراق ,,,,,

الاثنين، 25 أكتوبر، 2010

المدينة

وضع أوراقه وقلمه الرصاص في حقيبته الصغيرة وخرج في المساء كالمعتاد ، كانت السابعة مسائاً والجو بارد جدا هذا اليوم ، يوماً شتوياً شديد البروده ،،،،
المقهى الذي يرتاده ليس بعيداً عن بيته ، لكنه يحب ان يتمشى في شوارع مدينته الكبيره في مثل هذا الوقت من المساء ، فيأخذ اكثر من طريق حتى يصل الى مقهاه الخاص ،،،،
ينظر لتلك الوجوه التى اثر فيها هواء الشتاء البارد والانفاس التي يخرج منها البخار ، فأصبحت الضحكات مستعصية عليها والابتسامه تكون بالكاد ،،،،
الخطوات مسرعة والايدي تبحث عن الدفء في جيوب المعاطف ، لا يدري لماذا هو فقط من يبطء في السير ، ويقف أمام الفاترينات والمحلات ينظر للأضواء الكثيرة كأنه يبحث عن المفقود دائماً وسط اضواء الفاترينات والسيارات حتى اشارات المرور ،،،،،
غريب في مدينته التي لم يعرف سواها ولم يخرج منها يوماً ، والغريب دائم البحث عن شيء مفقود داخل تلك العيون الكثيرة ، والغريب دائم الخوف من نفس تلك العيون ،،،،،
هاهو المقهى بضوئه الخافت وشكله الايطالي المميز ، ذهب الى طاولته التي اعتاد الجلوس عليها بجانب الشباك المطل على الشارع ،،،،،
خلع معطفه واخرج أوراقه وقلمه الرصاص وقبل ان يبدأ الكتابه طلب قهوته ،،،،
الورقه مازالت بيضاء لم يخط فيها جمله او حرف منذ يومين ، لماذا يستعصى عليه قلمه ، اكثر مايحزنه ان تهرب منه أفكاره وتتناثر في جنبات عقله الشارد فيعجز كثيراً أن يلملمها ،،،،،
بدأ الكتابه ، وظل حائراً في العنوان ، لا يهم العنوان الان ، سيختار العنوان بعد حين ،،،
لا لا ليكن العنوان هو المدينه ،،،،
أنها مدينته الصاخبه وحكايتها التي لا تنتهى خلف ابواب بيوتها القديمه ، الخير والشر ، الحب والكره ، السعادة والتعاسه ،،،،
والظلم والعدل ،،،،،
الفتاة التي تعرف عليها في هذا المقهى الأيطالي ، في أحدى أيام الربيع وجدها تجلس بالقرب منه تشرب قهوتها ، وهو يكتب كالمعتاد وعندما لفتت انتابه توقف عن الكتابه ، ظل يراقبها وهى تمسك فنجانها بكلتا يديها ، جمالها ليس بالمبهر ولكن يوجد سحر خاص في عينيها لم يدرك سره الا متاخراً جداً ،،،،
تعرف عليها بشكل لم يجعله متطفلاً ، وانجذبت اليه سريعاً ، واشتعلت سريعاً تلك العلاقة التي ادرك بعد حين انها حباً ،،،،
كانا كثيراً ما يتمشيان سوياً في وسط المدينه وزحامها ، يرتادا المكتبات ، يجلسا أمام النهر وقت الغروب ، تشاركه كتاباته ، يتشاجرا لأسباب كثيرة ، ويسترضيها اخيراً في كل مرة ،،،،
كان يحبها وسيتزوجها ، وجد هذا الشيء المجهول الذي ظل يبحث عنه كثيراً ، انها تلك العينين ،،،،،،
لم يكن يعلم انه سيفقدها سريعاً ، لو كان يعلم مانظر لعينيها ،،،،
انتظرها في المقهى كما أتفقا ولم تأتي ، ظل ينتظر كثيراً ،،،،،،
ومازال ينتظر ،،،،
ربما كانت حلم او طيف ظل يراوده في يقظته وفي منامه حتى صدقه ،،،،،
ربما غدرت به او ربما هاجرت بعيداً ،،،،
ينظر الى تلك العيون والوجوه وهو يتمشى في مدينه ، وهو يقف أمام الفاترينات ، حتى بين ارفف الكتب في المكتبه ، قد يجدها يوماً في المقهى الذي تقابلا فيه سوياً ،،،،،
اشتد البرد هذا المساء ، ونظر من خلف الزجاج فوجد قطرات بسيطه من المطر ،،،
 ، انتهى من قهوته ولم ينتهى من قصته ، لملم أوراقه ولبس معطفه وترك الحساب وخرج ليتمشى عائداً الى بيته  ،،،،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة لمونيه

