الأحد، 28 نوفمبر، 2010

سَفر الأحلام

أحكم ربط الكوفيه الصوف حول عنقه لتدفئه جيداً ، كان الجو هذا الصباح بارد والضباب والشبورة المائية بعد الفجر يملئان الدنيا ،،،
الندى وبخار الماء يغطيان سيارته الكبيرة ، فأخرج فوطته الصفراء ولمع السيارة جيداً ، وقام بتشغيل الراديو على اذاعة القاهرة ، برامج الصباح الأخبارية والمنوعه والأغنية المعتادة صباحاً : يا صباح الخير يالي معانا .. الكروان غنى وصحانا ،،،،
أشعل سيجارة وانطلق بسيارته بأتجاه موقف سيارات الأجرة واتخذ دوره بين السيارات الأخرى ،،،
بدأ الزحام من الموظفين وطلبة الجامعات ،،،
وذهب ليشتري سندوتشات الأفطار مع كوب الشاي وجلس على طاوله يراقب سيارته والزبائن ،،،،
بدأت السيارة تمتلىء بالزبائن ،،،،
سيدة عجوز وزوجها ذاهبان لزيارة بنتهما المتزوجه في بلد اخر بعيد عنهما ، يمسكان حقيبة وسلة صغيرة بها بعض الهدايا للابنة ،،،،
ثلاثة عساكر يخدمون في الجيش احتلوا المقاعد الخلفية ، قد انتهت اجازتهم وراجعون الان للمعسكر الذي يخدمون فيه ،،،
سيدة صغيرة في السن تحمل ابنتها الرضيعة التي تبكي ، معها حقيبة ملابس صغيرة ، الدموع تغطي وجه السيدة ، من الواضح انها غضبى من زوجها وفي طريقها الى بيت اهلها ،،،
طالب جامعي لحيته كثيفه ، اول ماركب السيارة لبس نظارته الطبية واخرج مصحف صغير وبدأ في قراءة القرأن سراً ،،،
ظل مكاناً شاغراً في السيارة ....
وقف ينتظر كثيراً حتى تكتمل السيارة وينطلق ، الركاب اخذوا يتململون ،،،،
جائت من بعيد تنظر  حولها كأنها تبحث عن شيء ،،،،
نظر اليها وقال : الاسكندرية ؟؟؟
التفتت اليه كأنه نبهها الى المكان الذي يجب ان تذهب اليه فقالت : اه نعم نعم الأسكندرية .....
ركبت السيارة بجواره ، والسيدة الغضبى بجوار الباب ،،،
أحكم اغلاق أبواب سيارته وقام بمسح الزجاج ثم ركب سيارته : وطالب الركاب بقراءة فاتحة الكتاب وقال توكلنا على الله ،،،،
كان العساكر الثلاثه يتكلمون ويهزرون بصوت عالي ، والرضيعة الصغيرة تبكي تارة وتنام ، والسيدة العجوز هي وزوجها لا ينفكان عن الكلام والذم في زوج ابنتهما ،،،
قام بتحريك مرأة الرؤية الخلفية فوقع عينه على عيناها ، كانت عيناها شديدة الجمال ، سوادهما يخفي كثيراً من اسرار صحبته ، مع الطريق كان الحزن يخنق تلك العيون السوداء ،،،
طلب من الركاب تجميع الأجرة ،،،
ثم بدأ حديثه معها : أي مكان تحبين أن  تذهبي في الأسكندرية ؟؟
قالت وهي تنظر الى الطريق الممتد والسيارات المسرعه : لا أدري ....
نظر الى عيناها في المرأة فوجدها غير منتبهه له وقال : اذاٍ لماذا ركبتي معنا ؟؟
تساقطت دمعة صغيرة من عيناها وقالت : وجدتك تقول الأسكندرية فأحسست ان جائني جواب سؤالي الى اين اذهب ....
بلد أبي ومسقط رأسه لكننا هجرناها منذ زمن ، والان اعيش مع أمي وزوجها بعد وفاة أبي ....
كانت الرضيعة قد نامت ، وأمها وضعت رأسها على زجاج الباب المجاور لها ونامت مع طفلتها ،،،،
قال لها : مازلتي صغيرة على كل هذا الحزن ...
أبتسمت أبتسامه صغيرة بين دمعتها وقالت : الحزن ليس بعمر الواحد منا وأنما بما يعانيه فقط ، يوجد ما يعاني في سنة أكبر ما يعانيه غيره في خمسه وستة سنوات ،،،،،،
قام برفع زجاج الباب ، كان الهواء بارد فخاف على الطفلة الرضيعة ان يصيبها الهواء بالبرد ،،،،
قال : لا يوجد في هذه الدنيا ما يستاهل ان نحزن من أجله ، الطريق والسفر علموني أن الحياة ماهي الا طريق نبدأه ولابد له من نهاية وكل منا له محطته التي يصلها وتنتهي عندها رحلته ،،،،
وصل الى المدينة وبدأ الركاب كل واحد فيهم ينزل في محطته التي جاء من أجلها ،،،،
كانت الشمس ساطعة وغيوم الشتاء وقت الظهيرة قد تبددت ، وقف بسيارته بجوار الكورنيش وقال لها : تعالى نجلس أمام البحر ....
بدأت تكفكف دموعها ،،،،
كان صبي على الرمال يلعب بطائرته الورقيه ، يستمتع بدفء الشمس وهواء البحر يحمل الطائرة الورقية ويمرجحها يمنة ويساراً ،،،
أنطلق الى الشاطيء ، وبدأ يلعب مع الصبي ، ينثر عليه الماء والطائرة تطير وهما يجريان خلفها ،،،
كانت هي تراقب من بعيد وتضحك ،،،
انفلتت الطائرة من الصبي وظلا يطاردنها ،،،
ذهبت اليهما واخذت تجري معهما تطارد الطائرة ،،،
كانت الطائرة تلمع تحت اشعة الشمس ، والهواء يأخذها بعيداً ،،،
وهم يطاردونها كأنهم يطاردون سعادتهم واحلامهم الى أن يمسكوا بها في يوماً من الأيام ويصلوا اليها  ,,,,,,,,

