الأربعاء، 27 نوفمبر 2013

اليوم الأخير


لم يكن يتوقع كل تلك الضوضاء مبكراً ، صوت السيارات والباعة الجائلين في الشارع الذي يطل عليه البنسيون ، ظل كثيراً في المساء يتجول وسط الشوارع المحيطة بوسط المدينة حتى يجد بنسيون متوسط الحال ورخيص حتى يُقيم فيه أيامه المعدودة في العاصمة لتسويق ونشر كتاباته في بعض الصحف التي كان يراسلها في مدينته البعيدة ....
أحس بثقل رأسه وبعض الدوار ، لم يأكل شيئاً منذ الأمس ، صراخ السيدة الحامل زوجة صاحب البنسيون والتي تديره في غياب زوجها لم يتوقف كأنها تقاوم ثقل الكائن المختبئ في أحشائها منذ زمن بعيد بالمشاجرة والصراخ في وجه الصبي الصغير الذي يقضى الحاجات للبنسيون أو في وجه السيدة الصامتة دائماً التي تطبخ وتقوم على النظافة ....

وقف في شرفة غرفته المطلة على الميدان يتنفس هواء الخريف ربما يزيح وينفض عن رأسه بعض الصداع لكنه أحس بكل تلك الأصوات والألوان والعمارات كأنها تطوف داخل عقله ...
أفاق عندما سمع صوت طرق خفيف على الباب والفتى الصغير يصيح الفطور جاهز يا أستاذ ....

لملم بعض أوراقه من على المكتب الصغير ووضعها في حقيبة جلدية صغيرة ، وخرج لغرفة متسعة تتوسطها سفرة مستطيلة من الطراز القديم عليها الجبن والفول والمربى و أبريق للقهوة وأخر للشاي ، نظر للطفل الذي يجلس وحيداً في طرف السفرة ، هادئاً ، يغني ويتمتم ببعض الكلمات غير الواضحة كأنه يناجي شيئاً ما ، شعره الأسود الناعم يتدلى على عينيه كلما ضايقه يزيحه بأصبعه الصغير ، الطفل لم يلتفت إليه ظل يحرك مكعبات الجبن الصغيرة حتى أتت أمه حملته وأجلسته في حضنها ظلت تتمتم معه بصوت منخفض ثم أخذت تطعمه وهي تنظر في خجل حولها ....

جلس مقابل السيدة والطفل وصب لنفسه كوب من القهوة حتى يتغلب على الصداع الذي يدك أبواب عقله .....

كانت تتحرك بخفة في المكتبة المقابلة للبنسيون في نفس الميدان ، شعرها الأسود تلمه كذيل حصان لم يتوقف عن سطوته وانطلاقه ، عينيها الواسعتين كواحتين شرقيتين تلمعان كأنهما المرفأ للتائهين في الصحاري البعيدة ، قد تكون قادمة هي من قبائل غجرية من أقصى الشمال ، أو جبلية نبتت كشجرة توت بري لا يتحمل حلاوته إلا الأشقياء .....

وقف أمامها مشدوهاً يراقبها ، كانت لغتها الريفية أو البدوية البعيدة عن أهل العاصمة ملفتة له ، كان يكره تلك اللهجة ولا يحبها لكنه ظل مشدوهاً يراقبها ،  نسي لماذا أتى إلى تلك المكتبة ، ألتفتت إليه  بانفعال وقالت : ماذا تريد .... ظل صامتاً لم يجيب ... قالت بعصبية : أنت يا هذا ماذا تريد ؟ .... فاق من غيبوبة النظر أليها وقال : كنت أريد قلم رصاص ورزمة من الأوراق ، صمت قليلاً ثم قال : أيمكنكِ أن تكوني مهذبة أكثر من ذلك مع زبائنك ؟؟
ضحكت .... فأحس بضحكتها كأنها تحمله بين أجنحتها إلى عالم سحري عجيب لا يدري أن كان للحظات أم لأزمنة أبدية قادمة لا يستطيع الفكاك منها ....
                                                        

                                                       ********



ممسكاً بحقيبة كتاباته وقصصه ينتظر قطار مترو الأنفاق ، يقف على الرصيف يسترق السمع للقطار القادم بضوضائه المتدرجة ، اصطدامه بالمارة ولا مبالاتهم بعضهم البعض ، كان يتوق لهذا الزحام ، يقنع نفسه أنه سأم من هدوء بلدته البعيدة ، خفوت الأضواء ليلاً وسيطرة  النجوم على الكون ، كطائر صغير يتوق للهجرة شمالاً عند حلول الربيع ....

يقترب القطار يسبقه النور من فهوة النفق المظلم مؤذناً للجميع للاصطفاف على الرصيف انتظاراً لدخول القطار .....

 ابتلعه الزحام والميدان ، بحر لجيٌ من يغشاه أناسٌ من فوقهم سماء ملبدة بغيوم الخريف ، وصل إلي مقر الجريدة التي يريد أن تُنشر كتاباته ، قابلته تلك السيدة الحسناء التي يفوح منها ذلك العطر الغريبٌ عليه ، لم تكن تهتم بوجوده ونظراته الخجلة المتوترة ، تنظر إلى الصحف وقصاصات الورق المتناثرة على مكتبها ، لم يتوقف جرس الهاتف كلما أراد أن يتكلم ....
أخيراً نظرت له ثم أمسكت أحدى القصاصات وقالت : هااا أخبرني هل نُشرت لك كتابات في أحدى دور النشر ، هل في صحيفة أو مجلة من قبل وافقت على كتاباتك ، بسرعة أرجوك ؟

تلعثم ونظر إلى القصاصة التي تمسكها ثم قال : لا يا سيدتي أنني أول مرة أخطوا للعاصمة ، وأود أن تساعديني لقد راسلت صحيفتكم كثيراً وطلبوا من المجيء كي أقابلك ....
أمسكت سماعة الهاتف وحادثت شخص ما وقالت : انتظروني سآتي حالاً ...
ثم قالت وهي تهم بالوقوف : لا أستطيع أن انشر لك أي من كتاباتك دون أن يكون لك تجارب في النشر ككتب أو في صحف أخرى ، أترك لي بعض أعمالك ورقم هاتفك وسنرد عليك ....
ذلك الزحام الذي يدهس بقسوة كل من يقفز في أعماقه السحيقة يرفضه ألان كأن تلك المدينة تلفظه وتدفعه إلى من حيث أتى و تنبذه وحيداً .....

