الأربعاء، 27 نوفمبر، 2013

اليوم الأخير


لم يكن يتوقع كل تلك الضوضاء مبكراً ، صوت السيارات والباعة الجائلين في الشارع الذي يطل عليه البنسيون ، ظل كثيراً في المساء يتجول وسط الشوارع المحيطة بوسط المدينة حتى يجد بنسيون متوسط الحال ورخيص حتى يُقيم فيه أيامه المعدودة في العاصمة لتسويق ونشر كتاباته في بعض الصحف التي كان يراسلها في مدينته البعيدة ....
أحس بثقل رأسه وبعض الدوار ، لم يأكل شيئاً منذ الأمس ، صراخ السيدة الحامل زوجة صاحب البنسيون والتي تديره في غياب زوجها لم يتوقف كأنها تقاوم ثقل الكائن المختبئ في أحشائها منذ زمن بعيد بالمشاجرة والصراخ في وجه الصبي الصغير الذي يقضى الحاجات للبنسيون أو في وجه السيدة الصامتة دائماً التي تطبخ وتقوم على النظافة ....

وقف في شرفة غرفته المطلة على الميدان يتنفس هواء الخريف ربما يزيح وينفض عن رأسه بعض الصداع لكنه أحس بكل تلك الأصوات والألوان والعمارات كأنها تطوف داخل عقله ...
أفاق عندما سمع صوت طرق خفيف على الباب والفتى الصغير يصيح الفطور جاهز يا أستاذ ....

لملم بعض أوراقه من على المكتب الصغير ووضعها في حقيبة جلدية صغيرة ، وخرج لغرفة متسعة تتوسطها سفرة مستطيلة من الطراز القديم عليها الجبن والفول والمربى و أبريق للقهوة وأخر للشاي ، نظر للطفل الذي يجلس وحيداً في طرف السفرة ، هادئاً ، يغني ويتمتم ببعض الكلمات غير الواضحة كأنه يناجي شيئاً ما ، شعره الأسود الناعم يتدلى على عينيه كلما ضايقه يزيحه بأصبعه الصغير ، الطفل لم يلتفت إليه ظل يحرك مكعبات الجبن الصغيرة حتى أتت أمه حملته وأجلسته في حضنها ظلت تتمتم معه بصوت منخفض ثم أخذت تطعمه وهي تنظر في خجل حولها ....

جلس مقابل السيدة والطفل وصب لنفسه كوب من القهوة حتى يتغلب على الصداع الذي يدك أبواب عقله .....

كانت تتحرك بخفة في المكتبة المقابلة للبنسيون في نفس الميدان ، شعرها الأسود تلمه كذيل حصان لم يتوقف عن سطوته وانطلاقه ، عينيها الواسعتين كواحتين شرقيتين تلمعان كأنهما المرفأ للتائهين في الصحاري البعيدة ، قد تكون قادمة هي من قبائل غجرية من أقصى الشمال ، أو جبلية نبتت كشجرة توت بري لا يتحمل حلاوته إلا الأشقياء .....

وقف أمامها مشدوهاً يراقبها ، كانت لغتها الريفية أو البدوية البعيدة عن أهل العاصمة ملفتة له ، كان يكره تلك اللهجة ولا يحبها لكنه ظل مشدوهاً يراقبها ،  نسي لماذا أتى إلى تلك المكتبة ، ألتفتت إليه  بانفعال وقالت : ماذا تريد .... ظل صامتاً لم يجيب ... قالت بعصبية : أنت يا هذا ماذا تريد ؟ .... فاق من غيبوبة النظر أليها وقال : كنت أريد قلم رصاص ورزمة من الأوراق ، صمت قليلاً ثم قال : أيمكنكِ أن تكوني مهذبة أكثر من ذلك مع زبائنك ؟؟
ضحكت .... فأحس بضحكتها كأنها تحمله بين أجنحتها إلى عالم سحري عجيب لا يدري أن كان للحظات أم لأزمنة أبدية قادمة لا يستطيع الفكاك منها ....
                                                        

                                                       ********



ممسكاً بحقيبة كتاباته وقصصه ينتظر قطار مترو الأنفاق ، يقف على الرصيف يسترق السمع للقطار القادم بضوضائه المتدرجة ، اصطدامه بالمارة ولا مبالاتهم بعضهم البعض ، كان يتوق لهذا الزحام ، يقنع نفسه أنه سأم من هدوء بلدته البعيدة ، خفوت الأضواء ليلاً وسيطرة  النجوم على الكون ، كطائر صغير يتوق للهجرة شمالاً عند حلول الربيع ....

يقترب القطار يسبقه النور من فهوة النفق المظلم مؤذناً للجميع للاصطفاف على الرصيف انتظاراً لدخول القطار .....

