الأحد، 29 سبتمبر، 2013

ليالي سبتمبر

نفض التراب عن فاترينة المحل التي تأخذ ناصيتين على الشارع الصغير الذي يسكن فيه ، والشارع الرئيسي الذي يمر فيه ترام محطة الرمل ، قبل موعد المسلسل الإذاعي في الخامسة والربع من كل يوم يتحرك ببطء بعد تثاقل الزمن عليه ويٌخرج خرقة القماش الصفراء ويقوم بتلميع فاترينة المكتبة من غبار الترام والسيارات ....
منتصف سبتمبر تبدأ الشمس في الغروب مبكراً ، تحاصر السحب الشمالية الغازية من وراء البحر المدينة ، تحجب عنها الشمس وتحرمها قليلاً من ذلك الشال الذي يحتضنها في أوقات الرياح الباردة  قبل أن تبدأ نوات الغضب في أواخر الخريف ....
ثقل جسمه ووهن عظمه فأصبح لا يستطيع مقاومة الرياح الخريفية فيغادر منزله القريب من المكتبة متدثراً بوشاح حول صدره ، نظارته السميكة لم يكن ليفارقها حتى في نومه ، شعره الأبيض الكثيف كالثلج يظل شاهداً على صراعه السرمدي مع الزمن ....
من شرفتها المطلة على الشارع الصغير المتفرع من شارع الترام تكاد ترى المكتبة ، شرفة واسعة أكل ملح البحر ورطوبته قوائمها المعدنية لكنها مازالت صامدة ، تلك المنضدة الصغيرة التي يقفز عليها القط دائما ليبسط زراعيه ويمارس كسله المعتاد ، حول تلك المنضدة كرسيان موضعان عليهما مخدتين نحيفتين ....
تأتي بإبرتين غزل الصوف وبعض كور الصوف الملونة تحيك شال أخر لم ينتهي بعد  ، لم يُرزقا بالأولاد ولم يعلما من السبب لكنهما لم يباليا ...
تثاءب القط وهرش في أذنيه ثم ركز عينيه اللامعتين على كرة الصوف فأنقض عليها يدحرجها ، فدفعته بيديها محذرة فخضع وديعاً وجلس على المنضدة يراقب الشال الذي لم ينتهي بعد ....
هدأت أقدام المارة لم يتبقى سوى بعض الأطفال العائدين من مدارسهم المسائية ، يمر الترام محدثاً برقاً ينعكس على فاترينة المكتبة ...
أعدت أبريق الشاي وقطعة الفطير وكوبين ووضعتهم في حقيبة صغيرة ، ثم وضعت بعض الحليب للقط في وعائه الصغير بجوار باب المطبخ ، ثم أحكمت غلق شقتها وتمشت قليلاً إلى زوجها في المكتبة ، أستقبلها بابتسامة حانية لم تتغير منذ ثلاثون عاماً كأنه يبتسم لها تلك الابتسامة الأولى ، جلست بجواره وأخرجت أبريق الشاي والفطير المحلى وجلسا يتسامران ويتبادلان أحاديث المساء .....
تقف أمام الفاترينة تبحث عن كتاب بين الكتب المعروضة ، شعرها الكستنائي  المنطلق بحرية على كتفيها الصغيرين أضاف عليه الغروب همسهُ اللعوب فأصبح أرجوانيا قليلاً ، تبحث في قلق عن ذلك الكتاب الذي لم تجده على الرصيف بالقرب من محطة الرمل ، نظراتها القلقة الحائرة تسللت عبر الفاترينة للعجوزين خل المكتبة ، فظلا راقبها في صمت حتى تدخل المكتبة وتسأل عما تبحث عنه .....
عبر الشارع سريعاً ، لم ينتظر توقف السيارات لكنه مر بينها  فكادت تصدمه أحداها ، فزعق سائق السيارة من نافذتها ثم أنطلق مرة أخرى ، وقف بجوارها يلقي نظرة على الكتب المعروضة ، رفع عينيه في الفترينة فالتقت بعينيها المنعكستين على الزجاج ، توقف برهة يتذكر أين رآها من قبل ؟؟ أنها تشبهها تماماً ، كأنها هي لم تتغير منذ عشر سنوات ، أحبها في الجامعة ، أمسك بيديها في ذلك الشارع وعلى والكورنيش وفي السينما ، هنا كانت تذوب همساتهما وضحكاتهما بين الزحام وصوت الترام وبين زخّات المطر في أيام يناير القاسية ....
نظرة حائرة ونظرة قلقة تراقبهما عينا العجوزان خلف فترينة المكتبة ...
دخلت إلى المكتبة فوقف لها العجوز مرحباً بها ، فسألته عن كتاب في الأدب اللاتيني لايزابيل الليندي ، أبتسم لها ثم طلب منها الانتظار قليلاً ...
قدمت لها العجوز الشاي ، فشكرتها وظلت تدور بعينيها بين الكتب المرتصة في كل أركان المكتبة  ......
أتى لها العجوز بالكتاب ، فتهلل وجهها وانفرجت أساريرها وظلت تشكره كثيراً ، أزاحت خصلات الشعر المتطايرة على عينيها ثم انصرفت ....
وقف أمام باب المكتبة ينتظرها فاصطدمت به ، نظرت له باندهاش وكاد الكتاب يسقط منها ...
سألها أن كانت تتذكره وأخبرها باسمه !!!
وقفا سوياً على حافة الرصيف يمر أمامها الترام ، أبدت قلقها ، استمر يذكرها بنفسه !!
سألها هل أنتي فلانة ؟؟
أخذت تتلفت إلى سيارة تاكسي ثم قالت : معذرة لست هي ... ربما تشبهني ، لكنني لست هي ....
عبر ببطء إلى الشارع الأخر وظل يراقبها من بعيد ...
كان يغلق المكتبة ويساعده في غلقها أحد صبيان القهوة المجاورة للمكتبة ، وزوجته تنتظر بالقرب منه ، أحكم إغلاق مكتبته  وأمسكها بيدا بعضهما وتمشى إلى البيت ....
ركبت التاكسي وانطلق بها وزاغ بين السيارات والزحام ، نظر اليها وظل يتتبعها بعينيه إلى إن اختفت  ، ثم غادر في اتجاه شارع الكورنيش ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
اللوحة لسلفادور دالي