الخميس، 21 أكتوبر، 2010

طيارة ورق


بدأ الصوت يرتفع مرة اخرى والصرخات تتعالى في البيت الصغير ، انه يضربها بقوة اكثر من المعتاد ، قد تكون اهانته بشدة هذة المرة ،،،،
جلس عاقداً يديه حول ركبتيه على حافة الشباك المطل على الحارة الضيقه ،،،،
تداخل اصوات النسوة في الحارة وحديثهم المعتاد واصوات الصبية يلعبون الكرة الشراب ، وصوت شجار اخر بين أم وبنتها وصرخات الفتاة بسبب ضرب الام ،،،،
كان مايزال ابن الرابعة عشرة ، وترتيبه الثاني بعد اخوته ، أخوه الأكبر اكتفي بالدبلوم ويعمل طيلة النهار في ورشة الخراطه ، ويتبقى ثلاثة بنات اصغر منه ،،،،
أما الفتى فهو مايزال في المرحلة الأعداديه ،،،،
هدأ الشجار قليلاً بين أمه وأبيه ، ذهبت الأم للمطبخ الصغير تستكمل بكائها مع نفسها ، المطبخ مكدس بالكراكيب والسقف تتساقط منه قطرات المياة بسبب الرشح وضعف الجدران ، ووابور جاز صغير على منضده متهالكه ، جلست الأم بجوار الحوض المتهالك تبكي ، واضعه خدها على يديها ،،،،،،
الأب وجد الفتاتين الصغيرتين تبكيان بصوت عالى فسبهما  ، وخرج وجلس على سلم البيت القديم يدخن السجائر ،،،،،،
لم يستكمل صنع طائرته الورقيه ، فأخرج الخوص الخشبي والخيط والنايلون وجلس في ساحة الصالون الصغيرة وبدأ في تركيبها ،،،،
ربط عيدان الخوص الصغير في بعضهم البعض على شكل دائرة خماسيه ،،،
ووضع القماش الخفيف في الوسط ، وقص شرائط النايلون على شكل اجنحة وذيل ،،،،،
وربط فيها بكرة الخيط جيداً ، اصر ان تكون اطول بكرة خيط لأي طائرة ورقيه في الحارة ،،،،،،،،
كان دائما مايخرج وحيداً من الحارة بعد ان يلعب مع باقي الصبيه ، يذهب الى الشارع الرئيسي بعد أن يتخطى الكثير من الأزقة الضيقه ،،،،
قبل ان يصل للشارع الرئيسي ، توجد تلك الأبراج الشاهقة التي تحجب خلفها تلك البيوت الصغيرة والشقوق المتداخله في بعضها ، يرى دائما للوهله باحتها الخلفية  التي تنبعث منها رائحتها الكريهة ومخلفات المطاعم والمحلات ،،،،
يستدير لواجهة العمارات والأبراج ويرى الشارع الرئيسي بأضوائه البراقه ، والسيارات الفارهه التي تقف على جانبي الشارع ، مطاعم الوجبات السريعة ذات الواجهات الزجاجية ، والمقاهي التى تخرج منها الموسيقي الصاخبه ، والفتيات الجميلات التي يخرجن من السيارات المكشوفه واحدهن تجر كلب ابيض صغير بسلسلة ،،،،،
يظل يتمشى وحيداً ، ثم يعود من حيث أتى ،،،،
يعود الأب مخدراً في أواخر الليل ، وتسأله الأم عن سر تأخره والنقود فيسبها ويصفعها ويبدئان الشجار من جديد ، وتعاود الفتاتان الصغيرتان صراخهما مرة أخرى ، وهو جالس نفس جلسته فوق حافة الشباك ، ينعكس عليه ضوء القمر ، مع اضواء باهته ضعيفه تخرج من خلف الشبابيك الصغيرة ،،،،
ينظر للمقهى الحقير الذي لا يوجد فيه سوى شابان يلعبان الورق ، ورجال شرطه ومخبرين يجرون ثلاث شبان ويضربوهم ضرباً مبرحاً ،،،،،
الطائرة الورقية جاهزة الأن ، واليوم هو يوم اجازته ،،،،
كان يوم جمعه من ايام نوفمبر ، الريح هادئه والشمس ساطعه مع بعض السحب القليلة ،،،،
أخذ طائرته ووقف على أول الحارة يحركها رويداً وببطء ، تسقط منه ،،،،
يشدها مرة اخرى ، ثم تسقط من جديد ،،،،
يترك لها الخيط ويجري قليلا عكس اتجاه الريح ، ثم تسقط من جديد ،،،،
تزداد الرياح قليلاً ، فتبدأ في الأرتفاع تدريجياً ،،،،
ترتفع وتعلو مع الريح وهو يترك لها الخيط ببطء ،،،،
بدأت تتخطى البيوت الصغيرة في الحارة وتتجه شمالاً بأتجاه الشارع الرئيسي ،،،،،
ظل يترك لها الخيط ، ويتحرك مع طائرته في أتجاه الريح ،،،،
ثم أطلق لها العنان ، وترك الخيط من يده ،،،،
ظلت ترتفع فوق البيوت ، وفوق الأبراج المطله على الشارع الرئيسي ، تعانق الشمس والسحاب ، وهو ينظر لها ويبتسم ،،،،
تستمتع بحريتها مع الريح والحمام يتمايل حولها يذهب ويعود ،،،،،
ظل يمشي ورائها لا يريد ان تختفي عنه ، لا يدري اين ستذهب ، لكنه ادرك فقط انها لن تعود الى حارته ابدا ،،،،
ايذهب معها ، أم يتركها مع أحلامه ،،،،
مع مغيب الشمس بدأت تختفي طائرته الورقية وسط زحام الأبراج الشاهقه والبيوت الممتدة على الأفق البعيد ،،،،،،