الأربعاء، 24 نوفمبر، 2010

الدائرة المغلقه

ازدادت ضربات قلبه بشدة وتسارعت انفاسه ، واستيقظ فجأة من نومه وهو غارقاً في عرقهِ ، وسادته كان يبللها العرق بشكل كبير ،،،،
أنه نفس الكابوس الذي يطارده بأستمرار ،،،،
حاول ان يتنفس بهدوء ويأخذ نفسٌ عميق ، ظل جالساً على سريره واضعاً رأسه بين كفيه ، بحث عن زجاجة المياه بجوار السرير فشرب منها قليلاً ثم أفرغها على رأسه ،،،
وقف والماء يبلل شعره ويتساقط منه ، ثم نظر الى الصور المعلقه على الحائط والموضوعه في براويز صغيرة على مكتبه ، كانت جميعاً له هو وزوجته الجميله ،،،
واحده على البحر واخرى لها وهي في مدينة الملاهي واخرى على سفح الجبل ،،،
ذهب الى الحمام وفتح صنبور الماء الساخن وظل تحته كثيراً يغسل افكاره وقبلها يحاول ان يغسل احزانه ،،،،
خرج من الحمام وصنع لنفسه كوب القهوة وارتدى ملابسه الثقيلة وخرج من بيته ،،،
كان الجو بارد والمطر لم يتوقف منذ الليلة السابقة ، فأحس بثقل قطرات المطر على رأسه ،،،،
ميعاد التجمع في مركز التأهيل النفسي مابعد الأدمان !!!
تردد ان يذهب هذا اليوم ، فقد مل الذهاب وسماع قصص المرضى ، لكنه ذهب ليتحاشى اتصالهم المستمر ،،،
تجمعوا في القاعه الكبيرة وجلس المعالج النفسي في أولها ، وجلس هو في اخر الجانب الايمن من القاعه وظل يستمع لاعترافات المرضى واحزانهم وخوفهم من الانتكاسه والعودة للأدمان ،،،،
جاء الدور عليها لكي تتحدث ، فتاة جميلة في الثلاثين من عمرها ، يظهر عليها بعض الهزال والتعب مازال في عينيها لمسة من الوهن والضعف  ،،،
أبتسمت ابتسامة رقيقة وتحدثت ، القت السلام ثم عرفت بنفسها وسنها وقالت : اقلعت عن الادمان منذ عامين بعد معاناة شديدة وتجربة مريرة عشتها لكي ابرأ منه ، فقدت أمي وانا في العاشرة من عمري ولي أخ واحد يكبرني بخمس سنوات ، كان أبي يعمل في الخارج وبعد وفاة امي تزوج واصطحب زوجته الى البلد التي يعمل بها وتركني انا واخي في رعاية خالتي التي لم تتزوج ، واغدق علينا الكثير من المال ، وكانت خالتي تسيء استغلال هذا المال ، كانت خالتي شديدة الاستهتار ولا تجيد التعامل معنا ولا الحزم  في هذة السن الخطرة ، لم يكن لي غير أخي يوجهني ويعلمني الصواب من الخطأ ، الي ان فقدته في حادث سيارة رحمه الله وهو في سن الثانية والعشرين وكنت أنا في السابعة عشرة ، لم يكترث أبي لما حدث ولم يقرر حتى ان يعود الي او يأخذني معه ، بل تركني لخالتي ، واحسست وقتها بالمجهول والوحدة ، الي ان تصاحبت على اصدقاء السوء وبدأت بالتدخين ثم السهر كثيراً والأدمان ، كنت أريد ان اموت وارحل عن هذا العالم ، ادخلني أبي اكبر مشفى للعلاج من الأدمان وبدأت رحلة العلاج المضنية والصعبه ، اكثر من ساعدني وأدين له بالفضل بعد الله هو المُعالج النفسي ، كنت كلما اعاني من النوبات والتشنجات يأتيني بعدها ويسمعني القرأن على شرائط الكاسيت ويذكرني بأخي ، وفي يوم وجدته في المشفى .......
كانت وهي تتحدث تنظر له بين الحين والأخر وهو واضعاً خده على يده يستمع اليها ، ناظراً الى عينيها ،،،
ثم استكملت : وفي يوم وجدته في المشفى ومعه طفلة صغيرة وجميله ، قال لي انها طفله يتيمة أسمها على أسمك ، وهي مسؤلة منك منذ الان ، لو تركتيها قد تصبح هي الأخرى مدمنه مثلك ، لقد فتح لي افاق جديدة للحياة وهدف اعيش من أجله ، أصبحت طفلتي هذه هي حياتي ، كلما تنتابني الرغبة في المخدر وادخل في النوبات الشديدة اجدها أمامي تنظر الى وتستحلفني أن اقاوم من أجلها ولا اتركها وحيدة ويتيمه كما عشت انا  ،،،،،،
بدأت الدموع تنزل من عينيها ، فمسحتها وابتسمت ،،،،
جاء الدور عليه كي يتكلم لكنه اعتذر في هدوء وقال ليس عندي رغبة في الكلام ، وهم بالأنصراف ،،،
عندما خرج من القاعة ، خرجت خلفه واستوقفته وقالت له : لماذا لم تتحدث ؟ كنت أريد أن اسمعك ...
احكم اغلاق معطفه بسبب البرد وقال : ليس عندي ما أقوله ...
ابتسمت له وقالت : لا يوجد أحد ليس عنده كلام ، حتى في اكثر لحظات صمتنا يوجد داخلنا ما يمكن ان نتحدث عنه ....
تمشا سوياً وخرجوا الى الشارع ، كان المطر قد توقف لكن الجو مشبعاً بالضباب ، والشوارع مازال بها اثار المطر ،،،
كانا قد تعرفا على بعضهما في مركز التأهيل النفسي ونشبت بينهما الصداقه ،،،
كانت من داخلها تحبه ، وهو لا يدري أيحبها فعلا أم انه يطارد فيها شبح زوجته التي فقدها واتجه بعدها للأدمان والعلاج منه ،،،،