بانطلاقها وعنفوانها الغجري تلتقطه بين أحضانها ، يعود كل يوم في المساء بعد رحلة بحثه عن الجريدة التي تنشر له كتاباته  ينتظرها وسط الميدان ويمسك بيديها ويخترقا الليل سوياً  ، يكتب قصائده وكتاباته على مرفأ عينيها ، ينسج أمنياته بين جدائل شعرها الليلي ، تقسو عليه عندما يسخر من لهجتها فيحتضنها ويهدأ هذا  الفرس المندفع صاغراً بين كفيه .....



                                                  ***********



الطفل يبكي بين أحضان أمه ، تحادثه في هدوء وتطمئنه بأنه سيذهب للطبيب ولن تدعه يعطيه من هذا الدواء الكريه ....
تدمع عينيها وتنظر حولها لا تجد من تحادثه ، فوجدته أمامها ينظر إلي طفلها ، قالت وهي تداعب بأناملها شعر صغيرها : الطبيب قال لابد أن يجري له عملية القلب بعد أيام ، ويجب أن يدخل المستشفى أخر هذا الأسبوع ، لم أعد أحتمل أن أراه يتألم هكذا ....
مد يده للطفل فسكت عن البكاء وذهب إليه فضمه إلى حضنه ، ربما للحظات أو دقائق لكن ظل الطفل في حضنه كثيراً .....

عاد في المساء ينتظرها أمام المكتبة فلم يجدها ، ظل ينتظرها كثيراً ...
أربع ليالي ينتظرها ويسأل عنها في المكتبة ويخبرونه بأنها لم تظهر ولا يعلمون لها عنوان ....

                                                   **********



لم يعد يمتلك النقود الكافية لأجرة البنسيون قد يكون هذا يومه الأخير بين الزحام ، لم ينم ليلته ظل يكتب ثم يمزق كل ورقة كتب فيها ، نظر لقلمه الرصاص ورزمة الأوراق التي أشتراها منها فتركها على المنضدة ...
فتح شرفته في الصباح الباكر فاندفعت الرياح الخريفية تهز الستائر ، فتدحرج القلم الرصاص من على رزمة الأوراق فسقط على الأرض ثم تطايرت الأوراق ...
أخذ حقيبته الصغيرة وخرج إلى ساحة البنسيون ....
صاحبة البنسيون تحمل طفلها الصغير ملفوفاً بشال ثقيل يحميه من برد الخريف ، وجدها تبتسم هادئة ناظره دائماً لطفلها ....
وقف أمامها وقال : مبروك يا سيدتي أهو صبي أم بنت .... قالت مبتسمة : أنها بنت ... أنها مَلك .....

كانت السيدة تجلس بجوار صغيرها وبجوارهما حقيبة كبيرة ، نظر للطفل الصغير وأمسك يده وخرجا سويا إلى الميدان ...
ذهبا إلى دكان لعب الأطفال واشترى له تلك البالونه التي تظل محلقة في الهواء لأيام ، أخرج من جيبه النقود فوجدها بالكاد تكفي ثمنها والباقي أجرة عودته لبلدته البعيدة ....
أمسك الصبي البالونة وظل يضحكا سوياً ، أبتسمت له وشكرته ثم قالت : لن أنساك أبداً وعدني بأنك لن تنسانا ،  أمسكت الأم بيد طفلها وفي اليد الأخرى حقيبتها وذهبا للمستشفى واختفيا بسيارة التاكسي بين الزحام ....
أخذ حقيبته الجلدية الصغيرة وجلس على أحدى الأرائك الخشبية التي تتوسط الميدان ، ناظراً للمكتبة التي كانت تعمل فيها ....
أتى المساء محملاً بغيوم الخريف البيضاء التي تحجب القمر ، الميدان بدأ في الهدوء والزحام ينحصر ، تلك العمارات والألوان والأصوات التي كانت تطوف داخل عقله  تتلاشى وتذهب بعيدا بعيداً ,,,,,,,        

