السبت، 16 فبراير، 2013

عيون



تداخل الأصوات وتندفع داخل عقلها كحبات قمح منثورة تداعى عليها الطيور من كل حدب وصوب ، ضحكات ، الات تنبيه السيارات ، هتافات ، سيارات الأسعاف ، غناء ، طبول .....
تتحسس أنامله بين كفيها ، ينساب كجدول ماء من نبع صافي عبر كفيها وعروقها ثم الى صدرها وقلبها ليسيطر على كل كيانها .....
في عتمة الظلام التي تحاوطها تتبع النور عبر كفيه ونبرات صوته ، كفنار يرشد سفينتها التائهة في بحر لجي مُظلم .....

يتمشيان سوياً وسط الميادين والشوارع ، يضحك وينظر حوله وُيخبرها تفاصيل كل شيء ....
هنا امراة مسرعة ترتدي ثوب أحمر تُمسك بيد أبنها ، الأبن مشدوهاً ينظر خلفه لمحل الألعاب ، ساحر يلهو في وسط الميدان يُخرج النار من فمه وبجواره صبيه يُطير الحمام من قبعة سوداء كبيرة ، رجال يقفون على عمدان طويلة يتحركون بها وسط الزحام ، مجموعة من الفتيات يلونون وجوههم ، طائرات ورقية ، اعلام ترفرف ، فتيات في ايدهن  كاميرات تصوير ، وشباب يرسمون على الجدران ،  طفل صغير يجر عربة بطاطا ، وبالقرب من الميدان ثوار يهتفون ضد الظلم ,,,,,

كانت تطل على هذا الكون عبر شرفة عينيه التي  لا تُغلق أبوابها أبداً أمامها ....

,,,,,,,,,,,,,,

تستفيق في وهن بعد العملية الجراحية التي أُجريت لعينيها هذا الصباح ، ملفوف علي عينيها تلك العصابة من الشاش ، تجلس في سريرها تنتظر وصول الطبيب لينزع عنها العصابة ، تدور الأفكار داخل عقلها هل ستعبر جسر الظلام وتطأ بقدميها عالم النور ، لقد أصيبت بالعمى وهي طفلة صغيرة ، لا تتذكر الأشكال والشوارع ، مجرد ذكريات قديمة مشوشة عن الوجوه والاحداث والعالم بأسره ....

تتفحص الظلام ، حتى الظلام ربما يكون له تفاصيل من وجوه واشكال ، الظلام في حد ذاته حياة داخل شرنقة معزولة تمزقها رويدا رويدا كي تخرج منها كائن جديد ....

تسمع وقع خطواته الخفيفة قادماً اليها كي يكون بجوارها اثناء نزع العصابة عن عينيها ، أمسك بيديها كعادته وداعب اناملها بأصابعه وظلا صامتين ينتظران الطبيب ....

جاء الطبيب ومعه مساعدته ، ابتسم وطمئنها على حالتها وظل يداعبها وأخبرها لو كان يود أن لا يكون وجههُ أول وجه تراه .....

واقفاً خلف الطبيب ينظر الى العصابة التي تغطي عينيها ...

بدأ الطبيب يِفك العصابة بهدوء وحرص ، كلما فك لفافة عن عينيها يزداد خفقان قلبها ، يتداعى الظلام أمام وميض النور الذي ينبلج في ساحة عقلها تنتظر فتح هوة بصرها حتى ينطلق بحرية أليها ....

بقيت الضمادتان على عينيها ، وطلب منها الطبيب أن تتنفس بهدوء وتُغلق عينيها ...

نزع الضمادتان ، ومسح بقطعة قطن رطبة أثار المراهم التي وُضعت على عينيها ، ثم طلب منها أن تفتح عينيها ببطيء ...
أحست بثقل جفنيها كأنهما يأبيان أن يطاوعاها ، لكنها فتحتهما أخيراً ، كان العالم رمادياً وهو دائماً الجسر الفاصل بين النور والظلام ، عالم رمادي تتضح الأجسام فيه ببطيء ....
مع مرور الثواني تُفصح الأشكال عن نفسها ، والضوء يأخذ طريقه ليزيح الظلام ...
يُحرك الطبيب كفه أمام عينيها ويسألها هل ترى كفه ؟؟ ، تُخبره وجفنيها يرتجفان نعم تراه ...
ضوء الشمس يأتي قوياً من بين ستائر الشرفة ، يقف حبيبها مبتسماً بين أشعة الشمس التي تتخلل الستائر ، مازالت ملامحه مظلمة ....
بدأ ينجلي بوضوح وجههُ الذي طالما تحسسته بأناملها و حلمت بِه ورسمته في خيالها ، أبتسم لها واقترب منها ووضع يده بحنو فوق شعرها ....

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

اشتد الهتاف في وسط الميدان ، واقتربت المصفحات بجلبتها والات تنبيهها التي تُنذر بالغضب والغدر ، تطارد الجميع في الشوارع الجانبية المحيطة بالميدان ، الدرجات النارية تحمل المصابين الذين يسقطون بالرصاص الذي ينهال من كل جانب لا يُعلم من أين ، يتدلى أحدهم من على الدراجة والدماء تسيل منه تصنع خطوطاً في الشوارع كدليل يتحسسه الباحث عن شيء ما خلف ذلك القتيل ، علمٌ مرفوع يأبى حامله أن يتركه يسقط .....
وجد صديقه يسقط مختنقاً من الغاز الكثيف ، يركض اليه فتصيبه رصاصة في قلبه فيسقط قبل أن يصل اليه .........

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

لم تعد تتلمس طريقها عبر كفيه وعينيه ، تودعه عن بعد وهي تسير في جنازته المهيبة وسط الميدان ، عينيها لم تكن لتقدر أن ترشدها في طريقها وحياتها  بدونه ، ظلت تنظر حولها لا تستطيع تفسير الألوان والزحام والأصوات .....

دماء ، الطفل الصغير بائع البطاط يسقط بجوار عربته يخضب وجه المتبسم الدماء ، رجل أصلع يُسحل عارياً ويتشبث بالتراب وبالأقدام التي تركله ، أخرين يقاومون على الكوبري أمام المصفحات ، اختفت الضحكات والطائرات الورقية والساحر الذي يُخرج النار من فمه ، والحمام يحلق من بعيد يراقب والفتيات الاتي يحملن الكاميرات ويصورن الأطفال والميدان خائفات من نهش جسدهن واستحلاله ، وعلى الجدار شاب يرسم صورة حبيبها المقتول  .....

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

أغلقت عليها باب غرفتها ، تُغلق في عنف  كل ستائر غرفتها  ، تستدعي الظلام من جديد لا تريد أن ترى وتفتح عينيها مرة أخرى  ، جلست منزوية في ركن صغير في غرفتها ....

يتسلل اليها عبر ستائر شرفتها اشعة الشمس البيضاء ، واضعة رأسها بين ركبتيها النحيلتين ,,,,,