الثلاثاء، 28 مايو، 2013

ترنيمة الظلام



رن جرس الهاتف وأصدر طنينه مجدداً ، ذلك الضوء المرتعش والمهتز ينبعث في الظلام بجواره وأسفل عجلة القيادة ، صوته ضعيفاً لا يضاهي صوت الموسيقى الهادئة ولكنها مرتفعة نسبياً ، دائماً تعّود أن يستمع الى الموسيقى بصوتٍ مرتفع ...
القى عليه نظره خاطفه كان لا ينوي ان يرد على أحد ، كان يوماً شاقاً ومرهق يريد أن يعود سريعاً ليضع رأسه تحت ماء الصنبور الدافيء كي يوقف تلك المطارق التي تضرب دماغه منذ بداية اليوم ....
مازال الهاتف يصدر طنينه مجدداً ، في ظلام السيارة يتلألأ  أسم حبيبته على لوحة الهاتف الصغيرة ، أمسك الهاتف ورد عليها ، كان الضوء المنبعث من عواميد الأنارة المتراصة على جانبي الطريق تلقى بظلالٍ خاطفة ومتقطعة ، مع مرور كل سيارة قادمة من الاتجاه المقابل تهب عليه ريحٍ صادمة تجعل رأسه المُثقل بالصداع يهتز ....
صوت حبيبته المتقطع الممزوج بالموسيقى المنبعثة من جوانب سيارته يأتيه : حبيبي الساعة قاربت على العاشرة لماذا تأخرت لقد فوّت ميعاد عشائنا ......
بدأ المطر غيثه بقطرات ثقيلة وقليلة ترتطم بزجاج السيارة تسيل في خيوط متعرجة مشوهة يتسلل عبرها ضوء عواميد الأنارة يجعلها أكثر تشوهاً ....
أصبح صوت حبيبته أكثر ضعفاً لم يكن ليسمعها بوضوح ، قام بتشغيل ماسحة  الزجاج ورد عليها : اعذريني ياحبيبتي لقد تأخرت ، يوماً مزدحماً بالعمل أنا في الطريق أنتظريني ....
وضع الهاتف مكانه أسفل عجلة القيادة ، قطرات المطر أصبحت أكثر غزارة ووقع ارتطامها على زجاج السيارة بدا أكثر ثقلاً ، تتحرك الماسحات على جانبي الزجاج الأمامي في حركة منتظمة مصدرة صوتاً كصوت طائر ليلي يأن حزيناً لسببٍ ما تحت جُنح ظلامٍ دامس ، مع هبوط وصعود الماسحات ترسم صوراً لوجوه عديدة ربما رأها وربما لا ، لا يتذكرها كأنها من ماضي سحيق تصبح أكثر وضوحاً ثم تتبدد مع ضوء سيارة قادمة مخترقة دخان الضباب .....
دخان الضباب على مرمى بصره القريب الذي لا يتجاوز ضوء سيارته  يحاوطه ذلك الدخان ، بدا كأن سينقض منه قابض أرواح لا يتسلل الا عبر ذلك الدخان البهيم .....
صوت الموسيقى الهادئة يتسلل وسط ظلام السيارة ممزوجاً برائحة المطر الرطبة ، أمام عينيه اضواء صغيرة من لوحة القيادة  كعيون قط  يعس يبحث عن شيء ما في الظلام ....
هاهي قطرات المطر الثقيلة ترتطم بالزجاج الجانبي للسيارة ، تبدل أتجاه الريح فأخذتها شرقية او غربية لكنها تحاوطه كأنها كفوف تطرق نافذته يظهر بينها تلك الوجوه مرة أخرى ، فاغرة أفواهها صارخة لا يدري ماذا تريد ، تصرخ ثم تتبدد وتتلاشى مع أضواء عواميد الأنارة المتقطعة على جانبي الطريق ....
رن جرس الهاتف مصدراً طنينه مرة أخرى ، ينقطع الأتصال ثم يعود .....