 ابتلعه الزحام والميدان ، بحر لجيٌ من يغشاه أناسٌ من فوقهم سماء ملبدة بغيوم الخريف ، وصل إلي مقر الجريدة التي يريد أن تُنشر كتاباته ، قابلته تلك السيدة الحسناء التي يفوح منها ذلك العطر الغريبٌ عليه ، لم تكن تهتم بوجوده ونظراته الخجلة المتوترة ، تنظر إلى الصحف وقصاصات الورق المتناثرة على مكتبها ، لم يتوقف جرس الهاتف كلما أراد أن يتكلم ....
أخيراً نظرت له ثم أمسكت أحدى القصاصات وقالت : هااا أخبرني هل نُشرت لك كتابات في أحدى دور النشر ، هل في صحيفة أو مجلة من قبل وافقت على كتاباتك ، بسرعة أرجوك ؟

تلعثم ونظر إلى القصاصة التي تمسكها ثم قال : لا يا سيدتي أنني أول مرة أخطوا للعاصمة ، وأود أن تساعديني لقد راسلت صحيفتكم كثيراً وطلبوا من المجيء كي أقابلك ....
أمسكت سماعة الهاتف وحادثت شخص ما وقالت : انتظروني سآتي حالاً ...
ثم قالت وهي تهم بالوقوف : لا أستطيع أن انشر لك أي من كتاباتك دون أن يكون لك تجارب في النشر ككتب أو في صحف أخرى ، أترك لي بعض أعمالك ورقم هاتفك وسنرد عليك ....
ذلك الزحام الذي يدهس بقسوة كل من يقفز في أعماقه السحيقة يرفضه ألان كأن تلك المدينة تلفظه وتدفعه إلى من حيث أتى و تنبذه وحيداً .....

بانطلاقها وعنفوانها الغجري تلتقطه بين أحضانها ، يعود كل يوم في المساء بعد رحلة بحثه عن الجريدة التي تنشر له كتاباته  ينتظرها وسط الميدان ويمسك بيديها ويخترقا الليل سوياً  ، يكتب قصائده وكتاباته على مرفأ عينيها ، ينسج أمنياته بين جدائل شعرها الليلي ، تقسو عليه عندما يسخر من لهجتها فيحتضنها ويهدأ هذا  الفرس المندفع صاغراً بين كفيه .....



                                                  ***********



الطفل يبكي بين أحضان أمه ، تحادثه في هدوء وتطمئنه بأنه سيذهب للطبيب ولن تدعه يعطيه من هذا الدواء الكريه ....
تدمع عينيها وتنظر حولها لا تجد من تحادثه ، فوجدته أمامها ينظر إلي طفلها ، قالت وهي تداعب بأناملها شعر صغيرها : الطبيب قال لابد أن يجري له عملية القلب بعد أيام ، ويجب أن يدخل المستشفى أخر هذا الأسبوع ، لم أعد أحتمل أن أراه يتألم هكذا ....
مد يده للطفل فسكت عن البكاء وذهب إليه فضمه إلى حضنه ، ربما للحظات أو دقائق لكن ظل الطفل في حضنه كثيراً .....

عاد في المساء ينتظرها أمام المكتبة فلم يجدها ، ظل ينتظرها كثيراً ...
أربع ليالي ينتظرها ويسأل عنها في المكتبة ويخبرونه بأنها لم تظهر ولا يعلمون لها عنوان ....

                                                   **********



لم يعد يمتلك النقود الكافية لأجرة البنسيون قد يكون هذا يومه الأخير بين الزحام ، لم ينم ليلته ظل يكتب ثم يمزق كل ورقة كتب فيها ، نظر لقلمه الرصاص ورزمة الأوراق التي أشتراها منها فتركها على المنضدة ...
فتح شرفته في الصباح الباكر فاندفعت الرياح الخريفية تهز الستائر ، فتدحرج القلم الرصاص من على رزمة الأوراق فسقط على الأرض ثم تطايرت الأوراق ...
أخذ حقيبته الصغيرة وخرج إلى ساحة البنسيون ....
صاحبة البنسيون تحمل طفلها الصغير ملفوفاً بشال ثقيل يحميه من برد الخريف ، وجدها تبتسم هادئة ناظره دائماً لطفلها ....
وقف أمامها وقال : مبروك يا سيدتي أهو صبي أم بنت .... قالت مبتسمة : أنها بنت ... أنها مَلك .....

كانت السيدة تجلس بجوار صغيرها وبجوارهما حقيبة كبيرة ، نظر للطفل الصغير وأمسك يده وخرجا سويا إلى الميدان ...
ذهبا إلى دكان لعب الأطفال واشترى له تلك البالونه التي تظل محلقة في الهواء لأيام ، أخرج من جيبه النقود فوجدها بالكاد تكفي ثمنها والباقي أجرة عودته لبلدته البعيدة ....
أمسك الصبي البالونة وظل يضحكا سوياً ، أبتسمت له وشكرته ثم قالت : لن أنساك أبداً وعدني بأنك لن تنسانا ،  أمسكت الأم بيد طفلها وفي اليد الأخرى حقيبتها وذهبا للمستشفى واختفيا بسيارة التاكسي بين الزحام ....
أخذ حقيبته الجلدية الصغيرة وجلس على أحدى الأرائك الخشبية التي تتوسط الميدان ، ناظراً للمكتبة التي كانت تعمل فيها ....
أتى المساء محملاً بغيوم الخريف البيضاء التي تحجب القمر ، الميدان بدأ في الهدوء والزحام ينحصر ، تلك العمارات والألوان والأصوات التي كانت تطوف داخل عقله  تتلاشى وتذهب بعيدا بعيداً ,,,,,,,