السبت، 26 أكتوبر 2013

ثرثرة على شفاه البحر



نظر إلى السماء فإذا بالنجوم طُمست تحت وهج الشال الفضي الذي بسطه القمر على السماء وفتح له البحر ذراعيه فلمع كصحاف الفضة المتلألئة تتراقص في نعومة محتضنة تلك المراكب الصغيرة التي تحمل على متنها  مصابيح تساعد الصيادين قليلاً قبل بزوغ الفجر وإشراق الصباح من خلف البحر تجاه الشرق .....
قد سبقه والده العجوز بخطوات يستقبل هواء الفجر بصدره لا يبالي بتلك الشيخوخة التي انقضت بمخالبها عليه منذ سنون لقد اعتاد هواء وملوحة البحر فأصبح كسلطعون طاعناً في السن يعيش مابين الماء ومابين اليابسة وسط الصخور ....
أخذ من والده الشِباك الثقيلة وجهاز الراديو الصغير ، وحمل العجوز المصباح ، نظر إليه العجوز بخشونة وبعض القسوة وقال له : أسرع حتى نرمي الشباك مبكراً قبل أن ينحصر الموج ....
تتمايل المراكب المحملة بالمصابيح ، تتصاعد منها الهمهمات والضحكات العالية وغناء الصيادين ، كأنها صلاة وابتهالات لسيد البحار حتى يحنوا عليهم ولا يغضب ويعطهم ما يريدون   ولا يعودوا إلى الديار خائبين .....
وضع المصباح في وسط المركب الصغير ، جلس هو على أحد طرفي المركب وجلس والده العجوز على الطرف الأخر ...
أدار المذياع فإذا بابتهالات صلاة الفجر قد بدأت ، رمى الشباك وتسرسبت من بين يديه رويداً رويدا ، يفكها عقدة تلو الأخرى وتختفي في أعماق شفاه البحر الفضية ....
جلس العجوز يدندن بأغانيه البحرية التي يتملق فيها البحر والرزق ، ثم الدعاء بأن تخرج شبكته حبلى بالبوري والدنيس والمرجان ....
ابتعد بعينيه إلى الشاطئ والبيوت المتراصة الشاهدة على الزمن ، نوافذ مُغلقة وأخرى مفتوحة يشع منها ضوء صغير كعيونٍ تراقب وتنتظر ، لا يدرى ماذا تنتظر والى متى سوف تنتظر ؟؟
في أحدى تلك الشرفات ربما تقف تنظر وتبحث عنه من بين تلك المراكب المحملة بالمصابيح ، ثرثرته المعتادة عنها على شفاه البحر الفضية ، أمنياته وحكاياته عنها ومواقفه اليومية ، انتظاره اليومي لها على الكورنيش قبل الغروب ، أنها هيباتيا تلك المدينة ، هبة السماء وما خلف الشموس المنيرة  وتلك الأجرام البعيدة ، هبة الروح التي تضيء أركان قلبه كتلك الفنار الرابض بعيداً على أطراف المدينة يضيء ظُلمات البحر للسفن خوفاً من تضل طريقها يوماً ما .....
يأتي صوت الأذان قادماً من مئذنة المسجد الشامخة القريب من الكورنيش ، تتصاعد التكبيرات إلى السماء يتبعها دعوات الصيادين على المراكب المتمايلة على صفحة البحر الفضية ، كل واحداً منهم بدعائه الخاص ....
يتحسس النور طريقه من خلف البحر تجاه الشرق ، مبدداً ظلام الليل ، معركة أبدية مابين النور والظلام ينتصر أحداهما على الأخر تارة وينتصر أخر تارة ، ينسحب الظلام في هدوء وانكسار المهزوم ، وتزهوا الشمس منتصرة بضيائها تنطلق في رحلتها من البداية للنهاية في انتظار الظلام مرة أخرى ....
تنطفئ المصابيح على المراكب مرحبة بالصباح الجديد ...
يسحب عُقد شبكته واحدة تلو الأخرى ، يحس بثقل الشبكة منذرة برزقٍ وفير ، يساعده العجوز و يأخذ هو المجداف كي يبحر إلى الشاطئ ....
يفرغا شبكتهما فتتقافز منها الأسماك الكثيرة ، فيبتسم العجوز إلى أبنه ويقول : بارك الله فيما رزق ....
                                                     *********
يعبر شارع الكورنيش متخطياً السيارات المسرعة ، ثم يقف بجوار الأريكة الخشبية المواجهة لسور الكورنيش ، قاربت الشمس على الغروب مبكراً في أيام الخريف القصيرة ، تحوطها بعض السحب الخريفية المشاكسة ، ينتظرها كالمعتاد في ذلك المكان في الجهة المقابلة لدكان الايس كريم ....
تلهو الفتاة الصغيرة حوله حافية القدمين ، تغني وتلهو بدميتها بجوار أبيها ماسح الأحذية ، يطقطق بفرشاته على صندوقه الخشبي ناظراً إلى أحذية المارة منتظراً أحدهم يضع قدمه فوق صندوقه ....
يعطي ظهره للشارع والمارة وينظر إلى البحر ومشاكسات سُحب الخريف مع الشمس التي قاربت على الغروب ....
يسمع صوت فرملة سيارة مسرعة وارتطام صغير وصراخ ضعيف ....
ينظر إلى الشارع والسيارات التي توقفت وتجمع المارة وهمهمات بعضهم باللوم والتجريح لسائق السيارة الشاب ، وصوت الموسيقى الصاخبة يخرج من سيارته ....
يندفع ماسح الأحذية بين الجمع صارخاً ومنادياً على أبنته ...
أنها الفتاة حافية القدمين ، غارقة في دمائها يحتضنها أبوها وبجوارها دميتها المهشمة ....
لم يستطع أن يقترب أو أن يغوص في وسط هذا ، ظل بعيداً يرتعش يراقب عن بعد ....
ونحيب الأب ماسح الأحذية لا يتوقف ....
وضعت كفها الرقيق على كتفه فأحس بالسكينة تعود أليه ، غمرته برائحة الياسمين التي تُميزها دائماً ، دفئ كفها الرقيق جعل تلك الأصوات والعالم ينزوي ويختفي بعيداً ، إنها الهبة السماوية والشموس المنيرة وما خلف الأجرام البعيدة   .....
مع هبوط الشمس خلف البحر باتجاه الغرب وتلاشى السحب الخريفية ، وضعت كفها الرقيق بين يده وذهبا بعيداً بمحاذاة البحر ,,,,,, 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة لفان جوخ      
   