بعد مرور عام ,,,,,,

كان يصرخ صرخات شديدة وهيستيريه ، ومعه الطبيب ، والمساعد يحكم قبضته عليه ، كان يبكي ويقول : انها دائرة مغلقه وأنا اجري داخلها ، اعود لنفس النقطة التي بدأت منها ولا استطيع الخروج أبداً ،،،،
يهدأ قليلاً ويذهب في نومُ عميق ، ويتصبب عرقاً اثناء نومه ويصحو من نفس الكابوس مرة اخرى ،،،
كان قد انتكس علاجه من الأدمان وعاد له مرة اخرى ، فقد تركته فجأة واحس بالوحده بعدها ، لقد استدعاها أبوها الى الخارج كي يزوجها ،،،،
أحس انه فقدها وفقد طريقه للخروج من دائرته المغلقه التي كانت  تزداد احكاماً عليه ،،،،
لم يستطع أبوها ان يرغمها على الزواج والبقاء في الخارج ، فعادت من جديد لطفلتها اليتيمة التي تكفلتها ، وعادت اليه لكي تنتشله مما هو فيه ،،،
ظلت بجواره هي والطفلة يساعداه على الشفاء ،،،،
تعبت معه كثيراً ، ولا تتركه ابداً ، تأتيه بالطعام وتتابع علاجه وتذهب به الى الطبيب ، الى أن بدأ في التماثل للشفاء واسترداد صحته تدريجياً ،،،
وبعد مرور عدة أشهر كانت أول جلسة له في مركز التأهيل النفسي ،،،،
ذهبا سوياً ومعهما الطفلة وجلسا في القاعة ، في المنتصف ،،،
وبدأ بالحديث : القى السلام اولاً وقام بتعريف نفسه وقال : لم أتكلم كثيراً ولكن سأحكي عن الكابوس الذي ظل يطاردني الى ان انتصرت عليه مؤخراً ، كنت أجد نفسي في مكان متسع على هيئة دائرة مغلقه ، جدرانها مرتفعه كأنها عبارة عن جبل دائري وانا في وسطه تماماً ، والظلام يغطي المكان ، وانا اجري داخل الدائرة وأبكي ، احاول ان اتسلق الجدران فأجد رجلي ثقيلة لا تساعداني ولكني احاول ، وكلما اتسلقها اجد زوجتي رحمها الله بجواري تتشبث بي ثم تسقط وتختفي ، وفجأة أجد الجدران اصبحت ملساء واهوي مرة اخرى على الارض ، وكلما أهوي اجد الدائرة تضيق ،،،
ظل هذا الكابوس يطاردني الى ان وجدت الأنسانة التي اخرجتني من تلك الدائرة ، وفتحت لي باباً داخلها ، فلا أعود الى دائرتي مرة اخرى ،،،،،
خرجوا سوياً هو وهي والفتاة ،،،
كان الجو ربيعاً والسماء صافية والنجوم تتلألأ فيها ،،،
أمسكا بيدي الطفلة وانطلقوا سوياً ،،،،،


السبت، 20 نوفمبر، 2010

قبل الغروب

لا تزال طيور ابو القردان نائمة ومختبئة في اغصان اشجار الكافور المزروعة على جانبي النيل ،،،،
لم يكن الشروق قد أتى بعد ، مازال شفق الشروق الأحمر يغازل النور ، منتظراً الصباح ،،،،
مع انتفاض الطيور من مهاجعها وهبوط اول شعاع للنور على سطح النهر ،،،،،
يأخذ زوجته وأبنه ويخرج بمركبه ذو الشراع الأبيض كي يبدأ رحلته اليومية ،،،
بيته الصغير عبارة عن دار من الطوب اللبن على سفح النهر ، تحاوطه قطعة أرض صغيرة ، يزرعها احياناً بالبرسيم لترعى فيه جاموسته الوحيدة ، او يزرعها بالجرجير ،،،،
معلق على الحائط ادوات الصيد ، شبك بمقاسات مختلفة ، خطاطيف لصيد الأسماك الكبيرة وبعض المشنات لحفظ الأسماك ،،،
يبدأ برمي شباكه على طول سير المركب ، يمسك دفته ويوجهها ، يكافح التيار ويعانده تارة ، ويسايره تارة اخرى ،،،
يحرك شراعه حسب اتجاه الريح ،،،
تظل زوجته بجواره تخيط الشبك المقطوع وتصنع له الأفطار ، ويساعدها الأبن الى ان يصل المركب  الى البر كي يلحق بمدرسته ،،،،
يظل متجهاً معانداً لتيار النيل نحو الجنوب ، يسابق حركة الشمس كي يرمي كل شباكه في الأعماق ، ويغني تراتيل صبره مستجدياً الوهاب الرزاق ان يجعل النيل كريماً معه هذا اليوم ،،،،،،
مايجمعه من أسماك البلطي والبياض والمشط تأخذه زوجته وتبيعه على الطريق ،،،
يظل السمك يقاوم خروجه للحياة الأرضية ويتلوى ناقماً على من اخرجه من دنيته الخاصه ،،،
يقفز ويتلوى في الشبكه ثم المشنة ، فتضع عليه الزوجه بعض النباتات والأوراق النيليه الخضراء ، فتضعف مقاومته ويظل يتنفس ببطء ، فيكون ذلك هو علامة الجودة أمام المشترين والزبائن ،،،،
يفرد الزوج شراع مركبه ويحرك دفته ويذهب الى البر الأخر كي ينتظر أبنه العائد من مدرسته ،،،
يقفز الفتى في المركب ويعود مع أبيه كي ينتظر أمه ،،،
قبل الغروب تكون مشنة السمك قد فَرِغت تماماً ، لقد من الله عليهم بأنه تم شراء كل السمك ،،،،
مع سقوط الشمس خلف الشفق الأحمر في الغروب ، تبدأ طيور ابو القردان العودة الى أعشاشها في اشجار الكافور ،،،
ها هم الطيور والصياد قد خرجوا خِماصاً في الشروق وعادوا بِِطاناً في الغروب ،،،،
تتزين الأشجار بالطيور ،،،
ويلملم الرجل شباكه ويُنزل شِراعه ، ويعود هو وزوجته وابنه الى بيته الصغير على سفح النيل ،،،،