الثلاثاء، 12 أكتوبر، 2010

نظرات


هل ستراه اليوم أم لا ؟
انها مجرد نظرات عابره لا تستمر سوى لحظات ، عندما تقابله صدفة في الشارع او عندما يصتدمان في العمارة التى يسكنان فيها ،،،،
خلف تلك النظرات تحس انها تعيش عمر طويل ، كأنها تعرفه ومن هي طفلة صغيرة يلاعبها ويحميها وقد يقسوا عليها ،،،،،
تنتظر منه انه يكلمها او يبتسم لها ،،،،،
لا تستطيع ابداً ان تبادر هي ، بالعكس انها تهرب منه ،،،،
تنتظره في شرفتها وهو عائد من نزهاته الليليه ، تختبيء خلف الستار وتراقبه ،
وهو يرفع عينيه فيجد ضوء غرفتها يتسلل عبر الستار فيدرك انها مستيقظه ،،،،
قد يلمحها ، أنه يأمل فقط في نظره من عينيها .....
عقلها دائماً ما ينبهها انها صغيرة ، فتخاف ان تكون مجرد طفله حمقاء ، وهو لا ينظر اليها ، فربما لا يعيرها اهتماماً ويعتبرها مجرد طفله ،،،
تتحدث مع صديقتها عنه ، وتخبرها عنه الكثير ،،،،
ويتحدث هو عنها مع أخيه ،،،،،
صديقتها احدى قريبات زوجة اخيه ، فتخبره بأن صديقتها مهتمه بأخوك ،،،،
تدركه الدهشه من تلك الصدفه ،،،،
مازال يبحث عنها ،،،،
مازالت تختلس النظرات لكي تراه ،،،،
مازالا يحاولان اختراق حاجز النظرات ،،،،
لم تواتيهما الشجاعه كي يقفزا من فوق حاجز الصمت والنظرات ،،،،
انه الخوف والانتظار والرغبات والخجل ،،،،،
حب مازال يحبو خطواته الأولى ، ترى سينمو أم سيُقتل وليداً ،،،،
من نظرات الى مجرد ذكريات ,,,,,,,