الأحد، 29 سبتمبر 2013

ليالي سبتمبر

نفض التراب عن فاترينة المحل التي تأخذ ناصيتين على الشارع الصغير الذي يسكن فيه ، والشارع الرئيسي الذي يمر فيه ترام محطة الرمل ، قبل موعد المسلسل الإذاعي في الخامسة والربع من كل يوم يتحرك ببطء بعد تثاقل الزمن عليه ويٌخرج خرقة القماش الصفراء ويقوم بتلميع فاترينة المكتبة من غبار الترام والسيارات ....
منتصف سبتمبر تبدأ الشمس في الغروب مبكراً ، تحاصر السحب الشمالية الغازية من وراء البحر المدينة ، تحجب عنها الشمس وتحرمها قليلاً من ذلك الشال الذي يحتضنها في أوقات الرياح الباردة  قبل أن تبدأ نوات الغضب في أواخر الخريف ....
ثقل جسمه ووهن عظمه فأصبح لا يستطيع مقاومة الرياح الخريفية فيغادر منزله القريب من المكتبة متدثراً بوشاح حول صدره ، نظارته السميكة لم يكن ليفارقها حتى في نومه ، شعره الأبيض الكثيف كالثلج يظل شاهداً على صراعه السرمدي مع الزمن ....
من شرفتها المطلة على الشارع الصغير المتفرع من شارع الترام تكاد ترى المكتبة ، شرفة واسعة أكل ملح البحر ورطوبته قوائمها المعدنية لكنها مازالت صامدة ، تلك المنضدة الصغيرة التي يقفز عليها القط دائما ليبسط زراعيه ويمارس كسله المعتاد ، حول تلك المنضدة كرسيان موضعان عليهما مخدتين نحيفتين ....
تأتي بإبرتين غزل الصوف وبعض كور الصوف الملونة تحيك شال أخر لم ينتهي بعد  ، لم يُرزقا بالأولاد ولم يعلما من السبب لكنهما لم يباليا ...
تثاءب القط وهرش في أذنيه ثم ركز عينيه اللامعتين على كرة الصوف فأنقض عليها يدحرجها ، فدفعته بيديها محذرة فخضع وديعاً وجلس على المنضدة يراقب الشال الذي لم ينتهي بعد ....
هدأت أقدام المارة لم يتبقى سوى بعض الأطفال العائدين من مدارسهم المسائية ، يمر الترام محدثاً برقاً ينعكس على فاترينة المكتبة ...
أعدت أبريق الشاي وقطعة الفطير وكوبين ووضعتهم في حقيبة صغيرة ، ثم وضعت بعض الحليب للقط في وعائه الصغير بجوار باب المطبخ ، ثم أحكمت غلق شقتها وتمشت قليلاً إلى زوجها في المكتبة ، أستقبلها بابتسامة حانية لم تتغير منذ ثلاثون عاماً كأنه يبتسم لها تلك الابتسامة الأولى ، جلست بجواره وأخرجت أبريق الشاي والفطير المحلى وجلسا يتسامران ويتبادلان أحاديث المساء .....
تقف أمام الفاترينة تبحث عن كتاب بين الكتب المعروضة ، شعرها الكستنائي  المنطلق بحرية على كتفيها الصغيرين أضاف عليه الغروب همسهُ اللعوب فأصبح أرجوانيا قليلاً ، تبحث في قلق عن ذلك الكتاب الذي لم تجده على الرصيف بالقرب من محطة الرمل ، نظراتها القلقة الحائرة تسللت عبر الفاترينة للعجوزين خل المكتبة ، فظلا راقبها في صمت حتى تدخل المكتبة وتسأل عما تبحث عنه .....
عبر الشارع سريعاً ، لم ينتظر توقف السيارات لكنه مر بينها  فكادت تصدمه أحداها ، فزعق سائق السيارة من نافذتها ثم أنطلق مرة أخرى ، وقف بجوارها يلقي نظرة على الكتب المعروضة ، رفع عينيه في الفترينة فالتقت بعينيها المنعكستين على الزجاج ، توقف برهة يتذكر أين رآها من قبل ؟؟ أنها تشبهها تماماً ، كأنها هي لم تتغير منذ عشر سنوات ، أحبها في الجامعة ، أمسك بيديها في ذلك الشارع وعلى والكورنيش وفي السينما ، هنا كانت تذوب همساتهما وضحكاتهما بين الزحام وصوت الترام وبين زخّات المطر في أيام يناير القاسية ....
نظرة حائرة ونظرة قلقة تراقبهما عينا العجوزان خلف فترينة المكتبة ...
دخلت إلى المكتبة فوقف لها العجوز مرحباً بها ، فسألته عن كتاب في الأدب اللاتيني لايزابيل الليندي ، أبتسم لها ثم طلب منها الانتظار قليلاً ...
قدمت لها العجوز الشاي ، فشكرتها وظلت تدور بعينيها بين الكتب المرتصة في كل أركان المكتبة  ......
أتى لها العجوز بالكتاب ، فتهلل وجهها وانفرجت أساريرها وظلت تشكره كثيراً ، أزاحت خصلات الشعر المتطايرة على عينيها ثم انصرفت ....
وقف أمام باب المكتبة ينتظرها فاصطدمت به ، نظرت له باندهاش وكاد الكتاب يسقط منها ...
سألها أن كانت تتذكره وأخبرها باسمه !!!
وقفا سوياً على حافة الرصيف يمر أمامها الترام ، أبدت قلقها ، استمر يذكرها بنفسه !!
سألها هل أنتي فلانة ؟؟
أخذت تتلفت إلى سيارة تاكسي ثم قالت : معذرة لست هي ... ربما تشبهني ، لكنني لست هي ....
عبر ببطء إلى الشارع الأخر وظل يراقبها من بعيد ...
كان يغلق المكتبة ويساعده في غلقها أحد صبيان القهوة المجاورة للمكتبة ، وزوجته تنتظر بالقرب منه ، أحكم إغلاق مكتبته  وأمسكها بيدا بعضهما وتمشى إلى البيت ....
ركبت التاكسي وانطلق بها وزاغ بين السيارات والزحام ، نظر اليها وظل يتتبعها بعينيه إلى إن اختفت  ، ثم غادر في اتجاه شارع الكورنيش ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
اللوحة لسلفادور دالي 

الخميس، 29 أغسطس 2013

نباح الكلاب


الضوء المنبعث من الشباك المطل على ساحة البيت القديم لم يكن ليخترق ضباب الشتاء الثقيل ، دائماً ليالي يناير الباردة ينقض فيها الضباب بأجنحته الثقيلة كطائر رخ  على البيت القريب من النهر ...
تُنزل الستائر على الشباك خوفاً من تسلل البعوض المتربص والخائف من الضباب ، وضعت أسطوانة الموسيقى الهادئة في جهاز الأسطوانات وأدارته ، أحدثت الأسطوانة حشرجة ضعيفة ثم دارت في هدوء ...
نظرت للمرأه وضعت كفيها على نهديها أحست بالبرودة بعض الشيء لكنها نزعت عنها ثوبها الثقيل فأنفجر نهديها كعيون الماء الدافئة ينساب شعرها الأسود عليه كخيولٍ عربية عطشى وقفت لترتوي من نبع نهديها المتفجر دائماً ، رأته يضع يديه على كتفيها فسارت القشعريرة عبر جسدها تُحيي الممات فيها ، حنت بخدها على كفه الساكن فوق كتفها ، توارى العتاب واللوم الذي يقف متربصاً على لسانها ، إلى متى الانتظار لقد تأخرت كثيراً ، لما تركتني وحيدة كل هذا الوقت ؟ .. لم تسمع منه إجابة إلا ابتسامته المعهودة ....
بدأ أطلاق الأعيرة النارية التي تأتي من الضفة الأخرى للنهر ، يعقبه نباح الكلاب الذي يبدو كصراخ النساء الثكلى أو الفزعة  ، تبتعد الأصوات وتقترب ، تشتد الريح الشتوية فينقطع النور في الغرفة ويعود للتو ، لا تبالي بما تسمعه فقط ترتمي في أحضانه تتنفس ذلك العطر الذي طالما اشتاقت إليه ....

ترك الصبي الصغير يلعب بدراجته الصغيرة وسط الدار ، وصرخ فيه بأن لا يغادر الدار ويخرج خلفه .....
لفت انتباهه البرواز المعلق على الحائط  الذي يحوي صورته بالزى العسكري وقد مالت كثيراً ، أغتاظ ثم عدّلها وفتح خزنته الكبيرة وأخرج بندقيته منها ، وضع طلقات الرصاص في جيبه وجمع بعض الحطب من المطبخ ثم خرج إلى ساحة الدار في الخارج ....
أحس بالريح الباردة تهاجمه فأرتعش جسمه الضخم الذي أصابه الكبر لكنه محتفظ ببقايا قوة غابرة ، عاد إلى داخل الدار وتلفح بالشال حول رقبته وعاد إلى ساحة الدار في الخارج ....
القمر مختنقاً في ليلته التي يعود فيها مكتملاً ، السحب الثقيلة تحاصره ولا تعطيه سبيلاً لأي أطلاله على الكون ...
جلس على الأريكة الخشبية ، وجد صعوبة في إشعال الحطب ، لكنه نجح في إشعالها فبدأت السنة اللهب تنبعث منها ....
عاد أطلاق النار من الناحية الأخرى من النهر أعقبه نباح الكلاب ، كان قريباًً هذه المرة ...
أصابه الحنق والخوف معاً ، وضع رصاصتين في بندقيته وأطلقهما في الضباب باتجاه النهر ، ثم صرخ : لن تجرؤا على الاقتراب من بيتي ، سأقتلكم جميعاً أنني أعرفكم وأعرف ماذا تريدون ، أظهروا لي وجهكم أن كنتم شجعاناً ...
كلما أزداد غضبه تزيد الكلاب نباحها ....