الأربعاء، 17 نوفمبر، 2010

مذكرات الحب والحرب ( رُقية )

قرية زيرنوفودسكا .. بالقرب من العاصمة الشيشانية جروزني \ ربيع 2002

وقفت تدفيء نفسها بالشمس  بالقرب من باب بيتها ، بجوارها طفلها يلعب بدراجته الصغيرة ، كانت تنظر الى حقلها الصغير المزروع بالقمح ، أوان حصاده لم يأتي بعد لابد ان تنتظر لبداية الصيف  ، حيث طال الشتاء وتساقطت الثلوج كثيراً هذا العام ،،،،
تزوجت وهي في سن الثامنة عشرة من ابن عمها عمر كريموف ، كانت من اجمل نساء القرية وتقدم لها خُطاب كثر ألا انها اختارت ابن عمها حيث كانت تجمعهما قصة حب منذ الصغر ، وانجبت طفلها الوحيد منذ ثلاثة سنوات واسمته على أسم أبيها علي ،،،،،

كان أسمها رُقية علي رحمانوف ،،،،
 هذا اليوم تجمع بالقرب من بيتها بضع من نساء وفتيات القرية يتحدثون عن التوتر القائم منذ فترة ، وخروج بعض  رجالهم لتلبية نداء قائدهم موسى باراييف للجهاد ضد الروس بعد مقتل عمه القائد الاكبر عربي باراييف ،،،
قاموا ببعض العمليات ضد دوريات للقوات الروسية على الحدود مع انجوشيا وداغستان ،،،
ألا ان جائت اكبر العمليات منذ أيام وقُتل فيها اكثر من عشرين روسياً ، وكان متورط في العملية بضع من رجال القرية ،،،،
زوجها لم يخرج مع الرجال حيث فضل ان يبقى مع زوجته وطفلهما ، وللعناية بالحقل الصغير ، لا يوجد مايعتني بهما في غيابه ، ففضل أن يبقى بجوارهما ،،،،

بعد مرور ثلاثة أيام ,,,,,

نزل المطر هذا الصباح زخات ، فأسرعت رقية بجمع ملابسها المغسولة خارج بيتها ، وقام الزوج بأدخال بعض المستلزمات الى داخل البيت ،،،
ألا انهما سمعا صوت مكبرات الصوت الخاصة بالمسجد تحذر اهل القرية من الخروج وتطالبهم بألتزام الديار ، القوات الروسية المدججه بالسلاح والدبابات والمصفحات شرعت في اقتحام القرية ، بعدها بقليل بدأ دوي أطلاق النيران الخفيفة والثقيلة ، اخر ما نطقه المنادي من ماذنة المسجد الله اكبر ثم صمت ،،،،،
أخرج عمر بندقيته الكلاشينكوف وطالب زوجته ان تغلق عليها باب الدار وتظل هي والطفل ولا تخرج مهما حدث ،،،،
بدأ القتال في القرية بين بضع من الرجال المسلحين بألاسلحة الخفيفة والبيضاء وبين القوات الروسية المدعمة بالمدرعات والدبابات ،،،،
لم يصمد الرجال كثيراً فسقط منهم الكثير وتم اعتقال الباقين منهم ،،،،،
ظلت القوات الروسية تجوب القرية بحثاً من المطلوبين من المجاهدين ، واعتقلت النساء والأطفال والعجزة واحتجزتهم في سيارات الأعتقال الكبيرة ،،،
كان عمر يحاول التسلل الى منزله للوصول الى زوجته وطفله والهرب بهم الى احدى التلات القريبة من القرية ، وعندما وصل وحاول الفرار هو وزوجته وطفله كانوا الروس قد حاصروا المنزل واقتادوهم للأعتقال ،،،،
أعلن مكبر الصوت من أحدى المصفحات الروسية موجهاً حديثه الى أهل القرية باللغة الشيشانية الناخ : بأن من يدلى بأي معلومات عن المجاهدين سيتم الأفراج عنه وتأمين سلامته ،،،،،،
لم يصلوا لأي معلومات ،،،،