مازالت تنساب موسيقاه الهادئة  ، يتكاثر الدخان والضباب ، تصرخ الوجوه القادمة من أزمانٍ سحيقة ، تطرق تلك الكفوف نوافذه ، تتبدد وتتلاشى ثم تزداد وطأتها ....
يفتح عينيه ببطء وثقل ، أنفاسه تعانده عصية عليه لا يدري أن كان قلبه ينبض أم لا ، أمام عينيه ضوء أحمر متقطع يدور ويدور ، وصوت صفارة سيارة الأسعاف يتسلل الى مسامعه يأخذها بدون هوادة .....
دماء متخسرة مالحة تختلط بلعابه وريقه ، لسانه كأن سكيناً يقطعه كلما لمس شفتيه ...
فقد سطوته ونفوذه على أطرافه وجسمه ، لا يدري لماذا كل شيء يعصيه حتى صرخاته من الألم خرجت عن طوعه ....
أشباح تتحرك لم يكد يميزها ، يدقق اليها نظره ، تقترب منه وتتهامس فيما بينها ، يطرق سمعه لها فلا يسمع سوى الموسيقى وطنين هاتفه ...
تلك الأيادي تقترب منه وترفعه وتضعه على شيء أشبه بالسرير ، أحدهم يمسك هاتفه ويضعه في جيبه ، يتحركون بهِ الى تلك السيارة التي تطلق صفيراً مزعجاً متقطعاً أتضح له أنها سيارة الأسعاف ....
قطرات المطر خفت وطأتها وبدأت في الأنحسار فأصبحت غيثاً رقيقاً كندى يبلل جبهته وعينيه الناظرتين كعيني عصفور غريق ......
كابينة السيارة باردة اجهزة عديدة وأصواتها تختلط  بالصفير المزعج المتقطع ...
يأتيه ذلك الصوت الذي كان يحدثه في السيارة لا يتذكر سوى حبيبي ، يفتح عينيه مرة أخرى بثقل ووهن كأنه يتحدث الي ذلك الصوت القريب منه : أين أنتي .. الان عيني كأبواب مفتوحة كي ترى مابداخلها ... لا أستطيع سوى أن أفتح عيني فقط كي تقوديني من نظراتك الي الحياة  ...
روحي تتبدد وتتسلل ببطء بعيد عني ... كأنها تهوي الى أعماق ظلام بارد تتجمد عاجزة .... من عيني أبحثي عن روحي وقوديها اليّ مرة أخرى .... عينيكي هي الحقيقة والحياة من بين ذلك الموت وتلك الأشباح ....
في ذلك العالم الأخر ربما يضيع أسمي أنتي فقط  تعرفيه .... انتي فقط من ستستطيع أن تناديني فأنهض وينبض قلبي وأصبح حقيقة من جديد ....
أصبح المكان أكثر برودة تنغلق أبواب عينيه ببطء في وجه ذلك العالم ، من بين تلك الأبواب يختفي النور رويداً رويداً ليسود الظلام ....
ينتفض جسده بوقع صدمات كهربائية ، مرة أخرى ينتفض جسده  ، أغلقت عينيه أبوابها ولم يعد يستطيع أحد فتحها ....
رن جرس الهاتف مرة أخرى ينبعث منه ذلك الطنين ، يمتزج بتلك الموسيقى الهادئة ، ينتفض فزعاً متصبباً عرقاً بالكاد يأخذ أنفاسه ببطء ، ينظر للمنبه جوار السرير يجد الساعة  قاربت على السابعة الا قليلاً ، ينظر الى لوحة الهاتف يجد أسم حبيبته ...
يأتيه صوتها رقيقاً واضحاً : هااا كل ذلك الوقت نائماً ، لقد تأخرت على موعدنا !!!
يرد بوهن : أعذريني ياحبيبتي انها مجرد قيلولة سأخذ حماماً دافئاً ولن أتأخر ,,,,,,,,