الاثنين، 4 أكتوبر، 2010

حياة هؤلاء

يبدأ يومه مع بزوغ الفجر في بيته القابع في احضان المقابر القديمه للقرية ،،،
حوش صغير وغرفتين  ، غرفه ينام فيها هو وزوجته ، والغرفة الاخرى للولدين والبنتين ينامون فيها ، الغرفتان مفروشتان بالحصير البالي والأساس المستهلك ،،،
كان الصبح مازال يوشك ان يطرق الباب على الدنيا ، فمازال الحوش مظلم بعد ، الا من ضوء يأتي من بعيد من مصباح انارة يطل على المقبرة المجاورة ،،،،
يودع زوجته قبل ان يخرج لانتظار عمل جديد ، قد يفلح انتظاره وقد يخيب ،،،
يجهز عدته الفأس والجاروف والأزميل ويربطهم جيداً ،،،،
يمشي كثيراً مخترقا المقابر ثم الغيطان حتى يصل الى الطريق السريع ، ويقف منتظراً الميكروباص ،،،
يجب ان يصل الى المدينه مبكراً فربما يأتي الرزق فلم يجده ،،،
يصل الى الميدان ، ومازالت الشمس لم تصل الي شدتها وقيظها ،،
ينظر الى الميدان والازدحام يحيطه من كل اتجاه ، سيارات تقف في اشارة المرور وطلبة الجامعه والمدارس يسرعون الخطى ، والدكاكين تبدأ في فتح ابوابها ،،،
يذهب الى النافورة التي تتوسط الميدان فيجد زملائه يجلسون حولها في جلسه دائرية ، كل واحد فيهم امامه ربطة الفأس والجاروف والازميل ، ويجلسون صامتون في انتظار الرزق الذي يأتي بطيئا او قد لا يأتي ،،،
مع مرور الوقت يزداد عدد الجالسون الصامتون ،،،،
تأتي سيارة نصف نقل وتقف بالقرب منهم ، ينزل منها شخص وينظر اليهم ،،،
كلهم يقفون وينظرون اليه في استجداء ومذله ،،،،
يقترب منهم ويقول اريد فقط اربعه لنقلة طوب في احد العمارات التي يتم بنائها ،،،
يتقدمون اليه فيقوم بأنتقاء افضلهم ويجلس الباقي في حزن وحسرة ،،،،
لم يكن من الاربعه المُختارين من قبل الرجل صاحب السيارة ،،،
وقف احدهم وذهب الى الجالسون واخذ من كل منهم جنيه او جنيه ونصف ، وذهب لاحضار الخبز والشاي وقليل من الفول والجرجير ،،،
جلسوا لتناول فطورهم ، وفجأة ظهرت سيارة نقل كبيرة من سيارات شركة الغاز الطبيعي ،،،،
تركوا فطورهم وهرولوا اليها ، فنظر المهندس اليهم وقال سنأخذكم جميعا لأعمال الحفر ، واتفق معهم على 20 جنيهاً لكل واحد منهم ،،،،
كانت الشمس قد بدأت ترسل حممها الصيفيه الساخنه فوق الرؤوس ،،،
وصلوا الى الشارع المراد حفره واستمعوا لتوجيهات المهندس ،،،،
انتهوا من العمل بعد الغروب ،،،،،
اخذ العشرون جنيهاً وهو سعيد ، اسرع الى المخبز كي يشتري الخبز ثم اشترى الفول والطعمية ،،،،
واتجه الى الموقف الخاص بالسيارات الميكروباص المارة بالقرب من قريته ، وهو يحمل عدته والخبز والطعام ،،،
في الطريق السريع تم ايقاف الميكروباص من قبل لجنة تفتيش ،،،
نظر الظابط الى الركاب وطلب منه هو واثنين اخرين البطاقات الشخصية ،،،
وقام بأحتجازهم وطلب من الميكروباص ان ينطلق
انها حياة هؤلاء ,,,,,,,,