صباح اليوم التالي ,,,,,

تم ربط وثاق رقية واقتيادها مع بقية زملائها من النسوة والفتيات الى احدى الساحات في القرية ،،،
كان الفتيات يصرخن ويبكين والنسوة أيضاً ، وكانت رقية تهدأ من روعهم وتطالبهم بالصبر وتقول لهن : لا تحزنوا أن الله معنا ،،،
كانت قلقة وفزعة على طفلها لا تدري ماذا فعلوا به ،،،،
لقد أخذوه منها وقت الأعتقال عندما ضربوا زوجها ففقد الوعي وهو يقاوم الروس ، لا تدري ماذا حل بهما ، كان الطفل في المسجد مع بقية الأطفال مع النسوة الكبيرات بالسن الذين لم يعتقلن ،،،،
كان الروس اشبه بالذئاب القطبية البيضاء او الدببه ، ضخام الجثه ، الصرامه والبرود يملئان وجوههم ،،،
أتوا بالرجال مقيدين وصفوهم بالطول في أول الساحه ، وتم اقتياد الفتيات والنسوة الى منتصفها وصرخاتهم تصل الى عنان السماء ،،،
وبدأت عمليات الاغتصاب الوحشية على مرمى من عيون رجالهم ،،،

كانت احدى الفتيات بجوار رقية تقاوم الاعتداء عليها ، فسقطت قتيلة بجوارها وهي تنطق الشهادة  ،،،،
وصل  جندي روسي الى رقية ، كان اصلع الرأس واحمر الوجه ويضحك وينظر لها بشهوانية ، فقام بنزع حجابها وفك العصابة من على عينيها ، وبدأ بنزع ملابسها ، فبصقت عليه وصفعته على وجهه ، فاهتز صدغه كالخنزير الوردي ، فصفعها بدوره على وجهها فهوت على الارض وسقط الدم على شفيتها وجهها الابيض النقي ،،،
اندفع عمر وصرخ ، فدفع احد الجنود بقبضتا يديه المقيدتين بالشريط ، فقام على اثره باقي الرجال واندفعوا الى الجنود ،،،،
أمر النقيب قائد المجموعة بربط الرجال في المصفحات والاعتداء عليهم جنسياً أمام النساء وزوجاتهم وبعدها أمر بقتلهم بدمٍ بارد ،،،،
لم تدمع ولم تصرخ لكنها ظلت تردد مع نفسها : صبراً جميل والله المستعان على ماتصفون وحسبي الله ونعم الوكيل ،،،،،
سقطت بعض الفتيات والنسوة قتيلات من اثر التعذيب والباقين تم اطلاق سراحهم بعد المجزرة وأحراق البيوت ،،،،،

احدى معسكرات التدريب بالقرب من جورجيا \ صيف 2002

أصبحت الان ضمن صفوف المجاهدين الشيشان ، كانت تابعة للمجموعات الخاصه بموسى باراييف ومظفر باراييف ،،
بعد المذبحة التي وقعت في قريتها أنطلقت رقية هي وطفلها بمساعدة بعض المجاهدين ومعها بعض من أرامل الرجال الذين قُتلوا على أيد الروس الى مغادرة القرية ، كانت مجموعات المجاهدين يوفرون الدعم المادي والاعتناء بأرامل ويتامى القتلى منهم ،،،
ألا ان بعض الأرامل قررن الانضمام الى صفوف المجاهدين وهو ماوافقت عليه القيادة لاستخدامهم في بعض العمليات الخاصة التي تحتاج للعنصر النسائي ،،،
بدأت رقية التدريب في احدى المعسكرات المدعومة مادياً  من بعض المجاهدين العرب والمخابرات الجورجية المعادية للحكومة في موسكو ،،،
كانت تتدرب على حمل السلاح والتمريض ، وبعض من أفانين القتال ،،،
في نفس التوقيت كانت فرقة المجاهدين يعدون لعملية كبيرة في موسكو وينون تنفيذها في مطلع الخريف القادم ،،،

الأعداد لعملية نورد أوست ,,,,,

بدأ التخطيط الفعلي للعملية ، وهي احتجاز رهائن في أحد المسارح الكبيرة بموسكو ، الغرض من العملية هو مقايضة الحكومة الروسية بالأفراج عن الرهائن مقابل وقف الحرب في الشيشان والانسحاب منها ،،،،
العملية تحتاج الى حوالي اربعون من اكفأ المجاهدين ولا مناص من اشتراك النساء المجاهدات التي ستُبنى عليهن الخطة ،،،،
تم أختيار اربعة من النساء في المعسكر من بينهن رقية ، كانت سعيدة وأحست بالفخر بأنه وقع عليها الأختيار ،،،،
بدأ نقل المتفجرات الى موسكو في الشمال عبر الطرق البرية بمساعدة المخابرات الجورجية ،،،،
وانتقال المجاهدين والمجاهدات المنفذين للعملية من اكثر من جهة ، من جورجيا وانجوشيا وداغستان ، بلغ عدد المشتركين في العملية أربعون رجل بينهم ثمانية عشرة امراة تحت قيادة مظفر باراييف ،،،،،

موسكو \ قبل العملية بيومين 20 أكتوبر 2002

وصل المنفذون الى موسكو منذ اربعة أيام أي قبل العملية بستة أيام ،،،،
كانت رقية حزينة على فراق طفلها التي تركته مع صديقتها في الشيشان ، بكيت كثيراً وهي توعده لا تدري أن كانت ستراه مرة اخرى أم لا ، لكن من داخلها قاومت حتى أحساسها بالأمومه من اجل هدف أسمى هو حريتها وحرية شعبها ، من اجل ان يصبح طفلها حراً يعيش بكرامته في وطنه الذي ليس له بديلاً او وطناً أخر ،،،،
تم الأتفاق على كيفية دخول المتفجرات والسلاح الى المسرح ، وتوزيع الأدوار على افراد المجموعة وكيفية تنفذيها بدقة ،،،
جهزوا ملابس السهرة ، البدِل السوداء للرجال والفساتين الروسية للنساء ،،،،