الصبي يجول في البيت بدراجته بكل حرية ، كلما سمع صوت أبيه يضحك لا يبالي .. ربما يكون قد أعتاده ...
يذهب بدراجته إلى غرفة الخزانة فيجدها قد ملأها النمل والفئران وقد تشققت جدرانها ، فيصاب بالفزع ، يخرج بدراجته يذهب ناحية الحمام القديم المُغلق منذ سنين فيجد الماء يتسلل من أسفل الباب ....

يترك دراجته على حافة السلم ثم يصعد إلى الدور الثاني وطرق الباب على أخته فلم تفتح له ...
هبط على درجات السلم سريعاً فسقط ، ثم قام وجلس بجوار دراجته ...
زادت طلقات الأعيرة النارية وكانت قريبة هذه المرة ونباح الكلاب المستغيثة يعقبها بلا هوادة ، وهو يصرخ تحت السُحب الثقيلة التي بدأت تغضب فأحدثت رعداً وبرقاً بدون رحمة ...
عمّر بندقيته وأخذ يطلق الرصاص مخترقاً المطر والضباب مردداً وصارخاً : سأقتلكم جميعاً ، أنا لا أخافكم ....

نظرت إلى عينيه أيقنت أنه المرفأ الأمن لقاربها التائه في بحر لُجيٍ مُظلم عظيم الموج ، قالت له : أحبك ...
أحست بكفيه يمسك خصرها بحنو ، ثم وضعت يديها حول رقبته وطلبت منه يرقص معها ...
أحنت رأسها على صدره في سرمدية حلمها الذي لم يتوقف ....

خرج الصبي متعباً  إلى خارج الدار يستغيث بابيه ، فصرخ الأب بوجهه : ألم أطلب منك أن لا تخرج من البيت أبداً ، أدخل حالاً ...
فزع الصبي وعاد إلى الداخل على الفور ، صعد مرة أخرى إلى الدور الثاني وأطرق الباب على أخته فلم تستجيب له ، حاول فتح الباب ففتح معه فوجد أخته ترقص مع نفسها وتتكلم مع الفراغ !!
بكى أمامها ودفعها ، فانتفضت فزعة ثم زاغ بصرها تبحث عن حبيبها ، ثم بكت وقالت : لما تركتني ثانية ؟ أين أنت ؟ لا تتركني مرة أخرى ، سأموت هذه المرة أن تركتني ...
سمعت صراخ أبيها ونباح الكلاب المستغيثة ، والرعد والريح يهزان النافذة ونور المصباح ينقطع ويعود ، وضعت يدها على أذنيها وصرخت : كفى .....
بدأت الجدران تتشقق ويتساقط السقف عليهما ، أمسكت بيد أخيها وركضت مسرعة ، الفئران تهرب مسرعة بجوارهما ، هبطت السلم وهو يتأرجح بقوة ...
وصلا إلى خارج الدار ، وجدا الأب يصوب سلاحه إلى الضباب ، أمسكا فيه يصرخان : أنه البيت ينهار ، السقف يتساقط والسلم يتأرجح والفئران تحتل المنزل ، والمياه اندفعت في كل مكان ...
نظر إلى البيت وجده يهوي والدخان يخرج منه ، خلع شاله ورمى سلاحه ثم دخل إلى البيت ...
أمسكت الفتاة فيه وقالت لا تتركنا ستموت في الداخل ، نزع يدها عنه وركض إلى البيت ...
أنهار البيت واندلعت النيران فيه ، ظل يقاوم فوجد البرواز الذي يحوي صورته بالبذلة العسكرية قد سقط ، أمسكه وأزاح عنه التراب ثم سقط بجواره ....

أحس الصبي بالبرودة فاحتضنته ووضعت الشال عليها وعليه وتمشى إلى أن جلسا بجوار النهر ...
كان المطر قد توقف والرعد والبرق هدئا غضبهما ، أذان الفجر يأتي مكبراً من الضفة الأخرى من النهر ، نبحت الكلاب النباح الأخير ثم سكنت ....

الصباح يحبوا خجلاً خلف ستار الليل الأسود قادماً من الشرق من ضفة النهر الشرقية ....
يمر رجلاً من بعيد يحمل سلاحاً ، ربما يكون هو صائد الكلاب الضالة ...

تجمع بعض المارة حول البيت المنهار يهمهمون ويتساءلون أين أهل الدار ؟؟ 
جلست الفتاة على حافة النهر محتضنة أخيها الصغير ينعكس عليهما الصباح الذي أشرق من الضفة الأخرى .....

