الاثنين، 17 يونيو، 2013

الآن أغمض عيني



كادت أن تسقط منه حقيبة لوحاته وأقلامه الرصاص ، كاد هو نفسه أن يموت في الحال لولا أن تجاوزته السيارة المسرعة مع صراخ سائقها ونعته بالجنون والغباء ، عبر الطريق التي تتسارع فيه السيارات وقت الغروب ، وهن مشيته ولا مبالاته تجعل السيارات تدفع ماء المطر الممزوج بالطين العالق بالإسفلت على بنطاله الرث ....
وقف على الكورنيش ناظراً للبحر مستقبلاً رياحه المالحة  بوجهه الشاحب ذو اللحية السوداء المرصعة ببعض الشيب الأبيض لم يمل الانتظار والترقب ثلاثون عاماً يبحث عنها في تلك الشوارع المزدحمة على هذا الكورنيش بين همسات المحبين تحت مطر الشتاء وضحكات وسمر الأطفال في ليالي الصيف الطويلة ، في وجه فتاة لم تتجاوز العشرين كما رسمها من صورة فوتوغرافية  قديمة ، في أضواء السيارات المسرعة ولوحات الإعلانات المتراصة على الطريق ، خلف فاترينات الدكاكين المتلألئة في كل الأوقات .....
نفض قليلاً من الطين العالق على بِنطاله ثم بحث عن أريكة يجلس عليها ، جلس فظهرت قدميه نحيلتين أسفل بِنطاله القصير ، أحس ببعض البرودة لكن لم يبالي ....
أخرج من حقيبته قطعة الفطير المتبقية من الصباح فبللتها قطرات المطر الصغيرة وسال السمن منها على يديه ، فغسلتها قطرات المطر التي بدت ثقيلة واخرج منديله كي ينظف أصابعه جيداً .....
جلس صامتاً يستمع لمزيج من الأصوات كأنها كونشيرتو ، الموج ، صراخ طفل ، ضحكة فتاه ، موسيقى صاخبة قادمة من أحدى السيارات ...
جلست بجواره على الطرف الأخر من الأريكة الخشبية ، ناظرة هي الأخرى الى البحر مثله كأنها تنتظر شيء ما ، فتاة لم تتجاوز العشرين من عمرها ....
توقف المطر وزادت الريح قليلاً ، نظر لها بعينين حانيتين ثم قال خجلاً : تسمحي لي أن أرسمك وأهديكِ اللوحة بدون مقابل ؟؟
فوجئت بطلبه .. لملمت شعرها المتطاير على عينيها وقالت : أنت رسام ؟؟
قال بابتسامة هادئة : رسام هاوٍ أرسم بالرصاص والفحم ... أخرج من حقيبته بعض اللوحات المرسومة بالرصاص والفحم وقال : هذه بعض لوحاتي ... وأعطاها إياها .....
أخذت منه اللوحات ، كادت الريح أن تطيرها من يديها ، قلبتها واحدة تلو الأخرى  ، تأملتها طويلاً ثم قالت له باندهاش : إنها لفتاة واحدة  ، نفس الوجه والملامح والنظرة الخجلة !!
أخرج لوحة بيضاء فارغة وقلمه الرصاص ونظر لها مبتسماً ابتسامته الهادئة الحزينة وبدأ يخط قلمه على اللوحة وقال : نعم أنها لفتاة واحدة ووجهاً واحداً ... ثلاثون عاماً مضت على معرفتي بها ، عاد صديق لي من السفر بعد غياب طويل وذهبت إلى بيته كي أزوره ، كانت صورتها الفوتوغرافية معلقة على الحائط  في غرفة الاستقبال  ، عينان صافيتان كأنهما ميلاد الكون منهما صعود الشمس صباحا ً وغروبها بعد أصيل قرمزيٍ جامح ، طلة القمر ليلاً متباهياً على سائر النجوم ، يلامس عينيها خصلات سوداء كستار كهف سحري يعج بالأساطير والأسرار ، لا أدري كيف ولماذا انسقت دون إرادتي كطفل تجره أمه لعالم السحر والحكايات ،  إلى وجه فتاة في صورة فوتوغرافية .....
كانت أخته الميتة منذ أربعين يوماً ..... 
 كان يسرد حكايته وهو يرسمها ، شعرها المتطاير عصيّ عليها كلما لملمته ينطلق بحرية مرة أخرى ....
لمعت عينيها وقالت : كانت ميتة !!
أنتهي من نصف وجهها عينيها وشعرها المتطاير وبدأ في رسم أنفها الممتد على وجهها كجدول ماء نبعه مابين عينيها ومصبه عند شفاه رقيقه كواديٍ صغير ....
قال وهو يتأملها كي يستكمل بقية البورتريه : صورتها تطاردني منذ ثلاثين عاماً ، تطاردني وتدفعني للبحث عنها ... أسيراً لا يملك مفتاح قيده كي يصبح حراً ... كلما جلست مع صديقي أطلب منه أن يحكي لي عنها منذ طفولتها البسيطة مروراً بسحر صباها حتى أصبحت فتاة امتلكت سر كل أنثى في هذا العالم ... أحببت بين أحضان الموت وأبحث بين جدران الموت إلى أن أسكن إليه أبدا ......
انتهى من اللوحة وتأملها لبرهة ثم أعطاها للفتاة ، كانت الريح قد هدأت قليلاً ، وبدأ المطر غيثه من جديد بقطرات قليلة لكنها ثقيلة   ....
أخذتها وظلت تنظر إليها بإعجاب ثم طوتها وهي تنظر للبحر وتُحكم شالها على صدرها بعد أن أحست بالبرودة ثم قامت كي ترحل ...
ألتفتت إليه وقالت : ظللت تبحث عن روحها ثلاثون عاماً لكنك قريبا ستذهب أنت إليها كي تجتمعان سوياً ، ستُغمض عينيك وتكون معها .......
انصرفت تعبر الطريق وسط السيارات المسرعة ، يلمع شعرها ويتطاير ، تُحكم شالها على صدرها خوفاً من البرد ....
ظل جالساً على الأريكة الخشبية أمام البحر يدور الكون من حوله ولا يبالي ينظر إلى الأفق البعيد الممتد إلى مالا نهاية ....
أقترب الفجر ، ظل يتمشى كثيراً إلى أن وصل إلى المقبرة القديمة ، كان الضوء يحبو كطفل صغير قادماً من الشرق يبدد الظلام رويدا رويداً ، فتح باب المقبرة الذي أكلته رياح البحر المالحة فجعلته يزمجر قليلاً ....
أخرج لوحاتها ووضعها بجوار قبرها ، كل لوحة ثبتها بحجرٍ صغير حتى لا تطيرها الرياح ، جلس بجوارها ، فانكشفت قدميه النحيلتين فأحس بالبرودة لكنه لم يبالي ....
أنفاسه بطيئة ، دقات قلبه ربما أصابها تعب البحث والانتظار لم يدري إن توقفت أم لا ....
قال وهو يبتسم ابتسامته  الهادئة الحزينة الآن أغمض عيني ,,,,,,,,,
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة لبابلو بيكاسو