مسرح نورد أوست .. موسكو \ 23 أكتوبر 2002

كان الضباب يكتنف شوارع موسكو وهطل الثقيع بعد الغروب وازدادت برودة الجو ،،،،
بدأ الجمهور يتوافد على المسرح بأعداد غفيرة  ، كان العرض الكبير ووصل العدد الى اكثر من الف ،،،
توضأت رقية وصليت ركعتين واحتفظت بمصحفها الصغير معها وصورة طفلها وزوجها ، وقالت لنفسها أني مهاجرة الى الله فياربي ان عدت عدني منتصره او تقبلني عندك مع الصديقين والشهداء ،،،،،
دخل المنفذون الى المسرح من أبوابه المتفرقه بعضهم كأنهم زوج وزوجته ، واخرين على هيئة عمال كهرباء ونضافة ،،،
انتشر افراد المجموعة في جنبات المسرح العديدة بشكل يجعلهم مسيطرين عليه تماماً ، وانتقل الباقيين الى الأبواب ومنافذ الطواريء  ،،،
بدأ العرض المسرحي ، رجال يغنون على خشبة المسرح ، كانت مسرحية غنائية شعبية من الكلاسيكيات الروسية ،،،
بعد فترة الأستراحه  بدأ المجاهدون والمجاهدات في التلثم وأخراج المتفجرات ، وقام المجاهدات بربط الاحزمة الناسفة حول بطنهن ، ووضع القنبلة الكبيرة وتركيبها في وسط المسرح بين الرهائن ، وبالتالي السيطرة على المسرح بالكامل ،،،،
صرخ النساء والأطفال وبدأ الجمهور يحاول الهرب ،،،،،
قام احد المجاهدين بمخاطبتهم : بعدم الفزع حتى لا يتأذى أحد ، نحن لا نريد دماء ولا نسعى لقتل أحد وسنوفر لكم كل العناية ، نحن هنا من أجل مطالب مشروعه وان تساعدونا بأن تطلبوا من حكومتكم بالأنسحاب من أرضنا وتركنا نعيش في سلام ، فلا تخافوا ، أي منكم يحاول ان يقوم بعمل غبي سيعرض نفسه للقتل ،،،،،
بدأت قوات الشرطه الروسية والقوات الخاصه بمحاصرة المسرح ومحاولة اقتحامه ،،،
لكنهم توقفوا بعد ان جائتهم التحذيرات بأن أي محاولة للأقتحام ستعرض اكثر من ألف رهينة للقتل ،،،،
وأحس الروس بأن الاقتحام التقليدي لن يجدي نفعاً في ظل كمية المتفجرات والاحزمة الناسفة ،،،
كانت رقية تقف بجوار مجموعة من النساء والأطفال ، تلف الحزام الناسف حول بطنها ، والأطفال يبكون اليها بأن تطلق سراحهم ، فطمأنتهم بأن لا يخافوا وسيخرجوا من المسرح سالمين ،،،
بدأت المفاوضات بين المجاهدين والحكومة الروسية ، كان أربعة يمثلون المجاهدين في التفاوض وأبدوا حسن نواياهم للحكومة الروسية بأنهم سيدخلوا معهم الأغذية والأدوية للرهائن وسيسمحون لهم بأجراء الاتصالات عبر الهواتف الجوالة ، واعلن قائد المجموعة عن الأفراج عن جميع الأطفال وعددهم مائة وستون طفلاً بالأضافة الى بعض المرضى ،،،
على الجانب الأخر كانت القوات الخاصة الروسية تخطط لاقتحام المسرح بأبشع الطرق دون مراعاة حتى للرهائن ، بدأت اولاً بأطلاق النار عبر القناصة كنوع من التمويه ، فرد بعض المجاهدين بأطلاق النار على قوات الشرطة فسقط من الشرطة والقوات الخاصة بعض القتلى ،،،
 مع فجر اليوم الثالث من الحصار  بدأت القوات الخاصة الروسية في ضخ غاز كيميائي سام عبر أنابيب التهوية ،،،،
عندما شعر المجاهدون بتحرك القوات الروسية بدئوا في الاشتباك معها قبل ان ينتشر الغاز السام بشكل تام ، فسقط من المجاهدين بعض القتلى ، وسقط من القوات الروسية اكثر من اربعين قتيل ،،،،
كانت رقية تشارك في تبادل النيران ،،،
الى أن اصأبها طلق ناري في صدرها لكنها لم تمت فظلت تقاوم الي ان ابتعدت من مرمى نيران القناصة ،،
كان الغاز بدأ ينتشر في المسرح ، سام جدا يصيب الأعصاب بالشلل المؤقت ،،،
لم يستطع المجاهدون المقاومة والصمود أمام قوة الغاز الكيميائي ، فتساقطوا واحداً تلو الأخر ،،،
أقتحمت القوات الخاصة الروسية المسرح بعد حوالي ساعة من ضخ الغاز ، وقامت بأطلاق النار على المجاهدة التي تسيطر على القنبلة الكبيرة في وسط المسرح ، فأردوها قتيلة في الحال ،،،

في الدور العلوي وصلوا الى قائد المجموعة مظفر باراييف ، واجهزوا عليه فقتلوه ،،،
سقطت رقية من أثر الغاز السام ،،،
الدماء تسيل منها ، لم تستطع تمييز من حاول ان يوقف نزيفها وفجأة أختفى ، بدأت الوجوه والأصوات تتلاشى حولها ، لم ترى سوى زوجها وهو يحصد بمنجله القمح الذهبي في حقلهما الصغير ، وعلي يلعب بينهما ، أحست أنها أمام نهر ، وكروم عنب واشجار رمان وطيور كثيرة ، وملائكة مجنحين ثنائي ورباعي الاجنحة ، يحملنها في هدوء وسكينة ، وقد توقف ألمها وحلقت بعيداً وبعيداً ،،،،،

تعقيب ,,,,

قُتل جميع افراد المجاهدين المشاركين في العملية بما فيهم قائدهم مظفر باراييف ...