الأربعاء، 31 يوليو 2013

شمس

مترو الميرغني والنزهة لم يعدا يمران أسفل البيت القديم بكثرة كما كانا بالماضي ، زحام سيارات الأجرة والأتوبيسات الكبيرة طغى على صوت ارتجاج المترو والبرق الذي يخطف الأبصار عندما يحتك بالكابلات الكهربائية ....
 الشُرفة القديمة التي تطل على الميدان الكبير  شاخت لم تعد تحتمل اتكاء الزمن عليها ، على الجدران سالت أمطار الشتاء كدموعٍ شقت طريقها  تجعلها شاهدة على الميدان الكبير ، أصص الجارونيا والدراسينا التي  طالما اعتنى بها  وجلس ليرويها قبل الغروب ، ملقاة كصبار قبرٍ بدون شوك .....
أنتبه لصوت الحمالين وهم يتململون في ساحة البيت بالدور الأول وأحدهم ينادي سينقضي النهار ولم نفعل شيئاً بعد ....
أخرج عدة مفاتيح وأخذ يجرب واحداً تلو الأخر حتى أستطاع أن يفتح باب المكتب ، رائحة الخشب القديم والتراب المعتق أصابته بالدوار ، لم يلاحظ ذلك العنكبوت الطاعن في السن الذي هرب وتسلل خلف المكتبة ....
هنا طفل صغير يتلصص خلف باب المكتب ، العم شمس يمسك العود يشد الأوتار ثم يبدأ في عزف ألحانه وتغني عليها سيدة جميلة صوتها كأنه قادم من الأساطير ، يدخن سيجاراً ثم يعيد اللحن مرة أخرى ويطالب السيدة بإعادة  الغناء ، يتوقف ثانية وينظر الى الباب ، يقف الطفل خجلاً يغلق الباب ببطء فيناديه العم شمس ويجلسه بجواره ، مبتسماً : هذا ابن أخي .....
في الشُرفة القديمة يحتسي الشاي تنعكس في عينيه شمس الأصيل ، تلك العينين اللامعتين تُخفي خلف ستائرها غموضاً وحزناً لم يكن ليفهمه ذلك الطفل الصغير الذي يجلس بجواره مبهوراً بالعود والألحان والملابس المبهجة التي يتأنق بها  العم شمس ، ينظر إليه كمهرج السيرك الذي يغُرقه بالسعادة لكنه لا يرى مايخُفيه الوجه الباسم والشارب الممشوق المدبب ....
يُمسكه من كفه الصغير ويتمشيان سوياً في صباح أيام الجمعة في شوارع مصر الجديدة الواسعة ، أسفل أشجار السرو والكافور بجوار كنيسة البازليك ، يقفان أمام دكان الحلويات ، يتعرف عليه البائع العجوز ويسأله : أمرك يافنان ، منذ زمن لم نراك الدكان كله ملكك ....
في الحديقة الخلفية للكنيسة القديمة يعلم الطفل الصغير العزف على العود ، ثم يغني له بعض ألحانه فيتجمع المارة حولهما ثم يصفقون له بعد أن ينتهي .....
لم يدرك الصبي الصغير ماهية الأدوية الكثيرة التي تملئ البيت ، في الثلاجة وعلى الطاولة الصغيرة بجوار السرير ، ينظر إلى عينيه لم يدري لماذا أنطفأ ذلك اللمعان الغامض ، ولما بهِت الشارب الممشوق المدبب ...
في الصباح قبل ذهابه إلى المدرسة يأتيه العم شمس بالفطور المعتاد الحليب والمربى وقطعة الزبد الصغيرة وبيضة مسلوقة ثم يفطران سوياً ، يعود من مدرسته فيجده يعزف بدون غناء وحيداً على كرسيه البامبو في الشُرفة المطلة على ميدان ، ضِعف صوت شمس لا يستطيع الغناء بعد الآن ، لم يعد يستطيع مجابهة صوت المترو وحشرجته وزحام الميدان  ......
يضع الراديو بجواره على الطاولة الصغيرة ممسكاً الجريدة ، جسده النحيل لم يعد يقاوم نسمات أكتوبر الباردة ، فيطلب من الصبي الشال الصغير ، يجلسان سوياً في الشُرفة يستمعان إلى الراديو فتأتي أغنية يبتسم وتلمع عيناه ويقول : هذه من الحان عمك شمس ....
وقف الصبي ناظراً الى الميدان ثم نظر لعمه وقال : لماذا تحب تلك الملابس المبهجة ؟؟
ضحك شمس وهو يضع العود بجواره : حياتي هي تلك الألوان وحتى لا ينساني الناس ....
يمر المترو فُيحدث حشرجته وضوضائه المعتادة وتهتز الشُرفة القديمة فينظر للصبي ويقول : تُرى من سيصمد أكثر البيوت أم المترو القديم ؟؟
في تلك الليلة من ليالي يناير الباردة والقاسية ، أشتد المرض بشمس لم يتوقف عن السُعال طوال الليل ،ولم يتوقف المطر تلك الليلة ، نام الصبي في غرفته واستفاق في الصباح على صوت قطرات المطر ترتطم بالشباك وصراخ الجدة مات شمس .....
أدرك وحدته عندما جلس على الكرسي البامبو في الشُرفة القديمة بجواره الراديو على الطاولة الصغيرة كل نصف ساعة يمر المترو بحشرجتهِ وضوضائه ، مازال البيت القديم يقاوم المترو والميدان ، بينما الزحام لا يبالي ولا أحد يبالي .......
صرخ أحدهم احترس هذا المكتب من الأبنوس أحمله وأنزله بحرص ، ثم جاء إليه أخر  وقال : لقد حملنا كل العفش ولم يتبقى سوى بعض الصور المعُلقة على الحائط ....
نظر الى غرفة المكتب فوجد العنكبوت الطاعن في السن يتعلق بأحد الأركان ، ثم قال للحمّال : لا سأنزل أنا الصور ....
أغلق باب الشُرفة المطلة على الميدان فأظلمت الغرفة رويدا رويداً ...
وضع صورة العم شمس في الصندوق ووقف في منتصف الميدان يمر أمامه مترو الميرغني وعبد العزيز فهمي محدثاً حشرجته وضوضائه المعتادة وسط الزحام ,,,,,,,