قُتل أكثر من مائة وستون  من الرهائن بفعل الغاز الكيميائي السام الذي استخدمته القوات الروسية ، غير الكثير الذين ظلوا في العناية المركزة يُعالجون من اثار الغاز السام بعدما حاولت الحكومة الروسية تضليل الرأي العام وايهامه بأن القتلى سقطوا على ايدي المحتجزين ، لكن اظهرت الصحف والقنوات الأخبارية العالمية الحقيقة وبشاعة ماقامت به القوات الروسية  ...

مازال الشيشانيون يجاهدون من اجل حريتهم واستقلالهم الكامل ،،،،



اهداء الى شهداء المذابح الروسية المنسيين  في الشيشان ، والضحايا من الرهائن الذين سقطوا على أيدي الحكومة الروسية ،،،،،


جميع الحقوق محفوظة .....

الأحد، 14 نوفمبر، 2010

رياح البحر

مازال صدى دقات البيانو يتردد في جنبات عقلها ، وصوت المُعلمة وهي تعنفها بشدة لعدم حفظها للنوتة والمقطوعات التي تدربت عليها ،،،،،،
لا تدري لماذا يطل عليها الماضي دائماً وهي تمارس رياضة المشي في الصباح على كورنيش سان ستيفانو وستانلي ،،،،،
مع كل خطوة تخطيها ، تصدح في داخلها أصوات مختلفة من الماضي ، سواء القريب منه أو البعيد ،،،،،
أكملت عامها السابع والثلاثين منذ بضعة أيام ، لم يبالي احد أن كانت أتمت السابعة والثلاثين أو الثامنة والثلاثين ، هي نفسها أصبحت لا تُبالي ، فكلها بالنسبة أليها أوراق يطيرها الخريف من شجرة عمرها ،،،،
زوجها أهداها الهدية الروتينية وعزومة العشاء المعتاده في أحدى المطاعم الشهيرة ، نبع المشاعر قد جف مائه قبل أن يبدأ في الجريان بينهما ،،،،،
دقات قلبها بدأت تتسارع مع خطواتها ،،،،،
صوت البيانو عاد من جديد ،،،،
كانت لا تحب درس البيانو ولا المُعلمة ، كانت تُحب الكمان والجيتار ، لكن أمها فرضت عليها تعلم البيانو ، لأنه عادة قديمه في العائلة ، خطأ فادح أن تكسر تلك العادة ،،،،
دقات قلبها لم تهدأ بعد رغم جلوسها على احدي المصاطب الأسمنتية المتناثرة على طول الكورنيش ،،،،،
نظرت الى البحر واستقبلت النسمات الباردة التي بدأت تشتد تدريجياً ، أحكمت ربط المنديل الأحمر حول عنقها ،،،،
عادت صورته من جديد الى مخيلتها ، حبها الأول  ، ذلك الشاب الذي أحبته في صباها واثناء دراستها في الجامعة ، جمعتهما قصة حب ، انتهت عندما رفضته أمها لأنها لم تقتنع به ، وسافر هو خارج مصر ،،،،،،
ابتسمت ابتسامة حزينة ، لا تدري ان كان عتاب أم استسلام ،،،،
هدأت دقات قلبها ، فأستكملت  سيرها وهي تنظر للسيارات المسرعة ، والخطوات المتسارعة حولها ،،،،،
عاد اليها ذلك اليوم ، وجوه مختلفة من أسرتها وأسرة الشاب الذي أصبح زوجها ، جالس بجوارها ، يبتسم لها وهي تحاول أن تبتسم ، لا تدري ماذا تقول وهو لا يتكلم ، أحست أن الصمت قد ساد حياتها من اللحظة التي كان يجب أن يبدأ فيها الكلام ،،،،،
نظرت للعمارات بجانبها ، كانت رياح البحر المحملة بالرطوبة والملح قد أضعفت منها وشوهت منظرها ، كلما اقتربت البيوت من البحر كلما قل عمرها ،،،،
أحست انها مثل هذه العمارات والبيوت ، رياح الزمن ومِلحهُ في عناد معها وهي لا تدري أن كانت ستصمد وتستمر مقاومتها وتحتمي منها أم ستُسلم وتخضع لها ،،،،
بدأ يزداد الزحام وصخب الناس والسيارات ،،،،،
وبدأت تتلاشي دقات البيانو داخلها ،،،،،
عادت من  جديد الى طريق بيتها وأصبح البحر على يسارها والشارع والعمارات على اليمين ،،،،
وربطت المنديل مرة أخرى حول عنقها كي يحميها من هواء البحر البارد ،،،،،،

الجمعة، 12 نوفمبر، 2010

عالم خاص


وقف على حافة السطوح واستقبل بوجههُ شروق الشمس التي ارسلت جزء من نورها قبل ان تبدأ في الصعود رويداً رويداً من خلف الأفق الشرقي البعيد ،،،
أمسك بالورقة الصغيرة وضمها جيداً بقبضة يديه ،،،،
نظر للاسفل فكان الشارع نظيفاً وسيارة التنظيف قد انتهت من رش الماء ،،،،
وبائع الجرائد جالس على الرصيف متدثر بردائه الصوف يستمع الى الراديو الصغير ،،،،
فرد جانحيه ورفع بوجهه الى السماء وقرر ان يخرج من هذا العالم الصاخب ، بعد ان تركته وحيدا ،،،،،،
طار في الفراغ لعله يجدها ويعود لعالمهما الخاص ،،،،،،