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة لبابلو بيكاسو

الاثنين، 17 يونيو 2013

الآن أغمض عيني



كادت أن تسقط منه حقيبة لوحاته وأقلامه الرصاص ، كاد هو نفسه أن يموت في الحال لولا أن تجاوزته السيارة المسرعة مع صراخ سائقها ونعته بالجنون والغباء ، عبر الطريق التي تتسارع فيه السيارات وقت الغروب ، وهن مشيته ولا مبالاته تجعل السيارات تدفع ماء المطر الممزوج بالطين العالق بالإسفلت على بنطاله الرث ....
وقف على الكورنيش ناظراً للبحر مستقبلاً رياحه المالحة  بوجهه الشاحب ذو اللحية السوداء المرصعة ببعض الشيب الأبيض لم يمل الانتظار والترقب ثلاثون عاماً يبحث عنها في تلك الشوارع المزدحمة على هذا الكورنيش بين همسات المحبين تحت مطر الشتاء وضحكات وسمر الأطفال في ليالي الصيف الطويلة ، في وجه فتاة لم تتجاوز العشرين كما رسمها من صورة فوتوغرافية  قديمة ، في أضواء السيارات المسرعة ولوحات الإعلانات المتراصة على الطريق ، خلف فاترينات الدكاكين المتلألئة في كل الأوقات .....
نفض قليلاً من الطين العالق على بِنطاله ثم بحث عن أريكة يجلس عليها ، جلس فظهرت قدميه نحيلتين أسفل بِنطاله القصير ، أحس ببعض البرودة لكن لم يبالي ....
أخرج من حقيبته قطعة الفطير المتبقية من الصباح فبللتها قطرات المطر الصغيرة وسال السمن منها على يديه ، فغسلتها قطرات المطر التي بدت ثقيلة واخرج منديله كي ينظف أصابعه جيداً .....
جلس صامتاً يستمع لمزيج من الأصوات كأنها كونشيرتو ، الموج ، صراخ طفل ، ضحكة فتاه ، موسيقى صاخبة قادمة من أحدى السيارات ...
جلست بجواره على الطرف الأخر من الأريكة الخشبية ، ناظرة هي الأخرى الى البحر مثله كأنها تنتظر شيء ما ، فتاة لم تتجاوز العشرين من عمرها ....
توقف المطر وزادت الريح قليلاً ، نظر لها بعينين حانيتين ثم قال خجلاً : تسمحي لي أن أرسمك وأهديكِ اللوحة بدون مقابل ؟؟
فوجئت بطلبه .. لملمت شعرها المتطاير على عينيها وقالت : أنت رسام ؟؟
قال بابتسامة هادئة : رسام هاوٍ أرسم بالرصاص والفحم ... أخرج من حقيبته بعض اللوحات المرسومة بالرصاص والفحم وقال : هذه بعض لوحاتي ... وأعطاها إياها .....
أخذت منه اللوحات ، كادت الريح أن تطيرها من يديها ، قلبتها واحدة تلو الأخرى  ، تأملتها طويلاً ثم قالت له باندهاش : إنها لفتاة واحدة  ، نفس الوجه والملامح والنظرة الخجلة !!
أخرج لوحة بيضاء فارغة وقلمه الرصاص ونظر لها مبتسماً ابتسامته الهادئة الحزينة وبدأ يخط قلمه على اللوحة وقال : نعم أنها لفتاة واحدة ووجهاً واحداً ... ثلاثون عاماً مضت على معرفتي بها ، عاد صديق لي من السفر بعد غياب طويل وذهبت إلى بيته كي أزوره ، كانت صورتها الفوتوغرافية معلقة على الحائط  في غرفة الاستقبال  ، عينان صافيتان كأنهما ميلاد الكون منهما صعود الشمس صباحا ً وغروبها بعد أصيل قرمزيٍ جامح ، طلة القمر ليلاً متباهياً على سائر النجوم ، يلامس عينيها خصلات سوداء كستار كهف سحري يعج بالأساطير والأسرار ، لا أدري كيف ولماذا انسقت دون إرادتي كطفل تجره أمه لعالم السحر والحكايات ،  إلى وجه فتاة في صورة فوتوغرافية .....
كانت أخته الميتة منذ أربعين يوماً ..... 
 كان يسرد حكايته وهو يرسمها ، شعرها المتطاير عصيّ عليها كلما لملمته ينطلق بحرية مرة أخرى ....
لمعت عينيها وقالت : كانت ميتة !!
أنتهي من نصف وجهها عينيها وشعرها المتطاير وبدأ في رسم أنفها الممتد على وجهها كجدول ماء نبعه مابين عينيها ومصبه عند شفاه رقيقه كواديٍ صغير ....
قال وهو يتأملها كي يستكمل بقية البورتريه : صورتها تطاردني منذ ثلاثين عاماً ، تطاردني وتدفعني للبحث عنها ... أسيراً لا يملك مفتاح قيده كي يصبح حراً ... كلما جلست مع صديقي أطلب منه أن يحكي لي عنها منذ طفولتها البسيطة مروراً بسحر صباها حتى أصبحت فتاة امتلكت سر كل أنثى في هذا العالم ... أحببت بين أحضان الموت وأبحث بين جدران الموت إلى أن أسكن إليه أبدا ......
انتهى من اللوحة وتأملها لبرهة ثم أعطاها للفتاة ، كانت الريح قد هدأت قليلاً ، وبدأ المطر غيثه من جديد بقطرات قليلة لكنها ثقيلة   ....
أخذتها وظلت تنظر إليها بإعجاب ثم طوتها وهي تنظر للبحر وتُحكم شالها على صدرها بعد أن أحست بالبرودة ثم قامت كي ترحل ...
ألتفتت إليه وقالت : ظللت تبحث عن روحها ثلاثون عاماً لكنك قريبا ستذهب أنت إليها كي تجتمعان سوياً ، ستُغمض عينيك وتكون معها .......
انصرفت تعبر الطريق وسط السيارات المسرعة ، يلمع شعرها ويتطاير ، تُحكم شالها على صدرها خوفاً من البرد ....
ظل جالساً على الأريكة الخشبية أمام البحر يدور الكون من حوله ولا يبالي ينظر إلى الأفق البعيد الممتد إلى مالا نهاية ....
أقترب الفجر ، ظل يتمشى كثيراً إلى أن وصل إلى المقبرة القديمة ، كان الضوء يحبو كطفل صغير قادماً من الشرق يبدد الظلام رويدا رويداً ، فتح باب المقبرة الذي أكلته رياح البحر المالحة فجعلته يزمجر قليلاً ....
أخرج لوحاتها ووضعها بجوار قبرها ، كل لوحة ثبتها بحجرٍ صغير حتى لا تطيرها الرياح ، جلس بجوارها ، فانكشفت قدميه النحيلتين فأحس بالبرودة لكنه لم يبالي ....
أنفاسه بطيئة ، دقات قلبه ربما أصابها تعب البحث والانتظار لم يدري إن توقفت أم لا ....
قال وهو يبتسم ابتسامته  الهادئة الحزينة الآن أغمض عيني ,,,,,,,,,
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة لبابلو بيكاسو     
       