كان وحيداً بدون اصدقاء منطوي على ذاته وحالم دائما في تأملاته العجيبه ، يجد في الصمت والقراءة متعته الوحيدة ، يسكن مع أبيه في احد غرف سطوح تلك العمارة العاليه ،،،
الى ان ظهرت في حياته فجأة  تلك الفتاة الجميلة الخرساء ،،،،
جائت للسكن بجواره مع أمها وأخيها الصغير ، فتاة جميلة لم يُعرف سبب فقدها للنطق منذ بضع سنوات لكنها تسمع وتستجيب لمن حولها وتعبر دائما بالرد عن طريق قلمها ومفكرتها الصغيرة ، تقول الكثير عبر عيناها الحالمة والبريئة ،،،،
أول ما رائها وجدها تجلس بجوار قطه صغيرة وتداعبها ، فظل يراقبها عن بعد ، اندهش في أول الأمر وهي تداعب القطه في صمت ،،،،
اقترب منها ونظر أليها ،،،
فأمسكت القطه بين يديها ورجعت للوراء ،،،
رغم هدوئه ألا انه مندفع في تصرفاته ، أبتسم لها وقال : لا تخافي ،،،،
نظرت له وأخذت القطه وهمت بالانصراف ،،،،
فتبعها ووقف في طريقها وابتسم مرة أخرى وقال : لا تخافي أنا جارك ،،،،
نظرت له نفس النظرة الهادئة وأشارت الى فمها بسبابتها بأنها لا تتكلم ، وانصرفت ،،،،،
،،،،،،،،،،،،،،،،،
بدأت صداقتهما وعالمهما الخاص
كانا يجلسان سوياً فوق السطوح بينهما القطه الصغيرة أو أخوها الصغير بجوارهما يلعب بطيارته الورقية ،،،،
يضحك معها ويقرأ لها قصصه العجيبة ويثرثر بكلامه الغريب عن الجيران والعالم والنجوم والشمس والقمر ،،،،
يفهم ما تُريد أن تقوله من تعبيرات وجهها وابتسامتها الدائمة التي لا تفارقها ، وتكتب له ما تحب أن تقوله وتريده عبر مفكرتها الصغيرة ،،،،
يأتي لها بالحلوى ، ويأخذها معه لصيد السمك ، يرقص لها ومعها تحت المطر فوق السطوح ، يرسم لها أشكال عجيبة وغريبة ويستهزأ بالرسم من الجيران الذين يمتلكون الشقق الفاخرة في العمارة ،،،،
عاكسها ذلك الرجل البدين الذي يسكن في الطابق الرابع وحاول التحرش بها ، فرسم له صور مضحكه وفاضحه وعلقها على أبواب المصعد وعلى باب بيته ،،،،،

بدأت صحة الخرساء الجميلة في الذبول ، لم يكن احد يعلم ماذا ألم بها ، لكنه كان ذبول شديد ، ظلت محتفظة بابتسامتها ،،،،،
ذهبت مع أمها للمستوصف القريب من العمارة ، طلب منها الأطباء بعض التحاليل ، منها ماهو في المستوصف ومنها ماهو مُكلف في مراكز التحاليل الخاصة ،،،
أثبتت التحاليل أصابتها بالسرطان وتحتاج للتدخل الجراحي والعلاج الكيميائي ،،،،
عندما علم بمرضها ظل يبكي وحيداً في غرفته ويقطع بعض أوراقه وكتبه ،،،،
لكنه ظل دائماً أمامها يضحك ويلهو كما اعتاد ،،،
جاء الخريف وقد بدأت صحتها في التدهور وشعرها الأسود الجميل يتساقط بسبب العلاج الكيميائي ، فكانت تلبس الكوفيه الشتويه والطاقية الصوف ،،،،
فرسمها وهي تداعب قطتها وخلفها العمارات الكثيرة وسحب الخريف المتناثرة في السماء ،،،،
اصطحبها للسرك هي وأخوها الصغير وعندما عادوا ظل يرقص لها ويقلد جيرانهم في العمارة ،،،،

جاء الشتاء قاسياً هذا العام ، المطر لا يتوقف ألا قليلاً ،،،
الخرساء الجميلة تذبل وتموت بسبب تأخر التدخل الجراحي ، وتنتظر ، وتنتظر ،،،،
ذهب الى المستشفي ومعه بعض الشيكولاته والحلوى ، فوجد سريرها فارغاً !!!!
أمها وأخوها الصغير يبكيان ،،،،
تركت له مفكرتها الصغيرة بها بعض الرسومات لقلوب صغيرة وحروف من اسمه وأسمها وكيوبيد يحمل قوسه ومسدداً سهمه في قلبها ، بعض احاديثها معه ومع أمها عبر قلمها ومفكرتها ،،،،
في أخر ورقه في المفكرة كتبت له : أشكرك على كل ما منحتني من السعادة ، سنلتقي قريباً ونعود الى عالمنا الخاص ، احبك ...........

ظل وحيداً في غرفته لعدة أيام لا يتحدث مع أحد ولا يأكل ،،،،
الى ان جاء صباحاً شتوياً هادئاً ،،،،
نزع أخر ورقة من المفكرة واتجه الى حافة السطوح ،،،،
وقف على حافة السطوح واستقبل بوجههُ شروق الشمس التي ارسلت جزء من نورها قبل ان تبدأ في الصعود رويداً رويداً من خلف الأفق الشرقي البعيد ،،،
أمسك بالورقة الصغيرة وضمها جيداً بقبضة يديه ،،،،
نظر للاسفل فكان الشارع نظيفاً وسيارة التنظيف قد انتهت من رش الماء ،،،،
وبائع الجرائد جالس على الرصيف متدثر بردائه الصوف يستمع الى الراديو الصغير ،،،،
فرد جانحيه ورفع بوجهه الى السماء وقرر ان يخرج من هذا العالم الصاخب ، بعد ان تركته وحيدا ،،،،،،
طار في الفراغ لعله يجدها ويعود لعالمهما الخاص ،،،،،،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة لسلفادور دالي