الثلاثاء، 28 مايو 2013

ترنيمة الظلام



رن جرس الهاتف وأصدر طنينه مجدداً ، ذلك الضوء المرتعش والمهتز ينبعث في الظلام بجواره وأسفل عجلة القيادة ، صوته ضعيفاً لا يضاهي صوت الموسيقى الهادئة ولكنها مرتفعة نسبياً ، دائماً تعّود أن يستمع الى الموسيقى بصوتٍ مرتفع ...
القى عليه نظره خاطفه كان لا ينوي ان يرد على أحد ، كان يوماً شاقاً ومرهق يريد أن يعود سريعاً ليضع رأسه تحت ماء الصنبور الدافيء كي يوقف تلك المطارق التي تضرب دماغه منذ بداية اليوم ....
مازال الهاتف يصدر طنينه مجدداً ، في ظلام السيارة يتلألأ  أسم حبيبته على لوحة الهاتف الصغيرة ، أمسك الهاتف ورد عليها ، كان الضوء المنبعث من عواميد الأنارة المتراصة على جانبي الطريق تلقى بظلالٍ خاطفة ومتقطعة ، مع مرور كل سيارة قادمة من الاتجاه المقابل تهب عليه ريحٍ صادمة تجعل رأسه المُثقل بالصداع يهتز ....
صوت حبيبته المتقطع الممزوج بالموسيقى المنبعثة من جوانب سيارته يأتيه : حبيبي الساعة قاربت على العاشرة لماذا تأخرت لقد فوّت ميعاد عشائنا ......
بدأ المطر غيثه بقطرات ثقيلة وقليلة ترتطم بزجاج السيارة تسيل في خيوط متعرجة مشوهة يتسلل عبرها ضوء عواميد الأنارة يجعلها أكثر تشوهاً ....
أصبح صوت حبيبته أكثر ضعفاً لم يكن ليسمعها بوضوح ، قام بتشغيل ماسحة  الزجاج ورد عليها : اعذريني ياحبيبتي لقد تأخرت ، يوماً مزدحماً بالعمل أنا في الطريق أنتظريني ....
وضع الهاتف مكانه أسفل عجلة القيادة ، قطرات المطر أصبحت أكثر غزارة ووقع ارتطامها على زجاج السيارة بدا أكثر ثقلاً ، تتحرك الماسحات على جانبي الزجاج الأمامي في حركة منتظمة مصدرة صوتاً كصوت طائر ليلي يأن حزيناً لسببٍ ما تحت جُنح ظلامٍ دامس ، مع هبوط وصعود الماسحات ترسم صوراً لوجوه عديدة ربما رأها وربما لا ، لا يتذكرها كأنها من ماضي سحيق تصبح أكثر وضوحاً ثم تتبدد مع ضوء سيارة قادمة مخترقة دخان الضباب .....
دخان الضباب على مرمى بصره القريب الذي لا يتجاوز ضوء سيارته  يحاوطه ذلك الدخان ، بدا كأن سينقض منه قابض أرواح لا يتسلل الا عبر ذلك الدخان البهيم .....
صوت الموسيقى الهادئة يتسلل وسط ظلام السيارة ممزوجاً برائحة المطر الرطبة ، أمام عينيه اضواء صغيرة من لوحة القيادة  كعيون قط  يعس يبحث عن شيء ما في الظلام ....
هاهي قطرات المطر الثقيلة ترتطم بالزجاج الجانبي للسيارة ، تبدل أتجاه الريح فأخذتها شرقية او غربية لكنها تحاوطه كأنها كفوف تطرق نافذته يظهر بينها تلك الوجوه مرة أخرى ، فاغرة أفواهها صارخة لا يدري ماذا تريد ، تصرخ ثم تتبدد وتتلاشى مع أضواء عواميد الأنارة المتقطعة على جانبي الطريق ....
رن جرس الهاتف مصدراً طنينه مرة أخرى ، ينقطع الأتصال ثم يعود .....
مازالت تنساب موسيقاه الهادئة  ، يتكاثر الدخان والضباب ، تصرخ الوجوه القادمة من أزمانٍ سحيقة ، تطرق تلك الكفوف نوافذه ، تتبدد وتتلاشى ثم تزداد وطأتها ....
يفتح عينيه ببطء وثقل ، أنفاسه تعانده عصية عليه لا يدري أن كان قلبه ينبض أم لا ، أمام عينيه ضوء أحمر متقطع يدور ويدور ، وصوت صفارة سيارة الأسعاف يتسلل الى مسامعه يأخذها بدون هوادة .....
دماء متخسرة مالحة تختلط بلعابه وريقه ، لسانه كأن سكيناً يقطعه كلما لمس شفتيه ...
فقد سطوته ونفوذه على أطرافه وجسمه ، لا يدري لماذا كل شيء يعصيه حتى صرخاته من الألم خرجت عن طوعه ....
أشباح تتحرك لم يكد يميزها ، يدقق اليها نظره ، تقترب منه وتتهامس فيما بينها ، يطرق سمعه لها فلا يسمع سوى الموسيقى وطنين هاتفه ...
تلك الأيادي تقترب منه وترفعه وتضعه على شيء أشبه بالسرير ، أحدهم يمسك هاتفه ويضعه في جيبه ، يتحركون بهِ الى تلك السيارة التي تطلق صفيراً مزعجاً متقطعاً أتضح له أنها سيارة الأسعاف ....
قطرات المطر خفت وطأتها وبدأت في الأنحسار فأصبحت غيثاً رقيقاً كندى يبلل جبهته وعينيه الناظرتين كعيني عصفور غريق ......
كابينة السيارة باردة اجهزة عديدة وأصواتها تختلط  بالصفير المزعج المتقطع ...
يأتيه ذلك الصوت الذي كان يحدثه في السيارة لا يتذكر سوى حبيبي ، يفتح عينيه مرة أخرى بثقل ووهن كأنه يتحدث الي ذلك الصوت القريب منه : أين أنتي .. الان عيني كأبواب مفتوحة كي ترى مابداخلها ... لا أستطيع سوى أن أفتح عيني فقط كي تقوديني من نظراتك الي الحياة  ...
روحي تتبدد وتتسلل ببطء بعيد عني ... كأنها تهوي الى أعماق ظلام بارد تتجمد عاجزة .... من عيني أبحثي عن روحي وقوديها اليّ مرة أخرى .... عينيكي هي الحقيقة والحياة من بين ذلك الموت وتلك الأشباح ....
في ذلك العالم الأخر ربما يضيع أسمي أنتي فقط  تعرفيه .... انتي فقط من ستستطيع أن تناديني فأنهض وينبض قلبي وأصبح حقيقة من جديد ....
أصبح المكان أكثر برودة تنغلق أبواب عينيه ببطء في وجه ذلك العالم ، من بين تلك الأبواب يختفي النور رويداً رويداً ليسود الظلام ....
ينتفض جسده بوقع صدمات كهربائية ، مرة أخرى ينتفض جسده  ، أغلقت عينيه أبوابها ولم يعد يستطيع أحد فتحها ....
رن جرس الهاتف مرة أخرى ينبعث منه ذلك الطنين ، يمتزج بتلك الموسيقى الهادئة ، ينتفض فزعاً متصبباً عرقاً بالكاد يأخذ أنفاسه ببطء ، ينظر للمنبه جوار السرير يجد الساعة  قاربت على السابعة الا قليلاً ، ينظر الى لوحة الهاتف يجد أسم حبيبته ...
يأتيه صوتها رقيقاً واضحاً : هااا كل ذلك الوقت نائماً ، لقد تأخرت على موعدنا !!!
يرد بوهن : أعذريني ياحبيبتي انها مجرد قيلولة سأخذ حماماً دافئاً ولن أتأخر ,,,,,,,,